مسيحيون من الموصل لـ"النهار": نريد ان نستقبل يسوع في وطننا

23 كانون الأول 2014 | 15:24

المصدر: "النهار"

  • فرج عبجي
  • المصدر: "النهار"

"لم نترك الموصل بإرادتنا". كم يشبه اليوم الزمن الذي ولد فيه المسيح، والفترة التي هرّبه فيها يوسف ووالدته مريم الى مصر خوفاً من طمع الملك هيرودس المستعدّ للقيام بأي شيء للحفاظ على السلطة. فأهل الموصل هربوا من هيرودوس اليوم، "داعش" الذي لا يتقن سوى لغة القتل والبطش لتوسيع دولته على جثث ضحاياه دون ـأن يأبه بدينهم، اذ لا فرق عنده بين إيزدي أو مسيحي وبين شيعي أو سنّي، لأنه بالنسبة إليه كل من يمنع ولادة دولته فهو عدو ويستحقّ الموت.

بعدما تركوا كلّ ما يملكوه في قراقوش، ولم ينجوا إلا بحياتهم والثياب التي كانوا يلبسونها. وصل بهم الامر الى لبنان حيث يقولون إنهم يشعرون أنّهم في بلدهم بسبب الاحتضان الذي وجدوه من قبل السلطة اللبنانية والكنيسة. فمنهم من يعيش في أوقاف الكنائس ومنهم عند أقربائهم وآخرين استأجروا منازل صغيرة لهم في المناطق المحيطة برعايا الكنائس التابعين لها.
صحيح انهم خسروا كلّ شيء لكن لم يتمكن "داعش" من سرقة الابتسامة منهم والايمان والرجاء بحياة افضل.


خسرنا كل شيء

نوزارد الذي يعيش اليوم مع زوجته وابنه ستافرو وايمانويا المولود الجديد الذي رزق به منذ ثلاثة ايام، في وقف بطريركية السريان الكاثوليك على المتحف، لم يتمكن من إخفاء الحزن والألم الموجود في داخله خلف الابتسامة التي استقبلنا فيها، والتي يحافظ عليها امام عائلته كي لا يستسلموا لليأس. بعدما كان يملك مزرعة مواشٍ في الموصل تضمّ مئتي رأس غنم وستمئة رأس بقر، بات اليوم بلا عمل يعيش من المساعدات التي تقدّمها له البطريركية. وقال نوزارد لـ"النهار": "بعدما دعتنا مكبرات المآذن الى مغادرة الموصل تركت كل شيء وهربت مع عائلتي الى أربيل ومن ثم لبنان، وعلمت عبر أناس ما زالوا موجودين في الموصل ان الموظفين لدي كانوا ينتمون الى داعش من دون علمي، وبعد تهجيري استولوا على كلّ شيء". سكت نوزارد متنهدًا "لم نكن نعلم ان الامر سيصل الى حدّ ان جيرانك يسلّمونك للذبح بهذه السهولة، ضاربين عرض الحائط زمناً طويلاً من الأخوّة والمحبة". وعن زمن الميلاد وكيف كانوا يستعدّون له في الموصل، قال: "كنا في مثل هذا الوقت نبدأ بالتحضير للعيد من زينة ومأكولات وهدايا، اليوم لا نشعر بالعيد، لكننا نشكر الله أننا بقينا أحياء وكل شيء غير ذلك يمكن تعويضه بإذنه تعالى".

"داعش" لم يسيطر على الموصل
فؤاد حسو "حلاق رجالي" في قرقوش التي كان يعرف ناسها فردًا فردًا، هرب منها بعدما تعرّض لاطلاق نار بسلاح كاتم للصوت أصابه في خاصرته، ولا يزال يعاني من ألمه حتى اللحظة. وقال لـ"النهار" "في كل لحظة أشعر بالالم الجسدي والنفسي الذي أصبنا به من جراء ما حصل لنا في الموصل، حيث كنا سنتقدم كخراف للذبح لولا العناية الالهية التي تدخّلت في اللحظة الاخيرة وأنقذتنا". وينفي مقولة ان "داعش" سيطر على الموصل، ويقول "من سيطر على الموصل، هم أهلها الذين يطمعون بمقتنيات الآخرين وليس داعش كما يقال، والذي سيطر على الموصل هو تخاذل عناصر الجيش العراقي الذين كانوا موجودين هناك، فهربوا بدل الاستبسال في الدفاع عنّا وحمايتنا". ولا يشعر حسو بعيد الميلاد الذي كان يشعر به في وطنه بين اهله وناسه، حيث كانوا يجتمعون حول مائدة واحدة للاحتفال بهذا العيد بعد المشاركة في القداس الميلادي. ويقول: "نشكر الحكومة اللبنانية وبطريركية السريان الكاثوليك على التسهيلات التي يقدمونها لنا كي لا نشعر اننا غرباء، لكن الحقيقة انه لا شيء يستطيع ان يكون بديلاً عن مدينتنا ومنزلنا العابق بالذكريات الجميلة".

المسيح لن يجد مزودًا
لمياء حسو شقيقة فؤاد التي امتلأت عيونها بالدموع التي تحمل ألف معنى ومعنى من الحنين الى الاشتياق مرورًا بالألم والخوف، قالت لـ"النهار": "سلبونا كل شيء، صحيح أنهم تركونا نخرج أحياء، لكنهم أخذوا كل شيء منا، أطفالنا يعرفونهم ويعلمون من قام بذلك". تابعت وهي تشير الى الزينة الموجودة في الغرفة التي يعيشون فيها في منطقة المتحف: "نشكر بطريركية السريان الكاثوليك على ما قدّمته وتقدّمه لنا لنشعر بفرح العيد، وتحديدًا ابونا فراس دردر، فنحن لا نطلب شيئا، وأما هم فلا يتأخرون بإرسال أي شيء يتوفر لديهم يمكن ان يساعدنا". وعن تمنياتها في عيد الميلاد، قالت: "نريد العودة الى وطننا لنستقبل يسوع فيه كما كنا نصنع في كل عام، لكن للأسف هذه السنة لن يجد مزودًا لِيولد فيه".

وأضافت "نريد العودة لكن ليس الى الوطن الحالي، لم نترك وطننا بإرادتنا، أُجبرنا على ذلك. بعد سقوط النظام كنا نقول العام المقبل سيكون أفضل، وكل عام كنا نتمنّى ان يتحسّن الوضع أكثر إلى أن وصلنا الى نقطة اللاعودة بعد أربعة عشر عامًا على سقوط النظام الذي بتنا نترحّم عليه، نحلم بالعودة الى أرضنا وبيتنا، والى وطن يحافظ علينا ويحمينا".

شهادات تختصر معانات وحزن الآلاف من الموصليين الذي هجّروا بالقوة من بلدهم ومنازلهم وباتوا يعيشون على مساعدات الخيّرين والمساعدات الحكومية والدولية بعدما كانوا يحولون التراب الى ذهب في وطنهم. ليت طفل المغارة يخلق مجددًا في الموصل ليحرّرها من نير عبودية الدم ويعيدها الى اهلها.

faraj.obaji@annahar.com.lb
twitter:@farajobagi

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard