برغم مرور سبع سنوات... ما زال الألم موجودًا!

23 كانون الأول 2014 | 12:58

المصدر: "النهار"

لا يعرفون عنه سوى أنه ضحّى بحياته حفاظًا على علم بلاده وقاتل إرهابيين زودًا عن وطنه. تعرّفوا إليه من خلال أحاديث والدتهم والعائلة، عرفوه بطلًا من لبنان لكنهم لم يتعرّفوا إليه والدًا، سمعوا أخباره من الناس لكنهم لم يسمعوا القصص التي كان يريد إخبارهم بها، يعرفون أنّه المقدّم المغوار الشهيد البطل صبحي العاقوري، لكنهم يريدونه بابا صبحي فقط.

جويس، ابنته الكبرى، كانت تتمنى أن يعود إليها، وعندما فقدت الأمل باتت تتمنى أن يكون سعيدًا في مكانه، تحتاج إليه في كلّ يوم كما يحتاج إليه جو ابنه الوحيد، وكلوي وكريستي. يحبون فيه أنه والدهم، يحزنون أنهم لم يعرفوه ولم يتعرّفوا إليه شخصيًا، يقولون: "إنه بطل، لطالما كان بطلًا، لم يكن بحاجة إلى أن يستشهد ليثبت أنه بطل".

استشهد صبحي العاقوري في أيلول عام 2007، استشهد بعدما صارع الألم ثمانية وعشرين يومًا، استشهد في معركة "نهر البارد" مع 170 شهيدًا من المؤسّسة العسكريّة، استشهد ليستأصل الإرهاب من لبنان فيما لبنان ما زال يتخبّط بمستنقعاته. استشهد في سنّ السابعة والثلاثين تاركًا رفيقه دربه وأمّ أولاده، ترك ليا حبيبته وأربعة أولاد، اثنان لم يتسنَّ لهما معرفته واثنان يذكران القليل منه.

على الرغم من رحيله الباكر، إلّا أن صبحي لا يزال حاضرًا، أبت ليا إلّا وأن تخلّد ذكراه، فأنشأت مؤسّسة تحمل اسمه لمساعدة أطفال شهداء الجيش، تقضي مع أسرتها وأولادها فترة الميلاد في تحضير ما يسعد أولادًا فقدوا آباءهم، فيتشاركون الغصّة نفسها بابتسامة تعوّض قليلًا ما خسروه.

الميلاد قبل صبحي وبعده
كانت فترة ما بعد استشهاده صعبة، لكن عزيمة ليا كانت قويّة، كانت تريد أن تخلّد اسمه، كانت تريده أن يبقى حاضرًا ولو غاب بالجسد، بقيت روحه رفيقتها الدائمة تناجيها وتستمدّ منها القوّة. تقول ليا العقوري لـ"النهار": "استشهد صبحي في أيلول عام 2007، كانت تلك الفترة من أصعب لحظات حياتي، لكننا وزّعنا الهدايا في عيد الميلاد من العام نفسه، وزّعنا 2000 هديّة لأولاد الشهداء، أردت أن أوزّع الهدايا باسمه وعن روحه، اشتركت العائلة كلّها في تحضير الهدايا، عملنا من المنزل. كان الأهل خائفين عليّ؛ كيف سيمرّ العيد وصبحي ليس بيننا، لكن العمل مدّني بقوّة وجعل الميلاد يمرّ بأقلّ حزن ممكن، فكانت الانطلاقة الأولى للمؤسّسة التي تحمل اسمه وتهتمّ بأولاد الشهداء، نقيم لهم كثيرًا من النشاطات لكن يبقى لعيد الميلاد رمزيّة خاصّة عندنا وعندهم".

قبل استشهاده كان صبحي يقضي العيد بين بيت أهله وبيت أهل زوجته ليا، وأحيانًا كانا يحضّران لقضاء العيد في منزلهما ودعوة العائلة للاحتفال معهم، أمّا اليوم فتقضي عائلته هذه الفترة بتوزيع الهدايا ويشارك أولاده في هذا النشاط منذ عام 2008، يحبون أن يعيشوا هذه الفترة بتفاصيلها كلّها، فيما ينتظرون المساء ليجلسوا معًا مثلما كانوا يفعلون قبل رحيله، وتقول ليا: "قبل أن يستشهد كنا نحضّر هدايا عيد الميلاد قبل شهر ونضعها تحت الشجرة، كان يرتدي زي بابا نويل ويوزّع الهدايا للكلّ، كان مرحًا وحنونًا، كان يحبّ الأولاد كثيرًا. اليوم جويس ابنتي الكبرى تلبس زي بابا نويل وتوزّع الهدايا، المؤسّسة هي جزء لا ينفصل عن حياتنا، أولادي يشاركون في النشاطات ويعيشون كلّ الأجواء المرافقة لها، ويحبّون ما نقوم به، المؤسّسة هي استمراريّة لصبحي ولوجوده بيننا".

موجود في أولاده
عندما استشهد صبحي، كانت تبلغ جويس سبع سنوات، جو أربع سنوات، كلوي سنتين، وكريستي سبعة أشهر. يعرفون كيف استشهد والدهم، ويسألون عنه دائمًا، وخصوصًا الصغيرة كريستي التي لم تكحل نظرها برؤيته. وتقول ليا: "في الفترة الأولى كانوا يسألونني عنه كثيرًا، ولا يزالون حتى اليوم، وأنا لديّ الإجابة عن كلّ تساؤلاتهم بقدر ما تسمح أعمارهم بالاستيعاب. كريستي هي أكثر من تسأل عنه وتريده معها، فهي ترى أولاد أخوتي مع آبائهم فتطالب بوالدها وتشتاق إليه. جويس الكبيرة تتذكّر بعض التفاصيل والقصص. عندما كان جو أصغر كان يقول لي إنه يريد أن يصعد إلى السماء ليجلب والده ويعود معه. كان صبحي يحبّ الأولاد كثيرًا، عندما يأتي من الخدمة كان يقضي الوقت معهم ويلعب معهم ويوليهم كل اهتمامه".

صبحي لا يزال بيننا، استشهد في الحرب على الإرهابيين، لكنه لم يرحل، ما زال موجودًا في وجوه أولاده: "كل ولد يحمل القليل من صبحي، جو لديه الروح المرحة نفسها ومزحاته، جويس تكره الشواذ ونظاميّة ومسؤولة مثله، أما كلوي وكريستي فلديهما ذكاؤه. غيابه كان صعبًا وترك فراغًا. الأمّ لا يمكنها أن تحل مكان الوالد وتقوم بالدورين. صحيح أننا نعيش ومستمرّون في الحياة، ولكن هناك غصّة في قلبي وفراغ في نفوس الأولاد. إيقاع حياتنا كان سريعًا، تعرّفنا إلى بعضنا في سنة 1998، تزوّجنا في 1999، أنجبنا جويس في العام 2000، وفي غضون ثماني سنوات أنجبنا أربعة أولاد، كنا متفاهمين على كلّ الأمور ونحبّ بعضنا كثيرًا، مرّت ثماني سنوات على زواجنا وكأننا كنا في السنة الأولى لتعارفنا".

رحلته نحو الشهادة
أصيب المقدّم المغوار ثلاث مرّات في نهر البارد. الإصابة الأولى كانت في كتفه، نُقل إلى المستشفى قطّب جرحه ثمّ عاد إلى المعركة في اليوم الثاني، لم يأخذ فترة استراحة ولم ينتظر فكّ القطب. الإصابة الثانية كانت في يده، لم ينزع الشظايا منها لئلا يجبر على ملازمة البيت، فربط يده وعاد إلى المعركة ليؤازر رفاقه ويحقّق معهم النصر. الإصابة الثالثة كانت الأقوى والأصعب، أصيب في بطنه ويده وعينه، وشوّهت الحروق جسمه، إصابة لم يقوَ صبحي على مقاومتها كثيرًا، إصابة لم تسمح له بالتلذّذ بالنصر الذي كان ينتظره مع رفاقه، إصابة أدّت إلى استشهاده بعد ثمانية وعشرين يومًا من مصارعة الألم.

عندما أصيب العاقوري نقل إلى مستشفى رزق، خضع لعمليّة دقيقة في معدته وبطنه استمرّت أكثر من 12 ساعة، بعدها وجد الأطباء أن من الأفضل نقله إلى فرنسا، إلى مستشفى متخصّص في الحروق لمتابعة وضعه. نقل العاقوري إلى فرنسا وذهبت معه زوجته، التي تقول: "سافرنا لمدّة 28 يومًا، عشنا خلالها على أعصابنا، كنّا كلّ يوم نشهد جديدًا في حاله، بقي تحت تأثير المخدّر والمنوّمات لمدّة ثلاثة أسابيع كي لا يتألّم، استفاق في الأسبوع الأخير فتمكنّا من رؤيته والتحدث معه. خلال هذه الفترة تحسّنت حاله تدريجًا، كان واعيًا ويدرك ما يدور حوله، لكن بعد أسبوع أخبرني مسؤول القسم أنه توفي".

كانت الصدمة قويّة على المرأة التي كانت تعدّ الثواني ليستفيق زوجها، والتي صلّت ليتحسّن وتعود معه إلى أولادهما، فتقول: "لم أكن أتوقع ذلك، كنت أعلم أن طريق شفائه طويلة وصعبة، ولكنني لم أتوقّع أن تنتهي حياته هنا، كانت صدمة لي، كان لديّ الأمل بأن نعود معًا إلى لبنان، لم أعرف كيف سأخبر الأولاد بهذا الخبر، توقف الزمن بي في تلك اللحظة، لم أستوعب فكرة رحيله، فكرة رحيل هذا الشخص الحنون والرائع، كنت أظن أنني أعيش كابوسًا وسأستفيق منه، لكن في النهاية أولادي وإيماني أمدّوني بالقوة وجعلوني أتخطّى هذه المرحلة".

أيستحقّ لبنان؟
على الرغم من الألم الكبير والغصّة التي تخنقها، وعلى الرغم من المخاطر التي ما زالت تحدق بلبنان وتنال من أشرف شبابه، على الرغم من كلّ التسويات والاتفاقات التي تُعقد على دماء شهداء الجيش اللبناني، إلّا أن زوجة البطل المغوار لم تقل يومًا أن لبنان لا يستحقّ التضحيات: "لبنان يستحقّ التضحية، وهذه ليست شعارات، لولا تضحيات أبطال الجيش، تضحيات صبحي ورفاقه الشهداء، لما كنا اليوم نعيش في بيوتنا مرتاحين، قدّم الجيش الكثير ولا يزال، قد لا نستحقّ كل هذه التضحيات ولكنها جنّبتنا الكثير".

بعد رحيل صبحي لا تتمنى ليا سوى تحقيق أمنيات أولاد الشهداء، وأن يكونوا أولادها سعداء بحياتهم. لكن ألا تتمنى أن يدخل صبحي ليلة العيد مرتديًا زي بابا نويل وحاملًا الهدايا كعادته، فيكون هديتها الأعظم؟ تردّ: "منذ استشهاده، لم أشعر يومًا أنه ليس موجودًا بيننا، هناك رابط يجمعنا دائمًا، رحل جسده ولكن روحه حاضرة معنا دائمًا، أناجيه يوميًا، بوفاته خسرت قطعة من روحي، ما يعزيني أن حياتي معه كانت أكثر من رائعة، لكني مؤمنة بأن هذه الدنيا مجرّد جسر عبور إلى مكان أفضل".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard