إيزابيل الوحيدة الضريرة أهدت شجرة الميلاد للآخرين

19 كانون الأول 2014 | 19:47

المصدر: "النهار"

درجٌ مظلم يقود إلى بيتها الذي حرمت من رؤيته، بعد أن حرمتها الحياة بصرها، فالمرأة السبعينية التي تفتح باب بيتها لاستقبالنا في الطبقة الأولى من مبنى يقع في أحد أكثر الأحياء فقرًا في منطقة برج حمود هي بطلة من نوع آخر، هي جندي مجهول حارب ظلم الفقر والمرض، نعم خسرت الثمين لكنها احتفظت بالأثمن، فقد خسرت نور عينيها لكنها احتفظت بإيمانها.
الفرحة لم تَسَعْها، فهناك من سأل عنها، وطرق باب منزلها، وأجبرها على مغاردة الكنبة التي اعتادت التمدّد عليها طوال الوقت. لم تعرف من أين تبدأ حديثها، فاستمرّت لدقائق بالترحيب قبل أن تستفسر عمن استذكرها، وقاده القدر إليها، كل ما كانت ترغب به هو الشعور بأنها ليست وحيدة في هذا العالم الموحش.
شعور إيزابيل بدفء الناس داخل غرفتها جعلها ترفض معاودة الجلوس أمام المدفأة التي أوقدتها، قالت والضحكة لا تفارقها: "أشكر الله الذي لا ينساني، فبعث بكم إليّ من حيث لا أعلم، فأنا على يقين من أن رحمته تحيط بي".


لو كنت أعلم

تسرّح شعرها الأبيض بيدها قبل أن تجيب عن سؤال عن سبب وحدتها فتقول "لو كنت أعلم أنني سأصل يوماً الى ما أنا عليه اليوم لما رفضت الزواج، فقد تقدّم كثيرون للخطوبة لكنّي كنت أرفض، حتى وصل بي الأمر إلى الطلب من والديّ أن يُنكر وجود فتاة لديه، لم أفكر يوماً أن العمر سيسلب بصري وعائلتي مني، توفّي أبي وأمي وأخي، وذهب نظري وبقيت وحيدة".
واستطردت: "لم أغرم بأيّ شخص في حياتي، كنت جميلة وأقصد المدرسة وقد حصلت على شهادة البروفيه، كان الأمل بالمستقبل كبيرًا، لكن سقطتُ فيما لم أحسب لها حسابًا".


الإهمال أطفأ بصرها
الإهمال كان وراء انطفاء نور عينيها قبل ما يقارب العشرين عاماً، فقد أصابهما مرض النشاف، وعجز والداها عن أخذها إلى الطبيب حينها، ولم يدركا أنها ستصل إلى ما هي عليه اليوم، ولما قصدَتْ الطبيب بعد وفاتهما أبلغها أنها تأخرت كثيراً، وأن شفاءها أمر ميؤوس منه. وأضافت: "أنا لم أترك والديّ طوال حياتي، بل على العكس اهتممت بهما، لذلك لن يتركني الله وسيهتمّ بي".
صديقات إيزابيل وقفن إلى جانبها في بداية أزمتها، حيث تذكّرتهن بكل خير، وقالت: "استمرت صديقاتي بزيارتي وتأمين طلباتي، وكنت أفرح كثيراً حين نجلس سوية نتبادل الأحاديث، لكن ارتباطهن بعائلاتهن وأولادهن جعلهن يخفّفن من زيارتي حتى انقطعت أخبارهن، فقد باتت كلّ منهن في بلد وبقيت أنا في مكاني".


صديق إيزابيل اليوم
جهاز صغير هو صديق إيزابيل ينقلها الى العالم الخارجي، ومن خلاله تستطيع مواكبة جميع الأحداث، فتحدثت عنه متعجّبة: "من يقول إن الراديو سيصبح يوماً صديقي، يحدثني دون ملل، يطلعني على ما يدور حولي، متى شئت أسكته ومتى مللت أعطيه الضوء الاخضر للحديث، فعلاً إنه صديق وفيّ، يُراعي مزاجي، إن شئت الحديث بالسياسة نطق، وإن شئت سماع الأغاني أطربني".


تبولة إيزابيل
وعن كيفية تأمين طعامها أجابت: "الله معي يبعث لي رزقي من حيث لا أدري، تقصدني امرأة كل أسبوع وفي يدها وجبة طعام، وعلى الرغم مما أنا عليه استطيع قلي البطاطا، وفرم تبولة أحبّها كلّ من تذوقها. لكن اليوم وحتى هذه الساعة لم آكل، فالأجبان والألبان التي لديّ انتهت مدتها، وشعرت بطعم عفن حين تذوقتها، فأعدتها الى مكانها وعدت إلى مكاني".
أما عن كيفية محافظتها على نظافة منزلها الذي ورثته عن والديها والذي يقتصر على غرفتين ومطبخ صغير وحمام، فأجابت: "أحاول على قدر استطاعتي التنظيف، فأنا منذ صغري مهووسة بالنظافة"، وعن كيفية استحمامها، قالت: "استحمّ وحدي، فأنا لا أحتاج أحداً".


الساعات تملأ المكان
عدا النظافة في بيت إيزابيل والسرير الموضّب، والمجلى الخالي من الأواني، والسجادة النظيفة، ما يلفت النظر هي الساعات، ما يدفع الى طرح سؤال: لما كلّ هذه الساعات وهي لا ترى عقاربها؟! لكن حين شرحت السبب دُهشنا لذكاء تلك السيدة: "ضُبِط منبه كلّ ساعة على وقت محدد، وحين يرنّ أعرف الوقت".


عروض مرفوضة
قُدِّمت عروض كثيرة لوضع إيزابيل في جمعية تهتمّ بها لكنّها رُفِضت جميعها: "لا شيء يُؤي الإنسان كمنزله، وأنا اعتدت على تلك الكنبة التي أكلت من جوانبي، أتمدّد عليها طوال الوقت، وبعد الظهر أبدأ بالصلاة لأجلي ولأجل كل من يخطر ببالي، ويمرّ الوقت ويغلبني النعاس فاستسلم له".


لا أمنيات
هي التي برّدت رغبتها في الحياة، حتى الأعياد لم تعد تعني لها شيئاً! تقول بأسى: "أحدهم جلب لي شجرة الميلاد لكن ما حاجتي إليها فأنا لا أراها؟! لذلك أهديتها لأشخاص قد تسعدهم، لأشخاص يرون جمالها وأضواءها، أما أنا فلا أريد شيئاً من حياة خانتني وغدرت بي وأقعدتني، فحتى أمراضي لم أعد أعتب عليها وكم بالأحرى على وزارة لا تلتفت لمساعدتي".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard