في سنّ السابعة...هو مجرم وقاتل

20 كانون الثاني 2015 | 16:04

المصدر: "النهار"

"أشبال الدولة الإسلامية" أو "ليوث المستقبل" هو الاسم الذي يعتمده تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) رسمياً في تعريفه عن جنوده الصغار الذين لا تتعدى أعمارهم الـ 15 عاماً، وهم يتدربون وينفذون عمليات إعدام ميدانية. ويعتقد المحللون أنَّ التنظيم المتطرف أنشأ مخيمات لتجنيد أطفال وتدريبهم على كيفية استخدام أسلحة الكلاشنيكوف والقذائف الصاروخية للقتال في المعارك، ويقوم بتقسيمهم إلى مجموعات منفصلة يتم تدريب بعضها على تنفيذ تفجيرات انتحارية. وتؤكد أشرطة الفيديو التي يبثها التنظيم تجنيد الأطفال عبر تغذية عقولهم بأفكار متطرفة وإجرامية داخل معسكرات تجعل حياتهم في خطر.

سأكون ذباحكم يا كفار

عبدالله هو نموذج من هؤلاء "الأشبال" الذي يجندهم تنظيم "داعش"، وهو ظهر في شريط فيديو نشره التنظيم، حيث أطلق النار من مسدس على رجلين قيل إنهما كُلفا من الاستخبارات الروسية "للتجسس على الدولة الاسلامية". عبدالله الذي يبرز في فيديوات عدَّة وهو يخضع لتدريبات عسكرية، يؤكد في مقابلة أنه جاء من كازاخستان إلى سوريا حيث يعيش بحسب قوله في "الخلافة الإسلامية ويتدرب داخل معسكر"، حيث أشار إلى أنَّ أميره هو أبو بكر البغدادي، وعندما سُئل عما سيكون في المستقبل، أجاب: "سأكون ذباحكم يا كفار، سأكون مجاهداً إن شاء الله". ولكن ما هي الأسباب الكامنة وراء تجنيد "الدولة الإسلامية" للأطفال؟

 

 

القتال من جيل إلى جيل

يشير المحلل السياسي في صحيفة "النهار" سركيس نعوم إلى أنَّ "دمج الأطفال داخل المنظمات الإرهابية المتطرفة أو المؤدلجة ليس أمراً جديداً يتبعه تنظيم "داعش"، بل إنَّ هذه المسألة بدأت في رواندا وكذلك مع تنظيم القاعدة. ففي كل الحروب تجنِّد الميليشيات أو الثوار الأطفال من سنِّ صغير وصولاً إلى المراهقة من منطلق ديني أو سياسي. إذ يحب هؤلاء في مثل هذا العمر السلاح والقوة، كما تتمُّ تربيتهم على ذلك". ويضيف: "الجديد في مرحلة التطرف الإسلامي أنَّ باستطاعة هذه التنظيمات تجنيد هؤلاء الصغار بحيث تكون مسألة قيامهم بعمليات انتحارية أقل صعوبة من غيرهم، لأنَّ الصغير يقتنع بسرعة، وغالباً لا يرفض ما يطلبه منه الكبار. ويتمُّ الاستفادة من الصغار إما لنقص عدد العناصر لديهم أو من أجل جمع المعلومات، أو تنفيذ عمليات انتحارية إذ يكون من السهل أدلجته وتجنيده خصوصاً في ما يتعلق بالشق الديني".

ولكن ما هدف "داعش" من تصوير أطفال صغار ينفذون أحكام إعدام عبر إطلاق الرصاص على أسرى الحرب، يجيب نعوم أنَّ "الهدف يكمن في القول للغرب بأنهم مكروهون حتى من الصغار والأجيال الجديدة، والمطلوب هو التخلص منهم في هذا الجزء من العالم لدى المسلمين، وأن لا مكان لهم هنا. والإشارة إلى أنَّ القتال سيستمر لفترة طويلة لأنه ينتقل من جيل إلى جيل".

هو القضية والقضية هو

يشير الدكتور نزار أبو جودة الاختصاصي بعلم الاجتماع في حديث لـ"النهار" إلى أنَّ "الأمم المتحدة وضعت تعريفاً للطفولة، معتبرةً أنَّ الطفل هو الإنسان دون سن الـ 18، وبالتالي أصبح الشخص الذي يحمل سلاحاً تحت سن الـ 18 مخالفاً للقانون الدولي والتشريعات الدولية والمحكمة الجنائية. ولكن في ما يتعلق بمسألة بث أشرطة الفيديو لأطفال يخضعون للتدريب أو يقومون بأعمال قتل فهذا أمر ليس بجديد، بل موجود تاريخياً، وفي حقبات مختلفة تهدف من خلالها التنظيمات الإرهابية إلى بث الرعب والخوف. وتحمل في طياتها رسائل عدَّة منها داخلية للأطفال الموجودين ضمن البيئة الاجتماعية نفسها حيث يتمُّ إظهار هذا الطفل على أنه "بطل"، وبمجرد أن يتكرر المشهد نفسه يعتاد الطفل تلقائياً على العنف، بحيث يصبح جزءاً طبيعياً من حياته اليومية. ومنها رسائل خارجية هدفها إخافة الإنسان العادي الغربي أو العربي الذي يعيش بعيداً من بيئة هذه التنظيمات، وإعلامه بأنَّ الطفل مجرم وقادر على القتل فكيف بالشخص الكبير. وهي تتضمن رسالة للمجتمع الدولي الذي يحاربهم بأنهم يقومون بتنشئة جيل ووقود مستقبلي، قائلين: أنتم تقتلوننا نحن، لكننا نسلم مشعلنا لأولادنا وأولاد أولادنا. هي حرب إعلامية سيكولوجية تديرها التنظيمات بشكل قوي".

ولكن لماذا الأطفال؟ يجيب أبو جودة بأنَّ "تجنيد الأطفال أسهل نظراً لتأثرهم بشكل أكبر، وفقدانهم للحس النقدي، وضعف قدرتهم على الرفض والتفكير. فابن الـ 25 و30 الذي تشكَّل انتماؤه الاجتماعي، بعكس الطفل الذي يبحث عن هوية واندماج في جماعة يحميها وتحميه، بالتالي من السهل التوجه نحو الطفل واللعب على عواطفه الدينية لا عقله، فيصبح هو القضية والقضية هو". ويتابع: "أغلقت أكثر من 5 آلاف مدرسة في سوريا ونحو الألفين هدمت وهذا مقصود ضمن الخطة العسكرية السياسية الاجتماعية، ما يدفع بالطفل الذي خرج من المدرسة إلى البحث عن مدارس وقيم وأفكار أخرى، فتلتقطه المدارس المؤدلجة وتضلله وتدربه وتحفزه بطرق مادية ونفسية وحتى وعود جنسية ليتجند فيصبح مستعداً للموت من أجل القضية". ويعتبر أبو جودة أنَّ "المسؤولية تقع على عاتق الإعلام الذي يبحث عن سبق صحافي من دون التفكير بمدى تأثير وانعكاسات هذه الأفلام والمشاهد المنشورة مراراً وتكراراً على المشاهدين والأطفال. ما يجعل من العنف جزءاً من الحياة اليومية والإعلامية ويؤدي إلى اعتياد المشاهد عليها". ويختم: "تؤكد دراسة أجريت في مدينة "هامبورغ" الألمانية أنَّ "غالبية المشاهد التي تبثها التنظيمات المتطرفة وأبرزها "داعش" هي محض تمثيل وتخضع للمونتاج ولا تمتُّ للحقيقة بصلة".

"البطل ومخلِّص الأمَّة"

من جهتها، تعتبر المحللة النفسية والاختصاصية بعلم النفس العيادي زينة زيربيه في حديث لـ"النهار" أنَّ "الأطفال استخدموا في الحرب اللبنانية والعالمية من أجل أهداف عسكرية وإنشاء ميليشيات، وليست هذه الظاهرة خاصة بـ"داعش"، ولكن الضوء سُلِّط عليها إعلامياً أكثر خلافاً لأماكن أخرى. ولهذه المسألة أبعادٌ اجتماعية واقتصادية وتربوية بغض النظر عن طبيعة الشخص العنفية أو اللاعنفية. فالطفل يُبهر بالملابس العسكرية الحربية التي تعطيه سلطةً وقوة. لكنَّ الحقيقة ليست كما الصورة، إذ إنَّ الأطفال لا يفهمون حقيقة الحرب بل يبحثون عن صور بطولية ما يسبب لهم صدمة نفسية خصوصاً في الدول ذات البيئة الحاضنة. فالطفل في أوروبا لن يترك مدرسته للإلتحاق بالتنظيمات الإرهابية، بل يذهب المراهق أو الناضج. ويحاول التنظيم وضع الطفل في الصفوف الأمامية للقتال بالمعارك ما يجعل من السهل إضعاف الخصم والتلاعب به". وتتابع: "إنَّ الطفل الذي ينفذ هذه العمليات مجرد من الطاقة العاطفية ومن التأثير العاطفي، ويقال له أنت البطل الذي سيخُلِّص الأمة وتتمُّ تربيته ضمن هذا الإطار الاجتماعي الثقافي. إلاَّ أنَّ المشلكة تتبلور في المستقبل، حيث يصبح المحارب أو مجرم الحرب غير مؤهل للحصول على مهنة أو وظيفة كما الآخرين في مثل سنِّه، وهناك نماذج لأشخاص كثر شاركوا في الحرب اللبنانية ولم يتمكنوا من الاندماج اجتماعياً، بعدما رفضهم المجتمع، ما جعلهم يعيشون تحت وطأة العقد والصدمات النفسية والعقلية. إذ يكون هؤلاء الأشخاص في موقع قيادي ثم يجدون أنفسهم بعد الحرب غير مؤهلين لضمان حياة كريمة لهم ولعائلاتهم من دون علمٍ أو ظيفة".

ماذا ينتظر هؤلاء؟ تجيب زيربيه بأنَّ "ردود الأفعال تختلف بين شخص وآخر، فمن الممكن أن يشعر الشخص بصدمة على الصعيد النفسي – الاجتماعي، أو أن يلجأ إلى الانتحار، أو يحوِّل عدائيته وقتله للبشر إلى هوايات أو مهن مثل اللحام أو الصياد، وآخر قد يدمن على الكحول أو المخدرات. في حين يكون لدى البعض استعداد نفسي للاندماج داخل مجتمعهم عبر الزواج وتكوين أسرة على رغم بقاء ما قاموا به جزءاً من ماضيهم".

 

ورغم كل الإنتقادات التي ترافق أعمال وتصرفات "داعش" إلاَّ أنَّ التنظيم استطاع فرض نفسه لاعباً مؤثراً في هذه الحرب عبر ممارسة حرب نفسية إعلامية تعتمد الدقة والاحترافية في بث الفيديوات والبروباغندا الإعلامية والإلكترونية.

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard