هذه معاناة عماد الذي هرب من "داعش" واستقر في لبنان

23 كانون الأول 2014 | 12:52

المصدر: "النهار"

يحاول عماد أن يخفي دمعته، فيما الغصّة لا تفارق كلماته. هو أبٌ لأربعة أبناء، صبي في الثالثة عشرة، و3 فتيات في سن الـ 10 والـ 9، والخمس سنوات. جاء إلى لبنان من منطقة الكرداة في العراق، بعد أن دخل تنظيم "داعش" إلى منطقته ما اضطره هو وعائلته إلى ترك منزلهم وأغراضهم والهروب فوراً حفاظاً على حياتهم.


رحلة العبور

إنّه مواطن عراقي آشوري اختار الدين طريقاً له. كان شماساً يعمل في تلفزيون "آشور" العراقي كمقدِّم برامج دينية توعوية. هو لن ينسى هذا التاريخ، 8 آب 2014 يوم هُجِّر وأسرته من أرضه! يخبرني: "لا نعرف مصدر الهجمة، استيقظنا ووجدنا في الطرقات أناساً غرباء عن البلد، يتكلمون لغات مختلفة مثل الشيشانية وغيرها. يقولون إنَّهم جاؤوا من الجنوب، أخبرنا جيراننا بذلك، هم هربوا في المساء، أما نحن فهربنا في الساعة الرابعة فجراً، وأخذنا الطرق التي توصلنا إلى المناطق الكردية القريبة، تاركين المال والأغراض والمجوهرات... ذهبنا بالملابس التي كنّا نرتديها فقط، حتى "القرش الأبيض" الذي كنَّا نخبئه لليوم الأسود لم نستفد منه. هم لم يرحموا أحداً لا صغيراً ولا كبيراً، عاثوا في المدينة قتلاً ودماراً.

بعد الهجوم ذهبنا من نينوى إلى عدرا الكردية، ثمَّ سافرنا برًّا إلى تركيا، حيث أقمنا في أكساراي في مدينة أنقرة التركية، هناك استأجرت منزلاً، وبدأَتْ معاناةٌ من نوع آخر، فنحن لا نعرف لغتهم وإمكانية التواصل معهم صعبة. خلال إقامتنا هناك، كان من الصعب عليَّ كشماس عمِلَ مدَّة 30 سنة في الكنيسة المشرقية عدم ممارسة إيماني، فالكنيسة بعيدة، ولم أشعر بارتياحٍ هناك. بعد مرور مدَّة، تواصلت من خلال موقع "فايسبوك" مع مسؤول الكنيسة الآشورية في بيروت، وذلك بحكم اللقاءات التي كانت تجمعنا في المؤتمرات الدينية، وقلت له إنني أريد الذهاب إلى بلدٍ أستطيع فيه ممارسة شعائري الدينية، فأجابني بأنَّه يمكنني القدوم إلى لبنان. فجئت وعائلتي بطائرة إلى بيروت، لأنّني أرغب أن أذهب إلى بلدٍ متنوع يحترم شعائري".


معاناة التهجير

بعد وصوله إلى لبنان منذ حوالي الشهرين، أمضى عماد بضعة أيام لدى أقارب زوجته الذين نزحوا قبله، لكنهم كانوا كثراً، والمنزل صغير. فقرر الإنتقال وزوجته إلى منزل آخر. لكن يبدو أنَّ الأعباء الإقتصادية كانت له بالمرصاد، يقول في هذا الصدد "لا أعرف كم أستطيع الصمود، فإيجار المنزل مكلفٌ جداً (600 دولار في الشهر)، وبين كهرباء وماء يصل المبلغ إلى 750 دولاراً أميركياً. دفعت إيجار الشهر الأول، ولا أعرف من أين سأتمكن من جلب المال كي أدفع قسط الشهر الثاني. فأنا لم أجد عملاً بعد، حتى عندما قدَّمت طلب وظيفة لدى مؤسسة إعلامية لم ألقَ رداً إيجابياً. وها أنا انتظر. بعد التهجير لا أحد مهتمٌ بنا، في ظل صمت دولي وغياب المساعدات الإنسانية والطبية من قبل المنظمات الدولية. إذا مرض أحد منا قد يهان أو يموت، قبل أن يتمكَّن من الدخول إلى المستشفى. المعاناة قاتلة فعلاً. أتمنى إن كان بإمكاني السفر، والهجرة من جديد إلى أي بلد أجنبي. لا يمكنني أن أعيش هنا، من دون وظيفة أو مساعدة، أرغب بالهجرة إلى بلد غربي، حيث لن أسمع لا أنا أو أولادي عبارة "مسلم أو مسيحي"، إلى بلد تُحترم فيه قيمة الإنسان. لا أريد أن يعيش أولادي في العراق أو حتى في الشرق بعد الآن، فـ "داعش" لم تترك مجالاً للتفاهم، ولا لثقافة السلام والمحبة وتقبل الآخر، وهذا ما جعلنا نحمل غصَّة في قلوبنا".


الإنجيل والمحبة سلاحنا

الميلاد هذا العام لن يكون كسابقاته، فالعائلة بعيدة من بيتها وأرضها، لا مجال للفرح والسعادة، فهم خسروا جذورهم، ولم يبقَ لهم شيء. يقول: "لا يمكننا وضع مغارة وشجرة هذا العام، ولا نكهة للعيد بالنسبة لي ولأولادي، فنحن فقدنا إلى جانب المعنى الإيماني للعيد، المعنى الاجتماعي ومشاركة الأقارب والجيران فرحة ميلاد يسوع المسيح. حالياً أولادي متعبون نفسياً، ويعيشون بخوفٍ مستمر وتوتر نفسي، صاروا يخافون حتى من صوت المفرقعات النارية. وهم محرومون من التعلُّم إذا لم يكن بإمكاني تسجيلهم في المدرسة، فما من مردود مادي أو مساعدة أو إغاثة، فنحن اضطررنا لترك كل شيء".
ويضيف: "نحن أناس مسالمون، والإنجيل والمحبة هما سلاحنا. لذا، نتمنى ونصلِّي في هذا الميلاد أن يرجع الأشخاص الذين ينتمون إلى "داعش" إلى وعيهم ورشدهم، وأن يعرفوا أن المسيحية ثقافة سلام ومحبة وتواضع. ونحن كذلك نعرف أنَّ الصليب هو ألم، وعلينا بتحمُّل هذا الألم، ليس فقط من خلال الكلام بل بالتطبيق أيضاً. ويبدو أنَّ مأساتنا مستمرة ولكننا نؤمن بالقيامة. نحن هُجِّرنا بطريقة وحشية لا إنسانية، ونريد أن يعرف العالم الخارجي معاناتنا. كما أتمنى أن يكون هذا الميلاد ميلاد انفتاح، وأن يجد المشردون مأوىً لهم، وأتمنى لي ولعائلتي أن نبقى بخير وأن نشعر بطعم العيد مثلما كنا نشعر به في السنوات السابقة".

 

حال هذه العائلة الآشورية العراقية المهجرة ليست استثناء، بل هناك نحو 100 عائلة سورية و70 عائلة عراقية مهجرة تعيش معاناة مادية واجتماعية، لجأت إلى الكنيسة الآشورية في لبنان، فيما تبقى قصص عائلات كثيرة وصلت إلى مناطق أخرى في لبنان مطوية في دفاتر ذكريات أصحابها. ويبدو أنَّ الميلاد هذا العام سيكون مختلفاً عن السنوات السابقة بالنسبة إليهم، إذ إنَّه يحمل معه وجعاً وألماً ودموعاً على خسارة أقارب وأصدقاء، وخسارة منزل وذكريات، وكذلك خسارة هوية ووطن.

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard