"شارلي إيبدو" والعدد المُرتَقب: اختبار الجمهورية

13 كانون الثاني 2015 | 20:23

المصدر: "النهار"

الصورة عن "نيويورك بوست".

قد يُموَّه ويل المجزرة التي أصابت "شارلي إيبدو" حين تتوجَّه الأنظار بكثافةٍ مُفرطَة نحو المُنتَظر في عدد الأربعاء كأنه عمق الحدث. تحضر حاجةٌ الى تفحُّص الحسّ التهكُّمي أو التثبُّت من كسْرِ جذوته، ومن طبيعة الأبصار أن تُصوَّب على العدد الأول بعد المذبحة. لن تنكفئ المجلّة المفجوعة عن ضخّ الرسائل وسيتضمّن صدر غلافها نبي الإسلام محمد متبنياً شعار "أنا شارلي". توحّد العالم شعوباً وحكومات حيال رفض كمّ الأفواه بالقتل، وقدَّمت باريس نموذجاً تاريخياً في عظمة الوحدة. تحيل كاريكاتورية النبي ضمن غلاف العدد، رغم دماءٍ أُريقَت، على سؤالٍ عن احتمال تزعزع المشهد الوحدوي الذي لفّ فرنسا. نسأل الكاتب والشاعر اللبناني عيسى مخلوف، والكاتب والمترجم السوري بدرالدين عرودكي ونائب مدير "مبادرة الإصلاح العربي" الباحث السوري سلام الكواكبي قراءةً في عزم المجلّة على عدم الإذعان للتهديد، هم المقيمون في باريس المُتمسِّكة بالحرية قيمةً لا تردعها مخاوف ولا تضبطها سماء.

لا تُسأَل فرنسا عن المساومة على حرّيتها

قَصَد عيسى مخلوف السوق عازماً على حجز نسخته من عدد الغد، إذ بلَغَه أنّ بعضهم يُسارِع الى ذلك تحسُّباً لنفاد المتوافَر. يفضّل عدم التهوُّر في إبداء رأي قائم على صورة، أو المُباشَرة في تفسير النيات قبل اطلاعٍ على الافتتاحية وما يتضمّنه العدد. تُصدِر "شارلي إيبدو" الأربعاء 3 ملايين نسخة بنحو 16 لغة حول العالم. ليس من قبيل الإحاطة الموضوعية بالحدث قراءته وفق الظاهر من صورة الغلاف. لمخلوف هذا الرأي، يُرفقه بشرحٍ عن دقة الموقف والحذر السائد. أمامنا عددٌ مُختَزلٌ بصورة، فنسأله قراءةً في الدلالات. يسترجع دعوة المسيح الى التسامح: "اغفر لهم يا أبتاه..."، ليقول أنّ المُراد من رسم الرسول تسامحٌ مشابه. "مرة أخرى، يتوقف الأمر على مطالعة الإفتتاحية والمضمون. تصعب الإحاطة التامة بالنيات: هل القصد استفزاز أم انتقام أم تسامح. في فرنسا حرية تعبير مطلقة لا تستثني مقامات أو مناصب. وثمة أيضاً مسألة الإسلام السياسي في وجهيه المعتدل وما نشهده اليوم من تكفيرٍ يتمدد. إنني لو سُئلت رأياً في هذا الشأن لأجبتُ بتفضيل عدم الإشارة الى ما يمتّ للإسلام والمسلمين وسط هذا التشنّج الطافح. لكنّ فرنسا لا تُسأَل أي تنازلات. قد تطرح أميركا جدلاً حول "المسّ بالمقدّسات". في فرنسا الجميع أحرار. هرَعَ الملايين الى الشارع الأحد رافضين المساومة على الحق في الرأي. ما قد يدعو الى التوجُّس إمكان قيام بعض المتطرّفين بسلوكٍ تخريبي ضد ما يعتبرونه "تدنيساً" أوردته المجلّة. يغذّون اليمين المتطرّف وفي مزعمهم أنّهم ينتصرون للحق. نعم، إننا في وضعٍ حَرِج. أشبه بمَن يسير وسط ألغام توشك في كلّ حين على الانفجار".

"الثأر المبطّن" ودحض إظهار النبي بالضرورة

يقطع بدرالدين عرودكي الطريق الى الجزم بأنّ المُتصدِّر غلاف عدد الأربعاء هو بالضرورة النبي. "لا أدري إن كانت صورة النبي كما تقول وسائل الإعلام. إنها صورة رجل معمَّم يحمل ما حمله المتظاهرون إثر مجزرة 7 كانون الثاني: "أنا شارلي"، تعبيراً عن تضامن واستنكار. أرى في الغلاف محاولة ذكية للتمييز ما بين القتلة والمسلمين". يرفض قولاً بأنّ "المجلة تعود". إنها "تتابع ظهورها الأسبوعي الدائم. الفارق أنها تطبع 3 ملايين نسخة، وذلك يتيح لها فرصة التنفس بسبب مصاعبها المالية المتراكمة".

ماذا عن احتمال "ثأر مبطّن" تصوّبه المجلّة الى محاولي إسكاتها عبر عدم التردد في رسم الرسول؟ يقدّم لهذه الفرضية دحضاً حاسماً: "لم نشهد في التظاهرات التي عمت فرنسا دعوة الى الثأر من المسلمين. ثمة وعي مذهل لدى مَن خرجوا في شوارع باريس والمدن الفرنسية الأخرى بضرورة التمييز ما بين القتلة والمسلمين. وهذا دليلٌ الى تفوّق قيم شعب واعٍ مثقّف حضاري وسياسي بامتياز". يستثني اليمين المتطرف الذي يردّ علل فرنسا إلى اللاجئين من العرب والمسلمين. "ثمة بعض السياسيين الفرنسيين من اليمين الذي راح يزايد في قضية اللاجئين على اليمين المتطرّف، كالتصريح الذي أدلى به نيكولا ساركوزي بضرورة السيطرة على مسألة اللاجئين وتدفقهم على فرنسا، متجاهلاً أن قتلة صحافيي "شارلي إيبدو" فرنسيون نشأوا في فرنسا. المشكلة تكمن هنا: كيف حدث أنّ من ارتكب هذه الجريمة يحمل الهوية الفرنسية؟ كيف حدث أنه ليس لاجئاً؟ لماذا يذهب فرنسيون إلى القتال في سوريا؟ كان أولى بالمسؤولين الفرنسيين أن يطرحوا أولاً هذا السؤال".

نعود الى صورة الغلاف وما يحوطها من تأويلات. يُبقي عرودكي على التشكيك بلاهوية الرسم: "لماذا تكون صورة النبي لا صورة ترمز إلى المسلم عموماً؟ هل لدى أحدٍ صورة للنبي؟ ثم أين ملامح الثأر المبطَّن؟ هل الصورة وما كتب عليها ردّ الصاع؟ من ناحيتي، وقد أكون سيئ الفهم، لم أر ذلك".

العجز حيال قراءة أعمق من الأولى

تبدو واردة السخرية من مقاربةٍ تُشبِّه السلوك الفرنسي إزاء المِحن بسلوك بلدان العالم الثالث العازمة على الانتقام بالمِثل. "في مجتمع القيم، لا مكان للاقتصاص بهذا الشكل"، ينقل سلام الكواكبي مزاجاً ولدّته العِشرة. يستعيد شارْب الساخر منذ تسعينات القرن الماضي من همجية البنية الصهيونية، والآتي حينها على موقف صريح من الصراع العربي- الإسرائيلي لمصلحة القضية. يؤكد حضوراً راسخاً للسخرية في الثقافة الفرنسية، "وهي إذ لُمِحَت في الثقافية العربية الإسلامية بكثرة في مرحلة خلت، فإنها أذعنت للأفول إزاء طغيان الاستبداد والتصحُّر الفكري. بات بعض العرب يقرأ الرسوم الساخرة بدرجتها الأولى من غير بحثٍ في الخلفية". نستطردُ، كما دائماً، ثم نستدرك العودة الى الصُلب. هل يُرخي غلاف "شارلي" إمكان اهتزاز مشهد الوحدة الذي نالته المجلّة وسط حال دهشة أبهرت العالم؟ يقدّم الكواكبي قراءة قوامها النيات الطيّبة: "النبي في الرسم يتضامن مع الضحايا كما المفروض من حامل الرسالة السموية. يذرف عليهم الدمع ويُظهِر تجاههم الصفح. ثمة عبارة تقول: "كلّ شيء مُسامَح". إنها رسالة محبة الى المسلمين، لا المتعصّبين. ثم يأتيكَ غير مطلّعٍ على ماهية الفن الكاريكاتوري قائلاً: النبي مشهور بوسامته وجماله، فكيف تُبشّعه "شارلي"؟ لم يفقه هؤلاء أنّ الكاريكاتور ليس موناليزا دافنشي، والفنان صاحب الريشة يصنع رسماً من فكاهة. تولّت المجلّة استهزاءً لم يرحم أحداً. يتمسّك الفرنسيون بالحرية والعدالة أقَرَأوا "شارلي" أم اتهموها بالمبالغة والإساءة. خرجوا بالملايين يقولون: مسلمين، مسيحيين، يهوداً، كفاراً، ملحدين... كلّنا شارلي، في مشهدٍ لم يلتئم منذ الحرب العالمية الثانية".

تأكيدٌ آخر بأنّ فرنسا لا تساوِم: "لا شأن لفرنسا كدولة في ما يحدث على صفحات "شارلي". لا تسمح ولا تمنع ولا تفرض أي رسم. هذا خيار الضحايا بالتعبير عما حصل". نسأله احتمال أن تشكّل "عودة" المجلّة برسمٍ للنبي "صدمة" في الداخل الفرنسي أو ارهاص امتعاض؟ يجزم نافياً: "لا شيء يصدم الشريحة الكبرى من النخبة الفرنسية الثقافية. أما بعض المتعصّبين، فسيُصدَمون. ذلك مُتوقَّع إذ الغالبية تقرأ الرسم الكاريكاتوري بدرجته الأولى. أرادت "شارلي" أن تقول كلمتها: نحن مستمرون. نحن أحياء لا نموت".
fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

 

جبنة البارميزان النباتية والتوفو.... سلطة السيزر بمكونات جديدة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard