نغمات في حياة جبران

10 كانون الأول 2014 | 20:47

هو الأرشيف المصور من جديد، نعود إليه فنتذكر صوته وضحكته وبسمته، تعابير وجهه وملامحه، حتى "العبسة" أحيانا يحلو تذكرها لما فيها من دلالة على رصانته وشخصيته الفذة. فمن يمكنه ان يقدم وصفا دقيقا لتعلق الأستاذ بالموسيقى، أفضل من الوصف الذي قدمه هو شخصيا للإعلامية ريما نجيم في برنامج "نغمات في حياتي"، الذي أعادت "المؤسسة اللبنانية للإرسال" عرضه على شاشتها بعد أسابيع على استشهاده؟ قال بالحرف: "هناك نوع من العلاقة العضوية بين الإنسان والموسيقى، فالأغنية تفتح جوارير قلبه وتمنحه القدرة على تذكر صور ومراحل من حياته... للإنسان محطات كثيرة في الحياة والأغنية تذكّر دائما بمرحلة معينة، والأغنيات التي أحبها كثيرة. ومن يحب أغنية معينة يغار عليها كما يغار على ولد يحبه ويخاف من ان تحزن إن تذكر أخرى ولم يتذكرها".

هكذا تكلم جبران تويني عن علاقته بالموسيقى وأكثر، فلو أمكن القارئ رؤية الشريط المسجل، لحصل على وصف أكثر عمقاً ودقة من الكلام المعلن، إذ كان سيتسنى له مراقبة ذاكرة جبران تتراقص على نغمات "نحنا والقمر جيران" و"أهواك" و"لبيروت"
وyesterday لفريق "البيتلز" وغيرها، لتعود به ولداً ومراهقا وشابا ثم رجلا أشبه بناي جبران خليل جبران الذي يستمر أنينه حتى ما بعد فناء الوجود.
أما الثورة في "لمعت أبواق الثورة" و"سقط القناع"، فتلحظها في عينيه قاسية وصلبة، قوية تتحدى الموت إلى ما بعد الموت. أحب إرنستو "تشي" غيفارا ورأى فيه عمق الثورة الصادقة قائلا "هو مناضل شاب استشهد والإبتسامة على وجهه متخطيا حدود الجسد... الحرية تجعلنا نتخطى الجسد وقوة الإيمان تكمن في ان نعرف اننا إذا رحلنا، فإن غيرنا موجود ليكمل عنا ولأجل ذلك علينا ان نضحي"...
فالرجل الذي كتبت أمه الوطن على دفاتر الشعر ورسم والده الغد على صفحات "النهار" وفق المقدّمة نجيم، عاد مع أغنية "نحنا والقمر جيران"، إلى "صور الجبل والعائلة والأصحاب والضحكات والأحلام التي تذكر بلبنان القوة والعمق، البسيط والشفاف والحلو، الذي نراه ليليا كلما تجدد ضوء القمر".
ويتغير بريق عينيه مع عزف أغنية yesterday ليتحول بريق مراهق ثائر بشعر طويل وجاكيت جينز وTennis Shoes وstyle يشكل نسخة مطابقة لـ "البيتلز"، "كنا نعتقد إنو رقصة
الـslow إنجاز وإنو صرنا كبار بس نحنا كان بعدنا ولاد". وأضاف ممازحا: "هيك كنا عايشين".
وتتبدد ضحكة أيام الطيش وبريقها، لترسم أغنية "أهواك" في عينيه بريقا خاصا وفي نفسه لحنا شجيا "تسير الوالدة ناديا تويني على نغماته الحزينة متلمسة شوارع بيروت المدمرة، أرى في عينيها نوعا من الفرح والحزن والتمسك بالحياة. صوّرت هذه المشاهد قبل سنتين على رحيلها وربما كانت آخر رسالة عبرت فيها عن حبها لبيروت وللبنان والأرض".
وكم بكى جبران في غربته كلما استمع الى أغنية "خدني زرعني بأرض لبنان". وعبر عنها قائلا: "رغم العذاب الذي يشعر به مستمع هذه الأغنية، إلا انها تمده بالقوة، فكلمة الزرع توحي بالجذور وكلمة جذور تعني الارض والتاريخ وهذا هو لبنان".
وكم تذكر والدته وشعر بالحنين إلى بيروت كلما استمع إلى أغنية "لبيروت"... فالثورة والوطن والحرية، كانت حاضرة دائماً في حياة جبران، أحب "نحنا الثورة والغضب" لجوليا، وكم عبرت في معانيها عن نزعته "الثوروية" نحو التغيير والحرية، والأمل بشباب واعد يحقق المستقبل.
أما ماجدة الرومي، فمن أحب الأصوات إلى قلب جبران، ومن يدري إلى أين كان يذهب صوتها بعقله وخياله كلما غنت "عم بحلمك يا حلم يا لبنان"!
وطبعا لا يمكن المرور على أغنية My Way من دون ان يقفز جبران مجدداً الى الذاكرة، فقد اقترنت الأغنية باسمه وربما عرفت شهرتها في لبنان معه أكثر من الشهرة التي عرفتها مع فرانك سيناترا. وبعد الإستفسار من المقربين منه وزملاء في "النهار" عن أحب الأغنيات إلى قلبه، تتصدر My Way اللائحة، ويغرقون في عاطفة سكر تعيدهم في الزمن ليتذكروها بصوته. وفيما عبرت الأغنيات الأخرى عن حنينه الى الطفل والمراهق، كانت هذه الأغنية في حياته تعبيرا عن قلب رجل أحب، وبصدقه المعتاد في إنجاز مختلف الأمور، كان صادقا في تأديته هذه الأغنية بصوته لزوجته سهام...
قال ان "الموسيقى تخبر الكثير عن الإنسان وحياته إذ من الممكن ان نفهم الآخر بمجرد النظر إليه وهو يستمع إلى أغنية يحبها". وكالعادة لم يخطئ القول، فالأغنيات الأحب إلى قلبه كشفت لنا عمق إنسانيته، صدق رومنسيته وثورويته، وحرارة حنينه الى الحرية والوطن والأم.

pascale.azar@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard