لماذا قد يموت أكثر من 560 لبنانياً بالطريقة عينها في 2015؟

22 كانون الأول 2014 | 11:35

المصدر: "النهار"

ودّع زوجته وغادر، لم يعرف أنه سيكون الوداع الأخير وأنها لن تراه الا محملاً في صندوق خشبي. لم يمت بسبب مرض، ولم يمت بطلق ناري او ذبحاً على يد خاطف أو سارق أو "داعشي"، بل مات الزوج في حادث سير مأسوي. ذهب جورج خير كما نانسي زيادة، وجو رومية وغيرهم ، هكذا بلمح البصر... تركوا عائلاتهم ورحلوا. أما لائحة اسماء الأشخاص الذين راحوا ضحية الطرق والسرعة والصدم، واهمال الدولة لمسألة السلامة المرورية، فتتوسع يوماً بعد يوم.
سكوت الحكومة الحالية وحتى الحكومات السابقة عن هذه الحوادث المرورية التي تتسبب بمقتل المئات سنوياً، لم يكن الا بمثابة تنظيم ارهابي يقتل الناس ولكن بطريقة مختلفة عن "داعش" وغيره من التنظيمات. هذه السنة مرت كما السنوات الماضية، وعدد الضحايا يزداد يوماً بعد آخر ولا يتذكر وزير الداخلية والبلديات ضحايا حوادث السير سوى ليلة رأس السنة "على أساس أن حوادث راس السنة فقط تقتل أما حوادث أي يوم عادي فهي شيء ثانوي!".
فقط للتوضيح في 23-1-2014، أعلنت غرفة التحكم المروري أن عدد ضحايا حوادث السير الأولي في سنة 2013 بلغ 560، اما العدد النهائي لضحايا حوادث 2013 فبلغ 650، في حين أن عدد  الذين رحلوا في  حوادث عام 2014 الى هذه اللحظة بلغ 560، رقم أولي مرشح للازدياد حتى أكثر من 700 قتيل، وفق الخبير في إدارة السلامة المرورية وأمين سر جمعية "اليازا" كامل ابرهيم، الذي أكد أن المشكلة الأساسية هي أن السلامة المرورية ليست أولوية في لبنان.
من الجنوب حتى الشمال وصولاً الى البقاع، في كل يوم تذكر المديرية العامة لقوى  الامن  الداخلي أو غرفة التحكم المروري، أن حادث سير وقع في هذه المنطقة، (قتلى ، جرحى أو لا اصابات)، وكأنه أصبح خبراً يجب تداوله يومياً ولكن بمسميات مختلفة وبطريقة مغايرة. الأكيد أنه يجب ايقاف ماكينة الموت اليومية على الطرق اللبنانية!

ولكن كيف؟!

يغرق لبنان بأزمات لا تعد وتحصى، منها الوضعان الامني والسياسي المأزومان مع كل التطورات في المنطقة، لكن هناك ازمة فعلية تهدد حياة اللبنانيين جميعاً ومن دون اي استثناء. فاللبناني مرشح في اي لحظة ان يموت على الطرق اللبنانية، و"لحماية اللبنانيين"، اقر قانون السير الجديد في العام 2012، الذي سيبدأ تطبيقه في 15 نيسان 2015، باستثناء القانون لجهة ضبط مخالفات السرعة الزائدة للسيارات التي تزيد سرعتها على ٦٠ كلم في الساعة للسرعة المسموح بها، والذي بدأ تطبيقه منذ أسابيع، عندئذ تصبح المخالفة من الفئة الخامسة وتراوح غرامتها بين مليون و٣ ملايين اضافة الى حجز الالية. ولكن هل يكفي اقرار القانون وهل قوى الامن الداخلي تملك الإمكانات لتطبيقه؟
تحاول قوى الامن الداخلي وغرفة التحكم المروري  أن تنشرا الوعي لدى المواطنين عن السلامة المررورية، غير ان ذلك لم يساعد في الحد من الحوادث ولن تساعد، فوقف ماكينة القتل في لبنان تتخطى ذلك، في رأي ابرهيم الذي شدد على ضرورة اتخاذ قرار سياسي لوقف حوادث السير، "يجب أن تكون السلامة المرورية أولوية، وذلك عبر اتخاذ سلسلة اجراءات وقائية تبدأ بوضع خطة وطنية للحد من حوادث السير".
يشرح ابرهيم ان تطبيق القانون ليس الطريقة الوحيدة للحد من حوادث السير، فـ "تطبيق القانون ليس الا أداة في السلامة المرورية"، ويوضح ان العبرة في التطبيق، فلكي يكون فاعلاً تتوجب الصرامة في أربعة شروط "غير المتوفرة حالياً": سرعة اتخاذ العقوبة، رفع رسم الغرامة (ما أورده القانون الجديد)، حتمية العقوبة "يجب وقف عملية الغاء العقوبات، فبهذه الطريقة يعتبر المسؤول عن الغاء العقوبة مساهماً في قتل اللبنانيين على الطرق"، أما الشرط الأخير فيتجلى باقتناع المواطن بأن هذه العقوبات هي لصالحه وليس العكس.
وزير الداخلية نهاد المشنوق، الذي يجب ان يكون "العين الساهرة"، يحتم عليه التدخل سريعاً  لاسيما أن أعداد الضحايا تزداد مع مرور الأيام. يقول ابرهيم إن "قوى الأمن الداخلي تبذل قصارى جهدها اليوم، بالإمكانات والقدرات المتوافرة لديها إن من حيث العديد أم العتاد، ولكن ينبغي تفعيل دور المؤسسات المتخصصة بالسلامة المرورية، كمفارز السير والوحدات المرورية، وتخصيص مبالغ لهذه الدوائر"، واليوم يطل على اللبنانيين عاماً مفصلياً في السلامة المرورية، اذ ان في شهر نيسان يبدأ تطبيق قانون السير الجديد. هناك تدريبات لعناصر قوى الامن الداخلي ليكونوا على أهبة الاستعداد لتطبيق القانون الجديد، غير ان ابرهيم لديه شك في قدرة الدولة اللبنانية والقوى الأمنية في تأمين سلامة مرورية تحمي المواطنين في القريب العاجل، "ليس باستطاعة الدولة اللبنانية تطبيق قانون السير الجديد، اذا استمرت في المنهاج عينه".
الدولة اللبنانية مكانك راوح، اذ لا تعاون بين الوزارات لحل هذه الأزمة التي يجب ان تكون أولوية، ويؤكد ابرهيم ضرورة وضع "هيكلية وطنية للسلامة المرورية، ما يشكل خطوة أولى وأساسية في معالجة الأزمة، إذ ينبغي تأليف مجلس وطني برئاسة رئيس الوزراء ومن الوزراء المعنيين وكل المعنيين في هذا الشأن، كما يجب تأليف لجنة يرأسها وزير الداخلية تضم الادارات الرسمية والنقابات والجمعيات  التي لها علاقة بالسلامة المرورية وأمانة سر المجلس الوطني يقتصر عملها على صياغة السياسات والدراسات". من هنا في رأي ابرهيم يبدأ لبنان باتخاذ الاجراءات الوقائية ووضع خطة مرورية رؤيوية لتحسين السلامة المرورية في لبنان.

"الدولة مش ساءلة عن الناس"

تقع الحوادث يومياً، غير أن اللافت أن هذه الحوادث تتكرر من دون أي معالجة، فعلى سبيل المثال، حوادث الصدم غالباً ما تقع بين الأوتوستراد الرابط بين نهر الموت والمناطق الشمالية، ولكن لم يتخذ اي اجراءات لوقف ذلك. في لبنان الاحصاءات غير دقيقة والتحاليل غير موجودة، والفوضى عارمة على كل الأصعدة المتعلقة بالسلامة المرورية. فالمطلوب قرار حكومي جدي وورشة عمل وخطة وطنية تشمل تطبيق القانون الجديد بحذافيره، وتمويل  وتفعيل العمل المؤسساتي وتطويره عبر انشاء ادارة متخصصة فقط بالسلامة المرورية، واستكمال تدريب عناصر قوى الامن الداخلي، وتحسين حالة الطرق، والاضاءة، ووقف التعديات على القانون، وإيجاد هيبة للدولة... .
"الدولة مش ساءلة عن الناس"، قال ابرهيم، متخوفاً من أن يأتي  نيسان ويتحول قانون السير "كذبة"  والدولة لا تزال غير جاهزة لوجستياً لتطبيق قانون السير الجديد. فالسؤال الذي يطرح نفسه "هل يجب على اللبنانيين ان يموتوا بتفجير ارهابي لكي تتحرك الدولة؟"، ضحايا الطرق اللبنانية تتخطى عدد شهداء التفجيرات فلماذا لم تتحرك الحكومات المتعاقبة لوقف هذه الحوادث... أعداد القتلى ستزداد في السنوات المقبلة ما لم تتحرك الدولة! وللبنانيين نصيحة أخيرة: "وعيك والله يحميانك اليوم على الطريق!".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard