"خربشات" جبران بدأت بـديك والكاريكاتور بادله العشق عند استشهاده

10 كانون الأول 2014 | 20:46

نشأت بين جبران تويني والكاريكاتور علاقة خاصة فأولاه الاهتمام اللازم على قدر متابعته لمانشيت "النهار" وموضوعات عدد الصحيفة، لأنه كان يعي اهمية هذا الفن الصحافي في ايصال الرسائل المباشرة والسريعة.

وكما كان لا يحب المواربة في كتاباته وخطبه الجريئة والنارية في المحطات المفصلية والتي تصل الى القراء والجمهور من دون ان "ترتدي" كلماته قفازات، هكذا اراد ايضا رسالة الكاريكاتور في "النهار" والملاحق.
عندما أطلق ملحق "نهار الشباب" بعد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية في مكاتبه آنذاك في الاشرفية في حضور عدد من الزملاء القدامى والوجوه الشابة، ركّز على ابراز هذا الفن في الملحق لتحاكي الرسوم المرافقة للنصوص المكتوبة هموم الشباب اللبناني وقضاياه وتطلعاته التي كانت مطروحة في اوائل التسعينات من القرن الفائت ولا تزال هي هي.
"خربشة وأسئلة"
اكتشف جبران مبكراً سحر الكاريكاتور وهو لا يزال على مقاعد الدراسة. ولا تغيب عن ذاكرة الرسام بيار صادق صورة جبران وهو لم يتجاوز العاشرة عندما كان يحضر الى مكتب الاول في الطبقة السادسة من مبنى الصحيفة في الحمراء آنذاك فيقدم له الاوراق واقلام الرسم والتلوين ليبدأ الطفل غابي (وفق ما يحلو لوالده غسان تويني ان يناديه ويدلعه) بخطوط "الخربشة" ورسم ديك "النهار" وهو يمطر صادق بوابل من الاسئلة والاستفسارات التي تدل على شغف هذا "النهاري" وتعلقه بمؤسسته الصحافية التي عمل على تحويلها منارة اعلامية لبنانية وعربية.
وتعمّق في أدق تفاصيلها بدءا من مطابخ الاخبار وتحريرها والحصول على المعلومات والمصادر الصحافية وصولا الى المطبعة لاخراج العدد "المولود" في ابهى صورة قبل تقديمه الى القراء.
وتطورت العلاقة بين صادق وجبران "الذي كنت أنظر اليه كأنه واحد من اولادي. ومنذ طفولته الى استشهاده ظل شعلة لا تهدأ".
ولم تقتصر علاقة جبران مع رسامي الكاريكاتور على صادق بل امتدت الى ستافرو جبرا وسواه من الذين حملوا ريشاتهم وهم يتألمون في رسم الشهيد بعد رحيله، وقد ذرفت حبراً احمر وفجرت الدموع في عيون كل من شاهد تلك الاعمال بعدما أحب جبران.
ويصف جبرا على طريقته السريعة والمتدفقة الشهيد بـ "واحد من رسل الحرية القلائل في هذا البلد والذي اراد عن حق واقتناعات راسخة لا تتزحزح الحفاظ على مساحة الـ 10452 كيلومترا مربعا".
وايماناً برسالة الكاريكاتور الصحافية وافساحا في المجال امام الوجوه الفنية الشابة في هذا الحقل نظم "نهار الشباب" مسابقة لاختيار افضل ثلاثة مشاركين في اشراف لجنة تحكيمية برئاسة صادق وفاز فيها الزميل ارمان حمصي وحبيب فغالي متساويين بالجائزة الاولى واعطيت الثالثة لأنطوان ابو جودة.
وغيرت هذه المسابقة مسار حياة حمصي الذي كان في السابعة والعشرين من عمره آنذاك ويعيش في فرنسا ودفعته للعودة الى بيروت.
وكان حمصي قرأ الاعلان عن تلك المسابقة في "النهار" فأرسل مجموعة من اعماله الى منظمي المسابقة لينضم بعدها الى اسرة "نهار الشباب" و"النهار".
وفي أقل من خمس دقائق للقائه جبران في مكتبه في الاشرفية دعاه للانضمام الى اسرة "نهار الشباب" وخاطبه على الفور وبطريقته الاسرع من البرق: "مبروك ارمان وبراڤو على نيلك الجائزة، عجل وارسم كاريكاتوراً للعدد المقبل".
ونفذ حمصي رسما عن الحالة الطائفية وانقسام الحركة الكشفية في لبنان وطابقت صورته موضوع الغلاف الذي أعده كاتب هذه السطور آنذاك.
لم ينس ارمان تلك الواقعة كلما سأله احدهم عن الشهيد ولاسيما الجملة التي زرعها في ذهن شاب موهوب ومتحمس: "معك كارت بلانش"، في اشارة الى الحرية المتاحة له في عمله.
ويتسلح حمصي بهذه العبارة منذ ذلك الحين "وهو لم يطرح عليّ فكرة ما ولم يوجهني في تناول هذه القضية او تلك بل ترك لي كامل الحرية في اختيار موضوعات رسومي وما اريد ان اقدمه الى القراء من خلال هذا الفن".
ويتحدث حمصي ذو الطبع الهادىء عن "الثقة والدعم الذي تلقيته من الشهيد وايمانه بفن الكاريكاتور الصحافي".
وفي عام 1997 انقلبت حياة حمصي عندما طلب منه الانتقال الى الرسم في الصحيفة الأم والمشاركة في اجتماعات التحرير اليومية الامر الذي مكّنه من الوقوف اكثر على تماس العمل مع الزملاء ولقاء جبران والنقاش معه "من دون حواجز".
ولم يكتف جبران بهذا الفن في "النهار" والملاحق الاسبوعية التي تصدرها بل واكبه في عدد من المدارس لتعزيز المواهب الصاعدة لدى التلامذة.
وفي اوائل ايار عام 1997 استضاف تلامذة الصف الاول الثانوي في الليسيه الفرنسية اللبنانية الكبرى في الاشرفية حمصي ليروي لهم تجربته في هذا المضمار وليخبرهم عن عالمه الكاريكاتوري.
وحضر جبران اللقاء وشارك في الرد على اسئلة التلامذة وهو الذي كان يهوى ويفتش عن تلك المناسبات العزيزة والمحببة الى قلبه، ليقف من خلالها اكثر على هواجس الشباب ومشكلاتهم.
وسأله احدهم عن "السبب الذي يمنع رسام الكاريكاتور من انتقاد الشعب لا الدولة"، فأجاب بحماسة صادرة من حنجرة درجت على النطق بالحق ونصرة المظلومين: "ان الكاريكاتور يرمي الى النقد، لا الى تجميل صورة الواقع. والصحافة صلة وصل بين المواطنين والدولة وعليها ان تبين حاجات الدولة والمواطنين من جهة، وتقصير الدولة وايجابياتها ان تجاوبت مع الشعب من جهة اخرى(...)".
ولم تفته الفرصة هنا وفي معرض رده على الاشادة بأبناء وطنه ليخلص الى القول: "ان الشعب اللبناني هو من الشعوب التي يتوجب احترامها وتقديرها اكثر من انتقادها. وإن حصل تقصير على الصعيد المدني، فانه يأتي من الدولة اولاً لأنها مسؤولة عن توجيه المواطن ومساعدته وتطوير المجتمع، وعندما تكون الدولة مسؤولة عن التقصير فلا يمكن لوم الشعب في حال تقصيره".
وترك جبران كامل الحرية للكاريكاتور في الجريدة. هذا ما يرويه صادق "فلم يطلب مني أن استبدل أي صورة من أعمالي وإن كانت من "العيار الثقيل" حيال جهة أو شخصية ما، وليس من الضروري أن تنال كامل قبول الراحل".
وكان يتلقى أحيانا، وفق صادق، بعض الاشارات او الملاحظات من جبران وليس الاعتراضات عبر الاستاذين أنسي الحاج وادمون صعب.

"العنفوان الجبراني"
الاحكام نفسها التي يطلقها صادق على جبران يرددها جبرا "لأنه كان في مقدم الاحرار ويختزن الحرية والعنفوان من دون مواربة. لقد وقف في وجه الخونة بحضوره وكلماته المشبعة بها سيادة لبنان".
ويتحدث عن "العنفوان الجبراني" الذي عكسه في عدد من رسومه بعد الاستشهاد "الذي عبّد طريق الاستقلال أمام اللبنانيين".
ويقع منزل صادق في جوار المكان الذي سقط فيه جبران ورفيقاه. "عند سماعي دوي الانفجار الاسود شعرت ان جبران قتل وهو المستهدف" وهذا ما قاله في تلك الدقيقة السوداء الى زوجته التي كانت الى جانبه. وما هي الا دقائق حتى تحقق الخبر الصاعقة في مخيلة صادق.
وكان الاثنان يمران يومياً على تلك الطريق التي ارتوت بدماء جبران ونقلها صادق وجبرا وحمصي وآخرون من زملائهم اللبنانيين والعرب في رسوم تصوّر ديك "النهار" الحزين.
وترجم بيار صادق أوجاعه على فقدان صديقه على الصفحة الاخيرة في "النهار" وفي الدقائق الاخيرة على شاشة تلفزيون "المستقبل" في اختتام النشرة الاخبارية المسائية والتي يزينها بعبارات مقتضبة ومعبرة ومنها: "صوتك حَ يضل يودي".
كذلك صوره حمصي من ثلاثة رسوم عزيزة على قلبه وهي تظهر لحظة انضمام جبران الى شهداء ساحة الحرية ورفعه المشعل، تلك البقعة التي أحب ترابها والهتافات التي انطلقت من حناجر شابة مؤمنة.
"حبر بيروت"
ويصور حمصي ايضاً في رسم آخر رئيس مجلس النواب نبيه بري وهو يتطلع من كرسيه في القاعة العامة للمجلس في اتجاه فوهة مكبر للصوت ليتأكد من ان تويني وصل الى البرلمان.
وبعد نجاح ابنة الشهيد النائبة نايلة تويني في الانتخابات الاخيرة صوّر حمصي في كاريكاتور قبضة ناخب وفي رأس الابهام صورة جبران والى جانبه عبارة "حبر بيروت الاولى".
وخطت ريشة جبرا رسوماً للشهيد في صحيفة "البلد" ومجلة "الدبور" وصوّر في احداها الراحل في نعشه ملفوفاً براية "النهار" وديكها وممهور بعبارة: "لأجلك يا لبنان العظيم استشهدت".
لم يواجه الكاريكاتوريون الثلاثة صعوبة في رسم جبران، لكنه ليس سهلاً حسب صادر "لأنه كان يحرص على كامل أناقته ويهتم لصورته".
ولم يجد حمصي صعوبة ايضاً في رسم جبران و"رغم الكاريزما التي كان يمتاز ويتمتع بها بقي قريباً من الجميع وتعامل معهم من دون حواجز مع الحفاظ على طلته وهالته وهذا ما عكسته في رسومي له".
ولا يزال "رنين" ضحكات جبران في ذاكرة حمصي التي يرفقها عندما يراه بـ"شو عنّا جديد" عندما كانا يلتقيان في المصعد وصولاً الى الاجتماع اليومي في قاعة التحرير.
رحلة جبران مع الكاريكاتور وعشقه هذا الفن طارداه الى مكتبه في "النهار" ومنزله في بيت مري. وبعد استشهاده "رثاه" رسامون أصدقاء بريشاتهم التي تلاعبت في فضاء وجهه الباسم وعينيه الشاخصتين واللتين لم يجرؤ القاتل على النظر اليهما... أما قامته فلم تعرف الانحناء لأن ديك "النهار" درج على التطلع الى فوق... الى السماء فقط.

radwan.aakil@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard