رحلة مميزة مع الاتحاد العالمي للصحف حرية الصحافة أولاً

10 كانون الأول 2014 | 21:30

ما انفك اسم الشهيد جبران تويني يتردد في المحافل الدولية. انه مناضل لبناني عربي تسلح بقلم "النهار" وحمل على منكبيه همّ الدفاع عن حرية الصحافة، والترويج للاستقلالية الاقتصادية للصحف، والتصدي لكل الانتهاكات التي تمس حرية التعبير... فشرّعت له أبواب العالم أجمع وغدت بينه وبين المؤسسات الدولية علاقة فكرية روحية، أخذت تتنامى مع الزمن الى أن أضحت تجربة رائدة رسّخها الايمان المشترك بالصحافة الحرة والدفاع عن الصحافيين المضطهدين في كل زمان ومكان. فها هو في الاتحاد العالمي للصحف، وفاعل في صندوق دعم حرية الصحافة، ومناصر دائم للكلمة الحرة.
تويني في الاتحاد العالمي للصحف
انشىء الاتحاد العالمي للصحف، كمنظمة عالمية عام 1948 متخذا من "الدفاع عن حرية الصحافة وصونها" هدفا رئيسياً ومقصدا أساسيا. وهو يضم حالياً ثمانين مؤسسة صحافية، تسع جمعيات اقليمية للصحافة، ثلاث عشرة وكالة صحافية وطنية ودولية، وأعضاء أفراد من أكثر من مئة دولة. كما يمثّل في الوقت الراهن ما يزيد عن 18 ألف مطبوعة موزعة في العالم كله.
طوال ستين عاما، ما حاد الاتحاد العالمي للصحف عن أهدافه التي رسمها لنفسه والمتمثلة بتعزيز حرية الصحافة والترويج لاستقلال الصحف اقتصاديا، تطوير الصحافة المكتوبة، تقوية قنوات الاتصال بين مسؤولي الصحف في أنحاء العالم المختلفة. وأخيرا، توطيد التعاون المثمر بين أعضاء الاتحاد على كل الصعد. علما ان الاتحاد لا يغفل عن مدّ ناشري الصحف والصحافيين، أينما وجدوا، بالمساعدة القانونية والقضائية اذا دعت الحاجة.
في مضمار آخر، يحظى الاتحاد، ومقره باريس، بصفة "المنظمة التمثيلية للصحافة" لدى الأونيسكو والامم المتحدة والمجلس الاوروبي. وهو اذ يقدم العون اللازم لصحف الدول النامية عبر برامج إعداد ودورات تدريب، يساهم بشكل مباشر في تطوير مهنيتها وزيادة عدد قرّائها وبالتالي عائداتها المالية.
على مدى عقدين من الزمن، نمت بين جبران تويني والاتحاد العالمي للصحف علاقة فكرية ومهنية فريدة، اختصرت اقتناعاً مشتركاً بقدسية الصحافة الحرّة والاستقلالية الاقتصادية للصحف ونصرة كل صحافي مضطهد أو معتقل أو مكبوت في أصقاع العالم أجمع.
استمرت عضوية تويني في الاتحاد لأكثر من عشرين عاما، كرّس خلالها قدرا كبيرا من أفكاره واقتناعاته وجهوده ووقته في سبيل تدعيم حرية الصحافة اللبنانية والعربية والعالمية على حد سواء، وحض كل صحافي على النضال والمجاهرة بالحقيقة بكل حرية ومن دون رادع. فخلال تلك السنوات المتعاقبة خاض جبران تويني والاتحاد تجارب ومحاولات شتى، بل معارك اذا جاز التعبير، لرفع الصوت مدويا جبهاً لكل قمع وظلم وكبت واضطهاد من شأنه طمس الحرية وقتل الحقيقة قبل أن تبصر النور.
وفي تفصيل بسيط ان جبران تويني كان عضوا بارزا في مجلس ادارة الاتحاد العالمي للصحف منذ 1990 ومستشارا لرئيس الاتحاد لقضايا الشرق الأوسط آنذاك. كذلك كان ناشطا في لجنة حرية الصحافة وعضو مجلس ادارة صندوق دعم حرية الصحافة في العالم المنبثق من الاتحاد منذ عام 1994، اضافة الى كونه مشاركا منتظما في بعثات حرية الصحافة الى "مناطق الحوادث الساخنة" وداعما لقيادات المنظمة. من هنا، فانّ نبأ اغتيال جبران تويني في ذاك اليوم المشؤوم، هزّ الاتحاد الذي اعتبر انه مني بخسارة فادحة تمثلت بفقدان رجل مناضل مندفع توّاق الى الحرية والاستقلالية.
أثناء تجربته الرائدة والحيوية في الاتحاد العالمي للصحف، كان تويني خير مثال للصحافي المثالي، والمناضل الوطني، والمهني المحترف المؤمن بجهوزية الصحافة العربية عموما واللبنانية على وجه الخصوص لتلقف معايير الحداثة والتعددية والبروز كمسرح لممارسة الحرية والديموقراطية...
ومن الشهود على مناقبية الشهيد شخصيا ومهنيا الأمين العام للاتحاد تيموثي بالدينغ الذي جمعته بتويني علاقة وطيدة على المستوى الشخصي والمهني. وقد تلقى خبر مصرع تويني "بشديد الأسى والحسرة لخسارة صديق قلّ مثاله، وصحافي من الطراز الأول، دافع عن الصحافة الحرة والمستقلة حتى آخر رمق"، مبرهنا ان "حرية الصحافة هي قيمة انسانية بحتة لا قيمة غربية" كما يدّعي البعض. ولطالما أشاد بالدينغ بمزايا جبران تويني، منوّها بشجاعته وجرأته وحماسته الدائمة. ومؤكّدا أنّ رحيله عن عالم الصحافة والاتحاد العالمي للصحف هو خسارة يبدو تعويضها أقرب الى المستحيل.

ادارة الصحف في العالم العربي
النشاطات الاستثنائية التي قام بها تويني بالتعاون مع المؤسسات الدولية عديدة نذكر منها:
- إدارة الصحف في العالم العربي مع FIEJ:
نظّم بالتعاون بين جريدة "النهار" ومؤسسة الـ"FIEJ" آنذاك، مؤتمر"إدارة الصحف في العالم العربي" في أوائل أيلول 1994، حيث اجتمع عدد كبير من الصحافيين والناشرين لعرض التحولات الكبرى التي تجتاح الساحة العربية والطريق الأمثل الواجب سلوكه لمواجهة هذه المتغيرات؛ لاسيما تلك المرتبطة مباشرة بحرية الصحافة واستقلالها المالي.
وقد تخللت أعمال المؤتمر نقاشات وتداولات حول مواضيع عدة كادارة الاعلان، ادارة تحرير الصحف، استقلال وسائل الاعلام وتعدديتها وغيرها من الأمور. وفي أعقاب المؤتمر ناقش جبران تويني مع المجتمعين القيم الصحافية النبيلة التي تشكل حجر الأساس لصحافة لبنانية وعربية حرة، صلبة ومستقلة، مشددا على ان لبنان كان وسيبقى "منارة تشع باسم الحريات في العالم العربي".
وفي الختام، أهدى جبران تويني المؤتمر إلى شهداء لبنان الذين اختطفتهم الأيدي المجرمة السوداء سواء في المعترك الصحافي أو في سواه، معتبرا ان تضحياتهم هذه في سبيل الحرية والديموقراطية سنحت لكل اللبنانيين والعرب فرصة التعبير عن آرائهم واقتناعاتهم وأفكارهم من دون خوف أو قيد.
- وللسنة الثانية على التوالي، نظّمت "النهار" بمشاركة الاتحاد مؤتمرا؛ مكانه لبنان وزمانه أيلول 1995. وقد ادرج المؤتمر تحت العنوان عينه الذي اختير للمؤتمر الأول وهو "ادارة الصحف في العالم العربي"، وتناول التحديات التي تواجهها الصحافة العربية لناحية حريتها واستقلاليتها، لاسيما في الجزائر، فضلا عن مسائل أخرى منوعة ومتعلقة بالاعلانات وآثارها ومردودها المادي وحثّ الجيل الجديد على قراءة الصحف وغيرها. هذا وقد انطلقت كل المناقشات والمحاضرات من دراسات علمية واحصائية واستعانت بخبرات رائدة في هذا المضمار.
هذان المؤتمران ليسا الاّ تجسيدا لثقة الصحافة العالمية والغرب بأسره بـ"النهار" التي تمثلت خلال تلك الفترة بشخص عميدها غسان تويني ومديرها العام جبران تويني، الذي ما تردد يوما بالمشاركة في أي نشاط يساعد من قريب أو بعيد في تحصين الصحافة العربية وتجريدها من كل ما قد يعوق حريتها بشكل أو بآخر.

دعوة من لبنان الى العالم
هذا ليس كل شيء، فنشاط جبران تويني مع الاتحاد العالمي للصحف لا يمكن اختصاره ببضعة سطور أو فقرات، الى حد جعل الاتحاد يعلن "أنّ أحدا لم يساهم قدر اسهام تويني في انجاح أعمال ونشاطات الاتحاد في مجال حرية الصحافة خلال التاريخ الحديث للمنظمة"، كما ورد في حديث للرئيس السابق تيموثي بالدينغ خصّ به "النهار".
عام 1998 اختار الاتحاد لبنان مكانا لاجتماعه السنوي وكان محوره "حرية الصحافة.. ولبنان". وقد وجّه القيّمون على هذا الاجتماع دعوة حضت على وضع حد لتدخل الحكومات في شؤون الصحافة، وذلك التزاما بالمادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان التي كفلت حرية التعبير والاعلام.
"انّ استضافة لبنان لهذا اللقاء تؤكّد أنّ هذا البلد لايزال منارة الصحافة الحرة في العالم العربي"، كما أعرب تويني آنذاك، محذرا من الاستخدام المتكرر لتعابير عدة مثل "الحياة الخاصة والآداب الصحافية والحرية المسؤولة"، كذرائع لفرض قيود على حرية الإعلام... وأكّد "أن الاتحاد والمنظمات المهتمة بحرية الصحافة تحذّر الحكومات من التدخل في شؤون الصحافة التي هي قطاع خاص، ليس في لبنان فحسب بل في كل الدول، ومنها الديموقراطية والمتطورة."
لم يقتصر نشاط "النهار" والاتحاد على الأراضي اللبنانية فحسب، انّما تخطاها الى العالم العربي. ففي أبوظبي تجدد اللقاء خلال مؤتمر "الاعلام والتكنولوجيا واستراتيجية التسويق" الذي باشر أعماله في 7 آذار 1998 بمشاركة عدد هائل من ممثلي الدول الأوروبية والآسيوية والشرق الاوسطية. وتكمن أهمية المؤتمر في جمعه بين القطاعين الصحافي والتقني الطباعي، لعرض أبرز ما توصّلت اليه التقنيات الحديثة لخدمة عالمي الاعلام و التسويق.

الى الجزائر...
محطة أخرى لـ"النهار" والمؤسسة العالمية في الوطن العربي كانت الجزائر، حيث توجه وفد ضمّ الى جانب المدير العام للاتحاد والمدير العام لـ"النهار" جبران تويني، رئيس تحرير صحيفة "أيل موندو" الاسبانية ورئيس لجنة الدفاع عن حرية الصحافة في الاتحاد والزميل في "النهار" أمين قمورية وسواهم. أمّا الهدف من تلك الزيارة فكان مناقشة السياسة الاعلامية مع الحكومة الجزائرية والبحث في امكان تعديل قانون الاعلام الذي يفرض قيودا خانقة على حرية الصحافة والتعبير هناك. وفي ختام الزيارة وبعد سلسلة من المناقشات واللقاءات حصل الوفد على ضمانات من حكومة الجزائر لوقف الرقابة المشدّدة على الصحف والامتناع عن تعليق اصدار أي صحيفة بتاتا أو اعتقال الصحافيين لمجرد أنّهم عبّروا عن أفكارهم واقتناعاتهم عبر كتاباتهم. كذلك الغاء ما يعرف بـ"لجان القراءة" ومهمتها مراقبة محتوى الصحف في المطابع... وغيرها من الاجراءات التي تكفل للصحافة الجزائرية ما كانت تفتقده من حرية واستقلال.
واللافت في هذا الخضم، أنّ جبران تويني طوال مدة عضويته في الاتحاد العالمي للصحف حرص على ربط الصحافة اللبنانية والعربية بالعالم وتدعيم أواصر الثقة بين الطرفين؛ على أمل أن تبرز صحافتنا في زمن العولمة والتطور والحداثة الذي تختبره البشرية في الوقت الراهن.

المؤتمر الدولي الثالث لصحف التربية والشباب
وفي العام1997، افتتحت أعمال "المؤتمر الدولي الثالث لصحف التربية والشباب" في العاصمة الفرنسية باريس. وكان المؤتمر من تنظيم الاتحاد العالمي للصحف وضمّ ما يزيد عن خمس عشرة ألف صحيفة من أصقاع العالم المختلفة. وكانت الملكة رانيا الحسين، التي حلّت ضيفة شرف، قد أدلت بكلمة تطرقت فيها الى نقاط جمّة كعولمة تقنيات تدفق المعلومات، وإعادة تظهير المسؤولية الاجتماعية في عالم الصحافة، تجربتها مع الاعلام... وتخلل المؤتمر ندوة عن "المشكلات الاجتماعية والصحافة" ادارها جبران تويني حينها وقدّم خلالها مداخلة عرض فيها الدور الذي تؤدّيه الصحافة عموما و جريدة "النهار" خصوصاً لدفع الشباب الى التلاقي مؤكّدا أهمية الاعلام في توفير التدفق الحر للمعلومات. وتجدر الاشارة الى أنّ "النهار"، ممثلة بمديرها العام جبران تويني ومدير تحرير "نهار الشباب" آنذاك وليد عبود، كانت الصحيفة العربية الوحيدة المشاركة في المؤتمر.
علاوة على نشاطات أخرى، لا تعدّ ولا تحصى، جرت في دول أخرى كثيرة تاركة بصمة واضحة في تاريخ الصحافة والاعلام ومؤكدة حضور الصحافة اللبنانية في العالم.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard