الخبيرة الفرنسية في ملف الارهاب آن غودتيشلي لـ"النهار": من ارتكبوا المجزرة هم أطفالنا المجانين

13 كانون الثاني 2015 | 23:22

صورة لـ آن غودتشيلي عن التلفزيون الفرنسي.

ولّدت تظاهرة 11 كانون الثاني الفرنسية لحظة إنتشاء أرست إنكاراً ورفضاً للإدراك بأن النموذج المجتمعي غير قادر على الدفاع عنا، وبأننا نولّد بأنفسنا الأعداء الذين يهاجموننا. هي نظرة أمنية فرنسية عميقة تعكس قناعة بأن معالجات وإجراءات وقوانينَ خاصة بمكافحة الارهاب لا توغل في معالجة جوهر "العقدة الاجتماعية" لن تصل الى نتيجة مرتجاة.

غداة الهجوم الارهابي على المجلة الساخرة "شارلي ايبدو" وما تبعه من أحداث أمنية، فُتح نقاشٌ كبيرٌ في المجتمع الفرنسي حول الاستراتيجيات الأمنية لمكافحة الارهاب، ووضعت قوانين السنوات الأخيرة تحت المجهر التقويمي.
رئيس الوزراء مانويل فالس خاطب الجمعية الوطنية الثلثاء معلناً نقل السجناء الجهاديين الى أجنحة خاصة وتشديد المراقبة عبر الانترنت وفي الشوارع والضواحي التي قد تشكل معاقل لأصحاب الفكر الجهادي. اجراءات فالس لا يراها اليمين المتطرف كافية اذا لم تقترن بقوانين "فاعلة" لسحب الجنسية ووقف الهجرة، فيما خبراء أمنيون يدعون الى الاعتبار من تجربة تكريس جلّ الجهد المخابراتي خارج الحدود وقت باتت للجماعات الارهابية وسائل تجنيدها السهلة الممتنعة داخل الحدود الفرنسية.

صورة أوضح

لنقل صورة أوضح عن النقاش الأمني السائد في المجتمع الفرنسي اليوم، نستضيف في موقع "النهار" الخبيرة الفرنسية في ملف مكافحة الارهاب آن غودتيشلي، والتي تولت مهمات سابقة في وزارة الخارجية في منطقة الشرق الأوسط على مدى ثماني سنوات. وهي صاحبة كتاب Le risque anti-terroriste ومؤسسة مركز TERRORISC الذي يعنى برصد ومتابعة الشؤون الارهابية.

ترى غودتيشلي حاجة لاعادة النظر في النظام الأمني، لأن التهديد لم يعد مجرد خطر محدق بل هو واقع يمثله الأداء العالي للارهابيين في تنظيم أنفسهم في شبكات وخلايا. كما ان هناك حاجة لتقويم قوانين مواجهة الارهاب التي اعتمدت في السنوات العشر الأخيرة، والتي لم تكن كفيلة بوقف الهجمات الارهابية، على أن تشمل الشرطة والقضاء ومؤسسات أخرى، الى المعالجات الاجتماعية.

وفي رأيها، أن الرقابة المفروضة على حركة الأجانب في دول شنغن، أدت إلى توقّف إرسال مقاتلين أجانب للتحرك على الأراضي الأوروبية، فتكيّفت الشبكات المعولمة مع هذا الواقع عن طريق تجنيد مواطنين أوروبيين.

وفي نهاية المطاف، "يجب النظر الى حادثة الاعتداء الرهيب على أسرة تحرير "شارلي ايبدو" من زاوية مهمة تتيح لنا رؤية أن أطفالاً فرنسيين قتلوا أطفالاً فرنسيين آخرين. نعم من قتلوا كانوا فرنسيين ومن صلب مجتمعنا الذي يعاني أزمات هويات لم يعد في الامكان إنكارها".
وترى غوديتشيلي، ان عدم التغاضي عن هذه الحقيقة هو من صلب المعالجة الأمنية، فليس كل الفرنسيين "شارلي" وهذه حقيقة، وعلينا طرح سؤال يتعلق بنجاح نموذجنا كمجتمع وبمدى فهم هذا النموذج والقيم التي يمثلها من قبل جميع الفرنسيين. تتابع: "هناك قيّم تتعلق بالمواطنية والأخوة والمساواة، ويبدو ان هناك مواطنين لا يتلقونها بشكل جيّد أو يتلقونها ولا يطبقونها. ولا يمكن الخضوع لمعادلة العيش في جمهورية مقسمة على أساس الأديان، ليس هناك مسيحي ومسلم ويهودي، هناك مواطن فرنسي".
وتعود الخبيرة الفرنسية الى ما كرسته تظاهرة 11 كانون الثاني من تأمين للنموذج الفرنسي وإظهار المجتمع مدافعاً عنه، والعكس صحيح، "لكن أيضاً في التظاهرة الجليلة الكبيرة اختبأت نقطة ضعف تكمن في أن الصورة الجميلة تضمنت في خباياها صورة نكران ورفض لواقع أن في بلدنا أطفالاً يكرهون أطفالاً آخرين بسبب الهوية". تكرر آن: "من قتلوا أسرة تحرير" شارلي ايبدو" هم أطفالنا المجانين الأشرار والذين يعانون من أزمة هوية آن الآوان لنا كفرنسيين أن نتصدى لها ونشهرها أزمة وطنية".

"لماذا يكرهنا هؤلاء الأطفال"

أما السؤال "لماذا يكرهنا هؤلاء الاطفال"، فلا يحتاج الى كثير اجتهاد في الاجابة المكررة والمتمثلة في أزمة الهوية التي تقودهم الى رفض بلدهم وقيمه. وعند هذا الحد يبدو أن العقل الأمني الفرنسي لا يملك وصفة حلول بعد، يمكن القول اننا أمام تشخيص لأزمة لكن الحلول ليست متبلورة تماماً رغم الاجماع على مقولة تحصين الداخل لانجاح اي استراتيجية أمنية.

تبديد التشويش
تركز غوديتشيلي على ضرورة توضيح الصورة وتبديد تشويش قد يكون أصابها، فتقول: "لنتذكر جيّداً ان النقاش حول حرية نشر الرسوم المسيئة هو نقاش فرنسي أيضاً، والانقسام هنا واضح بين من يدعو الى ممارسة حرية مسؤولة وبين يدعو الى حرية لامحدودة".
ولا يستقيم جدلٌ أمنيٌ من دون التطرق الى السياسة الخارجية الفرنسية، وهنا تبرز آراء متباينة حول جدوى المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة التنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق، وتركيز الجهد على ملاحقة الارهابيين خارج الحدود، لكن يبدو أنه سيكون جدلاً محسوماً لصالح الاستمرار بزخم في الجهود الخارجية، لاسيّما مع تصويت الجمعية الوطنية الثلثاء بأغلبية كبيرة لصالح تمديد الضوء الأخضر الممنوح للمشاركة في التحالف. أما تسليط الضوء على اتهامات البعض حول أدوار لعبتها السياسة الخارجية الفرنسية بشكل غير مباشر في تبلور مشهد المعارضة المتطرفة في سوريا، فيجب الاقرار أنه لا يحتل حيّزاً كبيراً في المشهد الفرنسي لسبب ربما اتصل بأن إعادة قراءة المشهد السوري ولو بشكل غير جذري كانت قد سبقت الهجمات الارهابية الأخيرة.
يعوز الاجراءات الفرنسية الحالية لمكافحة الارهاب الابتكار، وفق وجهة نظر غودتشيلي، فتعبئة الآلاف من رجال الأمن، واتخاذ تدابير استثنائية يعبّران عن مقاربة غير كافية للحد من المخططات العنفية على يد شبكات تبتكر أساليب جديدة في عالم الارهاب. وفي المحصلة، "ما يقود الى استراتيجية ناجحة يبدأ بمنع الأشخاص الذين يُشتبَه برغبتهم في الانضمام إلى جبهات خارجية من السفر ويمرّ حكماً بالتحصُّن الفرنسي من الداخل". 

 

 diana.skaini@annahar.com.lb

skaini@

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard