2014 ثقافياً وأدبياً ماذا حملت معها؟

5 كانون الثاني 2015 | 08:51

المصدر: "النهار"

لا شك في أن العام 2014 حمل معه العديد من الأحداث الأدبية والثقافية، منها الجيد ومنها السيئ. جائزة نوبل للآداب لـعام 2014 كانت من نصيب الفرنسي باتريك موديانو ليصبح بذلك الكاتب الفرنسي الـ15 الذي يفوز بهذه الجائزة الرفيعة. أما جائزة "غونكور" الأدبية فنالتها الكاتبة الفرنسية ليدي سالفير عن روايتها "لا بكاء" منشورات "سوي". وكانت جائزة "غونكور – خيار الشرق" قد منحت للكاتب الجزائري كامل داود عن روايته "مارسو –التحقيق المضاد" الصادرة عن دار أكت دو سود الفرنسية. كذلك كانت جائزة "افضل كتاب عربي" التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي لخالد عزب من مصر عن كتابه
"فقه العمران": العمارة والمجتمع والدولة في الحضارة الإسلاميّة". أما جائزة البوكر للرواية العربية 2014 فكانت من نصيب أحمد سعداوي عن روايته "فرانكشتاين في بغداد" منشورات الجمل.
كان هذا العام عام رحيل قامات أدبية وإبداعية كبيرة سيتركون برحيلهم فراغاً كبيراً يصعب ملؤه. على رأسهم خسارة الكاتب والروائي الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب غابرييل غارثيا ماركيز هي الأكبر، وهو صاحب الرواية الشهيرة "مئة عام من العزلة"، وقد تميز أسلوبه ببراعة المزج والجمع بين الأسطورة والواقع. وغابت أيضاً "سيدة الأدب الأفريقي" الأديبة الجنوب أفريقية الفائزة بنوبل للآداب سنة 1991 نادين غورديمير والتي عرفت بنضالها ضد العنصرية. يليهما صاحب "رندلى" و "لبنان إن حكى" وغيرهما الكثير من المؤلفات، الشاعر اللبناني العملاق سعيد عقل صاحب الموهبة الفذة والعبقرية الشعرية الاستثنائية، والذي أرسى خطاً جديداً للشعر يقوم على السبك والنحت وبراعة الصوغ والتركيب وجمال الصورة. كذلك كان رحيل الشاعر والكاتب والصحافي الكبير أنسي الحاج صاحب ديوان "لن"، و"كلمات كلمات كلمات" مقاله الأسبوعي في جريدة "النهار"، وأحد مؤسسي مجلة "شعر". أيضاً، شهدنا رحيل الشاعر والأديب اللبناني جورج جرداق الذي غنت له أم كلثوم قصيدة "هذه ليلتي" ولحنها محمد عبد الوهاب، وله أيضاً "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية" في خمسة أجزاء. كذلك غيب الموت الروائية المصرية رضوى عاشور صاحبة "ثلاثية غرناطة" وهي كانت من أبرز المناضلات والمدافعات عن فكرة المقاومة وفلسطين. وبرحيل سميح القاسم فقد "ثالوث" المقاومة آخر أضلاعه الذي تكون أيضاً من توفيق زياد ومحمود درويش، واشتهر لقاسم قصيدته التي غناها مارسيل خليفة "منتصب القامة أمشي...مرفوع الهامة أمشي..." . كما شهد العام رحيل مطربين وممثلين منهم العملاقان وديع الصافي والشحرورة صباح، والممثلون مريم فخر الدين ومعالي زايد وسعيد صالح وروبن وليامز ولورين باكال...إلخ.
لكن تبقى الأولوية للحياة التي ستستمر، "ولمن على هذه الأرض"، وطبعاً سرق الأضواء هذه السنة باتريك موديانو الفائز بنوبل الآداب 2014، وكانت الأكاديمية السويدية وصفت أعماله الروائية بـ" فن الذاكرة الذي طرح عبره مصائر إنسانية عصية على الإدراك". فهو يجيد استبطان الذكريات ورصد الكوامن والدواخل الإنسانية، ويبرع في تبيين العلاقة الحميمة بين الانسان والمكان والارتباط الوثيق الذي يصبح نوعاً من الحلولية. كذلك تشعر بانسيابية السرد أثناء قراءتك لرواياته على رغم الإطالة في ذكر التفاصيل ولكن من غير انزعاج بل سلاسة تامة، مع العلم أن روايات موديانو يكتنف بعض أحداثها غموض لا يتكشف للقارئ حتى بعد انتهاء القراءة، وربما الكاتب نفسه لا يعرفها، ربما لأن المعرفة الإنسانية عصية حتى الآن على فهم كل شيء. وهذه إطلالة لنا على موديانو عبر روايته "مقهى الشباب الضائع" (الدار العربية للعلوم).

موديانو يرتُق "الثقوب السوداء" بالتذكّر واللحظات الهنيّة

كأن الإنسان يولد وقدره مكتوب على جبينه، ومسيره لن يكون غير الهامش المُعطى إياه ضمن هذا الحيّز، هكذا يؤطّر باتريك موديانو لشخصياته في "مقهى الشباب الضائع" (ترجمة محمد المزديوي، 120 صفحة).
في أربعة فصول يتعاقب على سردها أربعة رواة/ شخصيات يجمعها ماضٍ مشترك، وهي "كلاب ضالة"(12) كما تصفها السيدة شاذلي صاحبة مقهى "كوندي" السابقة الذي أصبح لاحقاً متجراً للمصنوعات الجلدية. يبدأ الروائي بنسج أوّل خيوط الحبكة مع الراوي الأول المجهول الذي يثير وصول فتاة في الثانية والعشرين من عمرها إلى مقهى "كوندي" في الحي اللاتيني، وأطلق عليها رواد المقهى وغالبيتهم في مقتبل الشباب اسم "لوكي". فهي، بعدما هجرت زوجها، عاشت شهرين مع رولاند، اسم مستعار آخر، وراوٍ آخر. ما يعنينا هنا أنهما شخصان تائهان بوهيميان يعيشان حياة تسكع، من غير قواعد ولا قلق على المستقبل. كل واحد منهما لا يعرف الكثير عن الآخر وتفاصيل حياته، يهمهما فقط التلاقي، التشارك في احتساء الكحول، والأحلام عينها. فهما، ككثير من الشباب، لا قاعدة يرسوان عليها، ولا قدرة لديهما على التحكم بمجريات الزمن. وعبثاً يحاولان إثبات حضورهما وترك أثر يحول دون اندثارهما. قد تكون خشبة الخلاص الوحيدة وطوق النجاة يتجسدان في الكتابة للتغلب على النسيان.
شخصيتان في الرواية تضطلعان بدورين (ترتبطان بمهمتين) أوكلهما إياهما الكاتب. بووينغ، ويطلق عليه لقب "القائد"، يدوّن أسماء زبائن مقهى "كوندي"، توقيت وصولهم، بالتاريخ والساعة والدقيقة. وهو نوع من تأريخ أو مرجع يستند إليه للشوارع والمقاهي الباريسية في ستينات القرن الماضي. مسارات هذه الشخصيات، أو علاقتها بهذه الأمكنة، ربما هي الرابط الوحيد بهذه الحياة فيما يبقى وجودهم من غير هدف ومتروكاً للقدر. والشخصية الثانية هي رولاند الذي أوكله موديانو كتابة مشروع مقال عن "المناطق المحايدة"، هناك حيث يشعر الشخص بالحماية والأمان خارج الزمن؛ في مقابل "الثقوب السوداء" وهي ترمز إلى الشوارع الخطرة لطفولة تعسة يخشى هو(رولاند) ولوكي العودة إليها، إذ يمكن أن تجذبهما إلى العدم. بالنسبة إليهما، هناك "النقاط الثابتة" حيث اللقاء ممكن، كالمقاهي أو المساكن الشعبية التي قد يجدان فيها مستقبلاً، وملجأ في ظل دوامات جارفة.
تقوم الرواية على شخصية "لوكي" أو جاكلين ديلانك، وهي اساسها ومحورها. وُلدت من أب مجهول وأم راقصة في "مولان روج". بدأت لوكي الهرب مذ كانت في الخامسة عشرة من عمرها. عاشت مراهَقَة هشة وأزمة هوية. تبحث في كتب الفلك والعلوم عن معنى لحياتها: "فراغ السماء"، "الجاذبية"، "الآفاق الضائعة"، "سفر في اللانهائي"، حيث فراغها الداخلي يدفعها إلى كسر أي علاقة قد تربطها أو تقيّدها. فعلاقة الحب التي جمعتها برولاند انتهت بطريقة مأسوية (انتحار لوكي نتيجة رميها نفسها من الشرفة). لكن هذا ليس نهاية اللقاء، إذ هناك دائماً عودة "كل شيء سيبدأ من جديد، كما من قبل. نفس الأيام، ونفس الليالي ونفس الأمكنة ونفس اللقاءات. العود الأبدي"(87). كيزلي، راوٍ آخر، يدّعي أنه ناشر كتب فنية فيما هو محقِّق/ تحرًّ خاص أوكله جان بيير شورو البحث عن زوجته الهاربة جاكلين ديلانك (لوكي) حيث يقرر في نهاية المطاف تركها وشأنها إذ اعتبر أن زوجها غير جدير بها.
يُسقط موديانو على شخصياته الرئيسة ظلالاً مبهمة من خلال ماضٍ مضطرب مرتبط بالحرب. ولكن يضمّنها معاني وجودهم الضبابي والرمادي وتسلّط القدر وسطوته. فبدت أرواحاً تائهة، شاردة، هائمة، تتشبث باللحظات الهنيّة والذكريات السعيدة لرتق "ثقوب سوداء" تبتلع الأمكنة والوجوه والأحلام. شخصيات تبحث عن أمكنة ومعالم إما تغيّرت أو لم يعد لها أثر، فتسعى إلى التشبث بذكريات تخرمها ثقوب في الذاكرة. فلم يعد هناك غير صدى ترجيعات ومناجاة وتأوّهات لا أحد يدري إن كانت تصل إلى مسامع مَن غابوا. أشخاص تسعى إلى الفرار من أشباح ماضيها، ولكنها تدرك في قرارة أعماقها عجزها عن التخلص من كل معالمه، فهو جزء من تكوينها، ونقطة انطلاقها، وحاضرها. هذه الضبابية التي تغلّف الفضاء العام للرواية تتماهى مع ضبابية مصير الشخصيات، وهي بدورها ستلفّ القارئ الذي سيشعر أو يستشعر هذا التخبّط والتشظي والتيهان التي تغلب على معظم الشخصيات. فانتحار جاكلين ديلانك (لوكي) كان مترقّباً منذ اللحظات الأولى للسرد، يؤطره الحقل الدلالي "سفر في اللانهائي"، "لويز العدم"، "المادة السوداء"، "العود الأبدي" (نظرية نيتشه عن تكرر صورة واحدة بلا انقطاع في الزمن اللانهائي)، "المناطق المحايدة"، الذي تحيل مفرداته على الانعتاق من القيود المادية والاستسلام والرحيل إلى عوالم اللامكان. لوكي هي نقطة الارتكاز وعامل جذب لبقية الأشخاص، منها ينطلقون وحولها يتحلقون وإليها يعودون ليبنوا برنامجهم السردي، فهي الشجرة وهم التفرعات أو الفروع. إذاً، هي في آنٍ كل هذا الحضور/ الغياب.
يبرع موديانو في رصد كوامن النفس الإنسانية بدقائقها وخباياها وتفاصيلها الصغيرة "يلاحظ كل شيء بنظرة كلب مأسوية"(17)، "إننا نعيش تحت رحمة بعض أنواع الصمت"(26)، "الشيء الوحيد الذي لا يمكننا تذكره هو نبرة الأصوات"(77)، "حين نحبّ شخصاً ما، بشكل حقيقي، يجب أن نقبل جزءه الغامض..."(112)، "لم يغادرني نظره وكان يحجبه ظلّ من حزن" (106)، ويجهد لسبر أغوار مصائر إنسانية عصية على الإدراك وكأني به يسعى إلى الانتقام لنفسه (طفولته الصعبة وغياب والده وموته الغامض) بلسان رولاند: "هل نحن مسؤولون، حقيقة، عن الممثلين الثانويين الذين لم نخترهم والذين نلتقيهم في بدايات حياتنا؟ هل أنا مسؤول عن أبي وعن كل الأشباح الذين يتحدثون في ردهات الفنادق أو القاعات الخلفية في المقاهي والذين ينقلون حقائب لا أزال لحد الساعة أجهل محتواها؟" (95)، ومن القدر عبر استعادة ذكرى أشخاص تناثروا كأوراق الشجر وذرّوا كالرماد لتمحو الريح أي أثر قد يساعد على تقفّي دعساتهم.
أسلوبياً، تبدت معالم الخطاب السردي (أو شعرية السرد) عبر أربعة رواة/ شخصيات تستعيد أحداثاً مجزأة تتقاطع مجرياتها عبر مرويات عدة لتتشكل الصورة كاملة، مما أضفى على النص تنوعاً وواقعية وحياة. فكل راوٍ هو راوٍ مشارك (الراوي/ الشخصية) يروي بضمير المتكلم، وعلاقته بكون القصّ المكاني/ الزماني علاقة انتماء وحضور، لذا جاء السرد ذاتياً كثيفاً نتيجة "الأنا" الحاضرة على الدوام. واللافت أن هذه الرواية تجري وفقاً للبرنامج السردي لكل شخصية/ لكل راو. فكل راو بوصفه شخصية لا تتجاوز رؤيته ومعرفته رؤية أي شخصية أخرى ومعرفتها، لكنه يقدمها وفقاً لبرنامجه السردي. أما من حيث بناء الزمن، فنجد الكثير من المفارقات الزمنية، فكل راوٍ/ شخصية يروي الحادثة يسترجع، ويحذف، ويتوقف، ويوجز، ويستبق.
تتبدى في رواية "مقهى الشباب الضائع" براعة موديانو في الحبك، وحنكته في عملية إخراج النص وتقطيع كادراته، ناهيك بالناحية التوثيقية أو التأريخية خدمةً لأبعادها الأساسية الميتافيزيقية والفلسفية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard