لحظات تلفزيونية صنعت سنة 2014

24 كانون الأول 2014 | 16:29

المصدر: "النهار"

  • المصدر: "النهار"

يصعب اختيار لحظاتٍ صنعت بتأثيرها مجرى السنة. كلُّ حدثٍ يستتبع حوادث متصلة، والعدُّ إن بدأ لن يتوقّف. المنطقة مشتعلة. قد تكون 2014 واحدة من السنوات الأصعب. يعنينا الآن ما انشغلت به الميديا، وقدَّم للتلفزيون مادة. الميديا دائماً منشغلة. لعلّنا لن ننصفها باختيار مجموعة حوادث. الواقع أنّها أقرب الى لحظاتٍ منها الى حوادث في ذاتها. لحظاتٌ شكَّل بعضها مفترقاً، وبعضها مهّد لمتغيرات جذرية. ليست كلّها مأسوية. فيها ما دمعت له الأعين وانفطر له القلب. وفيها مواقف مرحٍ و"تهييص". وفيها العبث والكثير من الوقت الضائع.

 * جلسات الانتخاب: "فرطت" بعد الأولى!

نذكر "الهيبة" التي حظيت بها جلسة الانتخاب الأولى. تجنّدت الشاشات لمتابعة الحدث، وراحت الستوديوات تتبارى على أفضل تغطية. من معراب، واكب رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع (ولا يزال يواكب) ما يجري في قاعة مجلس النواب، بقلبٍ اشتدّ خفقانه. نال حينها 48 صوتاً. وكم بدت زوجته النائبة ستريدا جعجع أنيقة. سبقها اللون الأحمر الى عدسات الكاميرا. أمكن القول أنّ الجلسة الأولى أوشكت أن تغدو "استثنائية". ثم أُرجئت الى أن راح يتعذّر تأمين النصاب. "فرطت". وكرّت سبحة التأجيل. 2014 سنة الجلسات المؤجّلة وتطيير الأمل. حتى التلفزيونات راحت تفقد حماستها وتتعامل مع الحدث كأنه "رفع عتب". من شاشة عملاقة وعَدّاد في الأعلى يحصي النواب الوافدين الى الجلسة، الى خبر عاجل مفاده أنّ الجلسة أُرجئت! وكانت سنة فراغ القصر الرئاسي ووداع الرئيس ميشال سليمان. سنة لبنان من دون رأس والجمهورية المبتورة.


 * العسكريون المخطوفون: غصّة في العميق جداً

أكثر الملفات ضرباً للصميم اللبناني وانتهاكاً لهيبة الدولة: خطف عسكريين لبنانيين من جانب "داعش" و"النصرة". لم يكفِ هذا الوطن ما تعرّض له جراء الحرب السورية من تفاقم عدد اللاجئين بما يفوق الطاقات، الى تسلل عناصر إرهابية، ونصبها المكامن للجيش، وخطفها عناصر تنتمي الى هذه المؤسسة، فإعدامها علي السيّد ذبحاً، ومحمود حمية وعلي البزال رمياً بالرصاص. سنة تغلّب الوحش على الإنسانية. سنة الحاجّة أم علي البزال وكل أمّ مظلوم سقط ضحية حرب العبث.
لم يقصّر التلفزيون في نقل الوقائع. واكب تحرّك أهالي العسكريين في ضهر البيدر، وانتقل معهم الى خيم رياض الصلح الباردة. والى الصيفي وكلّ مفترق. والى حيث الوعود كثيرة، في السرايا الحكومية وعين التينة وكلّ لقاء من شأنه أن يقدّم معلومة. تُقفل السنة على غياب أملٍ يُذكر. ظلّ هذا الملف خليطاً من مسؤولية وغصّة. هناك في العميق جداً حيث الأرواح المقهورة. ملف العسكريين المخطوفين لحظةُ ألم لا توصف، وموقفٌ أخلاقي. قاسية 2014 إذ حرقت قلب كلّ عائلة عسكري استُشهد. وكلّ الوطن الموجوع.

 

- عرسال: أبعد من معركة...

شغلت عرسال وسائل الإعلام وجنّدت المراسلين في المعركة، حتى أوشكوا على الوقوع بالمبالغة في نقل المعلومة. لعلّ عرسال البلدة اللبنانية الأكثر تداولاً في 2014 عبر نشرات الأخبار. ليس لِما تعانيه من حرمان وأعباء، بل لارتباطها بالعائلات السورية اللاجئة. ثم قسمت السياسيين بين مُدافع عنها وزاجٍ إياها في التُهم. يُذكر في السياق الفيديو الشهير للاجئين سوريين والوا "النصرة" في هذا البلدة ورفعوا أعلامها. ويُذكر قبل كلّ تجاوزٍ شهداء الجيش إذ سقطوا في المعارك على الجرود. عام دموي موجِع. تشييع تلو الآخر، واحتقان. ومؤتمرات صحافية، وبيانات تتوعّد. وآباء مجروحون وأمهات مسحوقات. وحدها رنا الفليطي خسرت علي البزال ومُنعت من وداعه. قيل أنّ حبّاً جامحاً ربط ابنة عرسال بابن البزالية. عرسال أبعد من معركة. هي "ثأر" قديم بين طائفتين. عرسال محنة الوطن في عام المِحن. غالب الظنّ أنّ 2015 لن تسلم منها.

 

 * "داعش": رجمٌ وسحلٌ ونحر!

صعد "داعش" في 2014 صعوداً شنيعاً. لم تترك الحرب السورية زاوية فرِحة. هجّرت وشرّدت ويتّمت وخطفت وتجاوزت كل عقل. 2014 عام كابوسيّ أعاد البشرية الى أزمان الجهل. تصدّر "النشاط" الداعشي المواكبة الإعلامية. تارة رجم امرأة وطوراً صلب جنوداً، ثم راح يفرض "الضرائب" ويحزّ الأعناق. رؤوس تساقطت بفعل الوحشية. وتمزّقت قلوبٌ. أساء النظام الأسدي في سوريا الى كلّ احتمالات الخلاص. قتل الأطفال بالكيميائي وهدّ عائلات بالبراميل المتفجرة. ثم راح يتبارز مع "داعش" والتنظيمات الإرهابية المسلّحة على تمجيد الجريمة. أصبحت المعارضة معارضات متناحرة، وتمادى النظام في الإبادة. ذلك وسط حماسة الدول على التدخل عسكرياً وسياسياً. قد تتناسى روسيا أزمة أوكرانيا وتهاوي الروبل، أما مصالحها في سوريا فلن تنساها. وتبيّن أن 2014 سنة التحالف الدولي ضدّ ما يُسمّى الإرهاب. تكرر في الإعلام مصطلح "التحالف" وانشغل المراسلون بعدّ الغارات. لم يفتهم نقل حرص الرئيس الأميركي باراك أوباما على محاربة "الدولة الإسلامية". تخبّط الإعلام أيضاً في التسميات: "داعش" أم "الدولة الإسلامية"؟ لا بَرّ يرسون عليه.

 

 * اجتياح الموصل: كلنا "ن"
ارتدت ديما صادق سترةً عليها حرف "ن"، وغيّرت "أل بي سي آي" اللوغو ليصبح: "LBن". هزّ التنكيل بمسيحيي الموصل كلّ وجدان، واستفزّ في الشاشات جوانب إنسانية. تعدّدت المجازر، و"داعش" واحد. قرر التنظيم تهجير المسيحيين واستئصالهم من أرضهم، ومارس عليهم حرب النفوس والعسكر حتى شتّتهم في الديار. نعود الى "ن". تلك إحدى أقوى لحظات 2014 وأشدّها مأسوية. القرى المسيحية تسقط وأبناؤها يُهجّرون والإعلام بأسره يتضامن. يتخطّى "ن" اعتباره شعاراً، أو سترةً تلبسها مذيعة. هو موقف إنساني وصرخة. لم يقصّر الإعلام اللبناني في مشاركة المسيحيين أوجاعهم: "كلنا ن". كلنا مسيحيون.

 

- الإيزيديون: ليت الأرض كلّها جبال سنجار

الحدث متصل بما سبقه. تهجير مسيحيي الموصل وتهجير الإيزيديين، ظلمٌ واحد. افترش الإيزيديون جبال سنجار بعد إبعادهم من أرضهم. واكبت الميديا أسى التشرُّد وبؤس فقدان المكان. كلّ إيزيدي فصلٌ من رواية. أو تفصيلٌ من لوحة جريحة. الإيزيديون يُقتلون ويُدفنون أحياء في العراق. متى تدخل البشمركة سنجار؟ هناك حيث مئات القتلى. وحيث عائلات تستغيث طالبةً الحماية. 2014 مَصاب الإيزيدي كونه أقلية. هربوا الى سنجار وحوصروا هناك، لتبدأ مأساة أخرى. طائرات أميركية تُنزل المساعدات بالطائرات. ومحاصرون يصرخون في انتظار العون. كانت سنة رفض الأكثرية الصاعدة وجود الأقليات. في مقابل تداول اسم أبو بكر البغدادي خليفةً في كنف "الدولة الإسلامية"، أُريد طمس كلّ "آخر". ليت الأرض بأسرها جبال سنجار المُرحِّبة بالإيزيدي المُشرَّد، فتحضنه من دون سؤال عن دينٍ أو هوية.

 

 * حرب غزّة: الطفولة النائمة على الرمال

كيف نطوي السنة من غير ذِكر أطفالٍ قتلهم بطش إسرائيل واستهتار الدول بالبراءة؟ أبكت الحرب على غزّة عيوناً، وهزّت صور الأطفال المُلقاة أجسادهم على الشاطئ كلّ ضمير صاحٍ. كانت حرب الصغار وهم يموتون بخوفٍ. أكثر من 2000 ضحية وإسرائيل لا تشبع. يستحيل استبعاد مشهد الدمار عن الأرض الصامدة. تصدّر قصف البشر والحجر كل خبرٍ آخر. ثم انتهت الحرب وعمّت الاحتفالات فلسطين والمخيمات بعد الصمود، وأُطلق الرصاص في الهواء لأنّ "حماس" لم تُقتَلع. ثم تابع الإعلام خطط الدول من أجل "إعادة الإعمار" وحراك وزير الخارجية الأميركية جان كيري الى الشرق الأوسط. مات الأطفال وهُدَّت المنازل، وتمزّق ما تبقّى من الوطن. حرب السنة بمرارتها وقسوتها. وردةٌ على ضريح كلّ طفلٍ فُرِض عليه الموت باكراً.

 

* "ايبولا": فيروس "ركّع" الكوكب

حاز انتشار فيروس "ايبولا" اهتمام وسائل إعلام العالم. فيروس قاتل، تسبّب بموت 7533 شخصاً، وفق آخر حصيلة لمنظمة الصحة العالمية. حتى أنّ أميركا استنفرت وعقد رئيسها باراك أوباما مؤتمراً صحافياً يحذّر من الأعظم. ووزير الصحة وائل أبو فاعور فعل ذلك أيضاً. استنفرت الوزارة والإعلام واكَب. انشغلت الميديا باحتمال وجود مُصاب على الأراضي اللبنانية. وأصبح السؤال: كيف نردّ الخطر؟ فيروس كاد أن "يُركّع" الكوكب. "سي أن أن" تأهّبت، وعلى خُطاها سارت شاشاتنا. حسنٌ أنّه لم يجرِ إعداد حلقات خاصة على طريقة التوك شو اللبناني يُكثر فيها المحللون الاستراتيجيون تفنيد أبعاد المرض!

 

7 * محاكمة مرسي: التجرية الإسلاموية البائسة

اختزلت محاكمة الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي تعثّر صعود الإسلام السياسي الى الحُكم بعد الحراك العربي. وثّقت الكاميرات لحظة ضعف البنية السلطوية القائمة على الفرد التابع لمؤسسة دينية والمستقي شرعيته منها. أفادت تونس من التجربة المصرية. استبعدت صناديق الاقتراح طغيان "حزب النهضة" واستعادت بريقها بين دول الإخفاق العربي. رئيسان مصريان أُخضعا للمحاكمة، وإن كان لا بدّ من الإرجاء: مرسي وسلفه حسني مبارك. تمثّلت اللحظة بصورتين خلف القضبان. شهد العالم انهياراً معنوياً لرمزين استضعفا الشعب. ملامحهما. ملابسهما. والعيون الشاخصة من كلّ صوب. ليس هما موضع المحاكمة، بل فكرة مساءلة الحُكّام وقيمة القانون.

 

* الطائرة الماليزية: لغز السنة

شغلت حادثة سقوط الطائرة الماليزية العالم، وأصبح السؤال: كيف سقطت؟ فرضيات عدة تناقلتها وسائل الإعلام تحاول تحليل كيفية سقوط الطائرة "إم ايتش 370" التي كانت تقل 239 راكباً من 15 دولة مختلفة غالبيتهم من الصين، وهي في طريقها من كولالمبور في ماليزيا إلى بيجينغ. ليس من قبيل المبالغة القول أنّ سقوط هذه الطائرة شكّل لغزّ السنة 2014، وأكثر القضايا التي أدّت الى استنفار الدول. لا بل إنها من مآسي هذه السنة التي قيل في شأنها ما لا يُعدّ ويُحصى من الفرضيات، منها مثلاً أنّ صاروخاً أميركياً فجّرها! 

 

* الأمن الغذائي: أبو فاعور البطل!

فجأة، تبيّن الفساد في الطعام والشراب وما لم يكن في الحسبان. السنة 2014 سنة الحراك الحكومي على مستوى مصلحة المواطن (بصرف النظر عما تحتمله السياسة من أبعاد). مؤتمر صحافي تلو الآخر لوزير الصحة وائل أبو فاعور يكشف فيه مستوراً مضى عليه سنوات. كان الإعلام يداً يمنى ومواكبة في كل آن (ولا يزال). بلغ ملف الأمن الغذائي ذروته بإعلانٍ صريح لأسماء المطاعم والمحال المتورّطة في الفساد. وراح يتكرر لفظ "البراز البشري" إذ ورد على لسان الوزير مُضمناً إياه ما نتناوله من طعام. سرعان ما تحوّل أبو فاعور بطلاً افتقده اللبنانيون منذ سنوات. تسابقت على استضافته البرامج، وكسب مارسيل غانم إحدى الجولات على حساب زميلته بولا يعقوبيان. ليس من قبيل المبالغة القول إنّ ملف الأمن الغذائي واحدٌ من أكثر الملفات "قوّة" هذه السنة. كلّ مواطنٍ معني. "نجّمت" (بلغت النجوم) نشرات الأخبار وحققت مشاهدة عاليةَ.

 

9 * وديع الصافي، صباح، سعيد عقل، ماركيز وكواكب أخرى

كانت سنة رحيل الكبار. وديع الصافي، جورج جرداق، جوزف حرب، فيليب سيمور هوفمان، أنسي الحاج، غبريال غارثيا ماركيز، سميح القاسم، صباح، سعيد عقل، وأسماء تلمع. سنةٌ من خسائر فادحة. ومِن تهاوي الهياكل. واكبت الشاشات رحيل الكبار وخصّصت لهم حلقات وداع. تغطية تليق بعمالقة هذا الوطن، نالتها الشحرورة وسعيد عقل قبل مدة. نقلٌ مباشر حتى كان اللقاء مع التراب. ونذكر أيضاً رحيل أحد الرموز التاريخية في الرياضة اللبنانية انطوان شارتييه. سنة الخسائر عن حق!

 

10 * المونديال: المانشافت يكسح السامبا وسواريز يعضّ!

لحظةٌ قد لا تتكرر خسارة البرازيل أمام ألمانيا 7- 1. هزّ المانشافت العالم، وصدم ملايين. كان المونديال واحداً من أجمل حوادث السنة. شغل اللبنانيون وشاشاتهم كما شغل أبناء السامبا. وأصبح حديث الميديا إن كان يحق لتلفزيون لبنان نقل الحدث عوض احتكارات "بي إن سبور". ضجّت نشرات الأخبار بفنون اللبناني في اقتناص الأفراح. هذا فرنٌ يقدّم مناقيش على شكل أعلام الدول، وهذه مطاعم "تهيّص". بات لكلّ شاشة برنامج ينقل الحماسة. ثم انشغل الكوكب بأسره بـ"عضّة سواريز". مهاجم الأوروغواي غرز أسنانه بكتف مدافع منتخب إيطاليا جورجيو كليني. عضّة أصبحت الحدث. ننتظر المونديال مرة كلّ سنواتٍ أربع من أجل لحظات مفاجِئة وما لا يمكن توقّعه. كان لبنان فرِحاً. كأنّها استراحة مُقاتل سرعان ما عاد الى الحرب.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard