رسامو كاريكاتور لـ"النهار": الدين منطقة خطرة ولكن...

8 كانون الثاني 2015 | 17:28

المصدر: "النهار"

صورة تعود للعام 1989 لرسام الكاريكاتور ستافرو والضحية رسام الكاريكاتور في "شارلي ايبدو" وولنسكي.

رسامو "شارلي ايبدو"... اختاروا الدين ودفعوا الثمن. ليست مبالغة تشبيه الاعتداء على رسامي "شارلي ايبدو" بهجمات "11 ايلول" الشهيرة. المشهد مرعب ومخيف، خصوصاً ان الحادثة وقعت في قلب أوروبا، في بلد فيه أكثر من 5 ملايين مسلم، يعتبر آمناً مقارنة بدول الشرق الوسط الملتهبة.

الهجوم يحمل بصمات إرهابية إسلامية واضحة، والأصابع موجهة نحو "الدولة الاسلامية" التي تبحث عن أي وسيلة تهز فيها فرنسا، المشاركة و"بقوة" في التحالف الدولي المستمر في مكافحة الإرهاب عبر الضربات الجوية، وبعيداً عن رسائل الهجوم الواضحة، فإن ما جرى رفع من حدة مواجهة قمع الحريات، واتفق الجميع على ادانته مهما كان السبب، حتى لو كانت المجلة قد تعرضت إلى الديانات المسيحية او المسلمة او اليهودية أو غيرها.

الخشية من الرسم
رسامو الكاريكاتور في لبنان لا يزالون على وقع الصدمة، فالحدث مزعج ومؤسف، وبالنسبة إلى الرسام ارمان حمصي الذي لم يصدق اولاً حصول الاعتداء، فإن "الهجوم ومهما كانت اسبابه، تمت ادانته من الجميع لأن ما حصل هو رد تصعيدي غير مقبول دفع العالم الى التضامن مع فرنسا والرسامين وحرية التعبير".
"مخالفة الآخرين في الرأي لا يجب أن تدفع الطرف الآخر الى حمل الرشاش وتصويبه على الآخرين"، يقول حمصي الذي يعتمد في أعماله على التعبير في السياسة، ولا يشعر بأهمية التعبير في القضايا الدينية، خصوصاً في لبنان، ويقول: "لا معنى للعمل كاريكاتورياً على خبر ديني، فعملنا يتعلق بالحدث وغالبيته سياسي".
بعد هذه الحادثة هل تخاف رسم كاريكاتور عن "داعش"؟ يجيب: "من يرسم لا يستطيع في الوقت نفسه ان يفكر مسبقاً بردة الفعل، فنحن نقوم بما نقتنع به، وندرك تماماً أهمية ما نرسمه، ولا يمكنني بعد حادث ما ان أغيّر أسلوبي فجأة، نحن نؤدي العمل أمام الرأي العام بمسؤولية، وانا شخصياً منذ 20 سنة أرسم الكاريكاتور ولن يدفعني ما جرى الى التفكير بردات الفعل فأنا أعمل بقناعتي". ويضيف: " إذا خشينا "داعش" وفكرنا بامكانية اعتدائهم علينا، حينها فلنغلق الصحف ووسائل الاعلام، وحينها لا يسعنا ان نقوم بشيء".

نتجنب الدين
رسام الكاريكاتور الشهير ستافرو والعضو في نقابات للرسامين عالمية، تربطه صداقة بالذين سقطوا من "شارلي ايبدو". شاهد الخبر ولم يصدق، اقنع نفسه بانه غير صحيح، لينتهي به المطاف إلى البكاء على اصدقائه حينما أدرك ان الأمر وقع ولا يمكن العودة إلى الوراء.ويصف الهجوم بـ"الارهابي وغير الطبيعي والكارثي".
ستافرو في حال من الغضب، ولا يصدق ما جرى متسائلاً: "هل لأنهم رسموا "أبو بكر البغدادي" يتم قتلهم بشبه عملية انتحارية؟ لكن تم التعرف على المنفذين ويتم ملاحقتهم".
لهجة ستافرو كانت حادة، فهو أولاً شهد ضربة لحرية التعبير وخسارة لأصدقائه، ويقول: "انهم من كبار الرسامين في العالم وأصحاب تاريخ في الرسم منذ 60 إلى 70 سنة، ومثلاً فولسكي عمره 80 سنة، وهم من الأسماء الاساسية في عالم الرسم والمتميزين بالأسلوب الساخر والشرس، كما ان مجلة "ايبدو" هي الثانية في الكاريكاتور، ورسمات "ايبدو" شرسة وهجوم رساميها متواصل".

هل تخاف الرسم بعد الحادثة؟ يجيب: "أنا معروف بشراستي في الرسم، واشتركت في مجلة دبور، وعلينا ان نراعي الوضع الأمني في لبنان، فكل اعلامي يأخذ حذره، ولا يمكن استخدام قوتنا كافة في هجومنا كرسامين، بل علينا مراعاة البلد، خصوصاً ان لبنان واقف على صوص ونقطة".
يتجنب ستافرو رسم صورة ساخرة لـ"أبو بكر البغدادي"، وبالنسبة له رسمها لا يعني انه بطل، معيداً السبب إلى غياب الحرية الكاملة والحماية، ويقول: "ليس هناك من يحميك، ولا صحافة تحميك ولا سياسة ولا دولة، فالسياسيون أساساً يخافون على أنفسهم، لهذا لا يمكننا ان نهاجم بالكاريكاتور بطريقة عشوائية، ففي لبنان فلتانة وما حدا بالو بحدا".
يلفت إلى ان "لبنان هو الوحيد في العالم العربي الذي يتمتع بالحرية في رسم رؤساء الجمهوريات والملوك والسياسيين، 70% من الحرية متوافرة في لبنان لكننا لا نستطيع ان نتحدى الامور الدينية بل نتجنبها، خصوصاً ان الوضع في الشرق الاوسط، يدفعنا إلى الحذر، الخوف الأمني كبير ولا أحد يحمينا والزعران كتير وبينخاف منهم".

"يصطفلوا هني وربهم"
لرسام الكاريكاتور ايلي صليبا مواقفه الخاصة حول ما جرى في فرنسا، مذكراً بان الرسامين في "شارلي ايبدو" لم يرسموا اي تعبير، بل "تعاطوا مع الدين بطريقة صعبة جداً، انهم محترفون ومشهورون في الرسم في فرنسا، لكن في الفترة الأخيرة شنوا حملة كبيرة على الأديان كلها وليس على دين واحد فقط، فدفع الطرفان الثمن".
في رأي صليبا، ان "الرسام الذي يدرك طبيعة عمله جيداً، يعرف تماماً الخطوط الحمراء، وأماكن الليونة في التعاطي، هذا في السياسة فما بالك بالقضية الدينية؟".
اطلع صليبا على رسمات "ايبدو" عن الأديان، ووصفها بـ"القوية جداً"، لكنه في الوقت نفسه يعتبر ما جرى "ضربة للحريات، وقد تدفع البعض إلى عدم التعبير عن رأيه خوفاً على نفسه، خصوصاً في ظل الجو المشحون في الشرق الاوسط".
"كانو يستطيعون ان ينقذوا أنفسهم ويوقفوا الحملات الاسبوعية على الأديان"، يقولها صليبا بحسرة وأسف على خسارة رسامين "ايبدو"، ويتابع: "انا أعمل في مجلة دبور المشابهة لمجلتهم، وطوال مسيرتي لم أتطرق الى الامور الدينية، لأن لكل شخصية حرية العقيدة، ولدينا مليون قضية نعبر عنها في السياسة او الاقتصاد او المجتمع، لكنهم اختاروا الدين ودفعوا الثمن!".
رسم صليبا لزملائه كاريكاتوراً حزيناً، لكن ذلك لا يعفيهم من "تحمل المسؤولية، وأيضاً المعتدين".
لا يخشى صليبا "داعش" وهو يرسم يومياً ضد هذا المكوّن الارهابي ولا يهتم بالتعليقات "التهديدية" لكن "الخط الأحمر بالنسبة اليه هو عدم الاقتراب من الدين، فهذا ليس شأني ولا مشكلة مع أي ديانة، وليعبد كل شخص من يريد، وعندما أقرر العمل في الدين سأكون قد جنيت على نفسي".
ولا يرى أي اختلاف بين لبنان وفرنسا من ناحية تعدد الأديان، اما عن اختلاف مستوى الأمان الذي تتمتع فيه فرنسا وما يمكن أن يدفع الرسامين إلى التعبير عن رأيهم، فيقول صليبا: "الأمان في البلد لا يعني ان تشتم من تريد وليست حرية إهانة الآخرين وهناك فارق بين الحرية والتجاوز لخطوط الحمر".

ويصف الرسومات الدينية الخاصة برسامي "ايبدو" خصوصاً المتعلقة بالمسيحية واليهودية والاسلام بـ"الأمر المخيف"، قائلاً: "لا مشكلة لديّ في السياسة حتى اقصى الحدود، فسبق ورسمت سياسيين من دون ثياب، ويعرفون اننا نعمل في السياسة، لكن لماذا الاقتراب من الاديان وجرح مشاعر الناس؟ يصطفلوا هني وربهم".

Mohammad.nimer@annahar.com.lb
Twitter: @mohamad_nimer

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard