في التشريعات القانونية للسلامة الغذائية

21 كانون الثاني 2015 | 16:20

المصدر: "النهار"

الصورة عن الانترنت

في الوقت الذي سينشغل فيه لبنان قريبًا بنص اقتراح قانون سلامة الغذاء، وإنشاء الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، وآلية التنسيق بين الهيئة والإدارات والوزرات المعنية، والذي يعتبر الوزير أبو فاعور إقراره انتصاراً أولياً، ما زال لبنان متأخرًا في عدة مجالات مقارنة بدول كثيرة وذلك لتقاعسه في ميادين شتى، ومن بينها وأولها السلامة الغذائية.

هناك أدلة موثقة يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد تسلط الضوء على احتمال فساد الغذاء نتيجة سوء التحضير أو التخزين، وهناك بلدان اهتمّت قانونياً بالجودة الغذائية منذ القرون الوسطى. فلِمَ كلّ هذا التأخير في حالتنا اللبنانية؟
وُضِعت التشريعات الغذائية لتأمين حد أدنى من معايير ضمان سلامة الغذاء، ومكوناته وطبيعته الأصلية من المنشأ إلى المائدة، وبالتالي سلامة المستهلك والمواطن عامّة. وكان للتشريعات الغذائية عبر التاريخ، ومع التطوير العلمي والتضخّم السكاني، أربعة أهداف رئيسية، هي: حماية المستهلك، حماية المُصنِّع أو التاجر، وحماية المنافسة العادلة وتوفير حرية الاختيار بمنع الاحتكار. ولم يكن لهذه الأهداف مبرر عندما كانت الزراعة او التصنيع الغذائي للاستهلاك الخاص او المَحلي. لكن، وكلّما تقدّم المجتمع، وتطوّر تصنيع المواد الغذائية وتعقّد، بَعُد المستهلك عن منشأ الغذاء ومواده الاولية، وعن مركز تصنيعه أيضًا. ويساعدنا على فهم ذلك شكل الثلاجة (او البراد) الذي ظهر في البدء بجزئين: براد كبير وثلاجة صغيرة تتّسع لمكعبات الثلج فقط. اما الآن فتأخذ الثلاجة ما يقارب نصف حجم هذه الأداة، وهذا دليل على أهمية حفظ المواد الغذائية المصنعة، والتي تُمَكِّن من حفظها لأشهرٍ عديدة. وفي العودة لمسألة المستهلك، كان التلاعب في الخبز والدقيق مِن أقدم أشكال الغشّ، وهما من المواد الاساسية في الهرم الغذائي. فالدقيق كان يُخلط مع الرمل والرماد، ونشارة الخشب وعظام الحيوانات كانت تُستخدم لجعل الطحين أبيضاً. وكان الحليب (اللبن) ايضا عرضة للغش بتخفيفه، أي بإضافة الماء اليه، الخ.
أول قانون في التاريخ البريطاني لتنظيم إنتاج وبيع المواد الغذائية بدأ سنة 1266م. واهتمّ بالخبز والبيرة من حيث تنظيم الأسعار والوزن والنوعية. فواكب هذا التشريع العمل على المقايس والمعايير للأحجام والأوزان، والتوسّع بمفهوم الجودة والنوعية الذي كان يقتصر قبلاً على المظهر والرائحة والطعم.

على الرغم من تكثيف القوانين والجهود التقنية، كان الغش هو القاعدة وليس الاستثناء. فخلال الثورة الصناعية مطلع القرن الـ 19 ومع تزايد تناول الطعام خارج البيت أو شرائه شبه جاهز، تفاقمت حالات الغياب عن العمل بسبب استهلاك الأغذية المغشوشة. وأُقيمت حملات أخذ العينات الغذائية من الاسواق الاوروبية بهدف فحصها منذ منتصف هذا القرن ايضاً، ونتج عنها تخصيص اعتمادات للتحليل والمحللين وإنشاء مؤسسات لهذا الغرض.

ولم يكن الغش العقبة الوحيدة في وجه سلامة الغذاء، انما ايضاً الأمراض المنقولة بالأغذية والتي باتت معروفة أكثر فأكثر في القرن 20، ونتيجة لذلك، تم إدخال قوانين متصلة بسلامة وجودة الأغذية وشملت  الحليب والألبان والأجبان والبيض، أي باختصار المواد الغذائية السريعة العطب والفساد، والتي تُعرف بقابلية احتوائها للميكروبات الخطرة. كما فُرض الاعلان عن المحتويات والمكونات الغذائية لمعظم الأطعمة بهدف مساعدة أصحاب الأمراض المزمنة والحساسية ووقايتهم، أو أيضًا لأسباب دينية بحتة، من بين أهداف متعددة أخرى.


تطور التشريعات الغذائية والسبل المبتكرة للالتفاف على القانون في القرن الماضي، جعلت قوانين سلامة الغذاء تضمّ بنوداً تنصّ على عقوبات على التسميات الخاطئة والدعاية المضللة، كمثلِ تسمية مشروب مُعيّن بالعصير الطبيعي أو الطازج، بينما هو في الحقيقة مركّب كيماوي، أو الادعاء بأن لهذا المنتج أو ذاك مفعول الشفاء من الزكام مثلاً، او أنه ينمّي الذاكرة أو الشعر أو يحسّن النظر الخ... وما هذه الادعاءات إلا نوع آخر من أنواع الغشّ الغذائي والتسويقي.
الاتحاد الأوروبي، وفي قانونه لتنظيم الأغذية العامة ذي التعديل والتطور المستديمين، أتمّ تشريع قوانين جديدة حول السلامة والمعايير التجارية، وتتبّع معرفة هوية ومنشأ المواد الأولية المستخدمة، وسحب المواد من الاسواق ومتطلباته عند حصول تهديد للصحة العامة من جراء تسويق سلع غذائية معينة.
من الدلالات القوية على تطوّر وتشعّب وضرورة تأقلم قوانين السلامة الغذائية، انتقال برنامج تحليل المخاطر والتحكم بالنقاط الحرجة مثلاً، أو ما يُعرف بالـ (HACCP) أي طريقة تأمين غذاء صحّي وسليم لروّاد الفضاء في وكالة "ناسا" الى شبه فريضة في المؤسّسات الغذائية لضبط إجراءات التصنيع والحفظ والنقل، وحتى للسماح بالتصدير او التحفيز عند المنافسة التجارية. نتيجة لذلك، اعتمدت الدول المتقدمة كالولايات المتحدة الاميركية وكندا ودول الاتحاد الأوروبي برنامج او نظام الـ HACCP كشرط تصنيع قانوني وإلزامي.
في الخلاصة ورغم تأخر لبنان باللحاق بالدول المشرِّعة لقوانينها الغذائية، إلا أننا سنستفيد بشكل إيجابي من عصارة التطورات التشريعية والتقنية في حالات التصنيع والمراقبة والتحليل. ولكن هذا لن يعفينا من استمرار بذل الجهود لمواكبة التطوّر والتأقلم من جراء التغييرات الدائمة، والتي تكون أحيانًا مفروضة من الجانب الأقوى تجاريًّا او اقتصاديًّا.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard