التقى الخميني والاسد وعرفات والقذافي ومبارك وملك الاردن وأمير الكويت مُبارِز القادة والملوك يرفض المقابلات الباهتة

10 كانون الأول 2014 | 23:20

"ثائر النهار" لم يكن تجاوز الـ 21 عاما عندما جلس مع قائد الثورة الاسلامية الايرانية الإمام الراحل آية الله الخميني. ولم يكن اتم بعد الـ 25 عاما عندما قابل الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد نحو 8 ساعات، هو الخصم الشرس لسوريا، او عندما "دبكها دبكة قوية ملعونة" مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. ولم يكن غاب عن باله الامام موسى الصدر ورفيقاه عندما ذهب الى ليبيا للقاء الرئيس معمر القذافي... كان يعشق المغامرة، يتقن فنون المواجهة والمبارزة و"القتال"، ويعرف جيدا كيف يحقق الهدف.

"شوفو شو بدو يعمل فيه". كانت هذه الكلمات تعكس توقعات زملاء علموا بمقابلة ينوي جبران تويني اجراءها مع شخصية سياسية مرموقة. الى هذه الدرجة، كان يفرض هيبته مسبقا على من ينوي محاورته، كأنه محارب ذائع الصيت. الاوصاف التي حصدها عبر الاعوام كانت كثيرة: "اسئلته رشاش وِلعان، مشاكس، مشاغب، عدائي الى اقصى الهجوم، مخيف، مجادل شرس، جريء، لا يخاف، لا يدع من يحاوره، اكان صديقا ام خصما، يرتاح او يلتقط انفاسه، او "يزورب" كما يحلو له في الكلام، او يتحايل في الاجوبة، نار مشتعلة باستمرار، مندفع، متحمس، صاحب "كاريزما" قوية، صلب كالصخر، مثل الحديد الحامي يحرق محله".
اسلوب جبران تويني في المقابلات لم يكن كأي اسلوب. "اي مقابلة، اذا كانت باهتة، تموت"، كان يقول لبعض عارفيه. وابى ان يترك مقابلاته تموت، او تبهت. كان يذهب اليها كمحارب مقدام تنتظره معركة شرسة، ويؤججها باسئلة "طاحنة"، الى حد قيل عنه انه "رجل المقابلات الذي لا يتوقف عن الضرب بالاسئلة". وما خرج يوما من المعركة الا بمصافحة بقبضة قوية، او قُبل خص بها الاصدقاء.
هكذا كان لأكثر من 26 عاما، حقق خلالها مقابلات تاريخية مع شخصيات سياسية عربية وعالمية، ولم يكن روى بعد غليله ليقبل ان يرتاح. من عام 1978 الى عام 2004، ركب جناحي "النهار العربي والدولي" و"النهار" الى دول عربية وغربية، من اقصى الشرق الى اقصى الغرب، حالماً بالتغيير. وعاد كل مرة اكثر تألقا، اكثر جمالا، اكثر صلابة وتصميما، اكثر ثورة. وكانت مسيرته مسيرة صحافي "ملك" اراد تغيير التاريخ.
"كان يدخل كملك، يجلس كملك، يسأل كملك، يحاسب كملك، ويصافح كملك، وسيفه الوحيد القلم، لا اكثر"، يحلو لاصدقاء ان يقولوا عنه. وكان يُحسب له الف حساب، بل مليون. عندما كان يجلس جبران للسؤال، كان يُسمع في كثير من الاحيان صدى بركان متفجر، هادر. كانت موسيقاه المفضلة، ثورة متأججة، كلمة جريئة، ورأي حر. هكذا كان جبران.

على بساط الخميني
الحدس الصحافي. الشغف الصحافي. كان الكثير منهما في قلب جبران "الشاب"، واستدل بهما في قراءة الحوادث، واستشعار محركيها. آية الله الخميني قائد الثورة الاسلامية الايرانية موجود في باريس، وجبران ايضا هناك؟ يومها، ما قبل ان يفوت اللقاء. "كان جبران يحب الثوريين. وكان الامام الخميني يريد اسقاط نظام الشاه. ورأى فيه جبران تشي غيفارا آخر"، يروي الدكتور انطوان متى.
مرتين، قصد جبران مع متى ضاحية "لا نوفيل لو شاتو" في باريس عام 1978. في الاولى، حصل على الموعد، وفي الثانية حقق رغبته. التقى الامام. "كان اللقاء اقرب الى دردشة لنحو 20 دقيقة، لا اكثر"، يتذكر متى ("النهار العربي والدولي" - 13 تشرين الثاني 1978).
كانت الجلسة على الارض، على بساط الامام، قربه. ابن الـ 21 عاما سأل يومها هذا الامام ابن الـ 78 عن الثورة وتحدياتها والمستقبل. وكان حريصا، كمحترف عتيق في العمل الصحافي، على ان يثير معه مختلف المسائل الآنية، ومنها اختفاء الامام موسى الصدر ورفيقيه، قبل نحو شهرين ونصف شهر. يومها اجابه الامام: "الصدر محبوب من قسم من شيعة لبنان". وبقيت الاجابة عالقة في ذهن جبران. "علّق كثيرا عليها، وبقي يتساءل: لماذا قسم من الشيعة، وليس جميعهم؟"، يروي متى.
واذا لم يكن جبران كتب تفاصيل الدردشة مع الخميني "لطموحه الى اجراء حديث موسع معه لاحقا"، على قول متى، الا ان اللحظة انطبعت في صورة التقطت للخميني مع جبران ومتى، وبدا جبران ينظر الى الخميني "بشيء من الاعجاب"، وبنداء من الخميني نقله جبران عبر "النهار العربي والدولي" الى كل المسلمين: "ادعموا الثورة الايرانية".

"أسد" في عرين الاسد
الى دمشق. "من خلفية الخصم، وليس الصديق"، اراد جبران لقاء الرئيس الراحل حافظ الاسد. كان ذلك عام 1982، وتحديدا بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان. طلب موعدا مع الاسد، مستعينا بـ "العلاقات الجيدة" التي كانت للصحافي الراحل وديع الحلو بالقيادة السورية، لاتمام الترتيبات. وكانت مقابلة سطّرها التاريخ لخصوصياتها: كانت اول حديث للاسد بعد الاجتياح، خصّه، ليس لاي مطبوعة عربية، انما لـ "النهار العربي والدولي"، "خصم سوريا"، وتحديدا لجبران تويني، المعارض الشرس للسياسات السورية في لبنان. و"منذ ذلك التاريخ، لم يعط الاسد اي صحيفة عربية غير ودودة او غير مؤيدة لسياساته اي مقابلة"، يقول الزميل علي حماده الذي رافق جبران في عدد كبير من مقابلاته.
شبل غسان تويني صار أسداً من زمان. وانطلق الى الصيد كصياد محترف، في مواجهة احد كبار العرب. وكانت غلة الصيد وفيرة. يومها لم يكن تجاوز الـ 25 عاما. "اعتقد ان الاسد اراد من خلال استقبال جبران ان يرسل رسالة تطمين وتودد الى المسيحيين في لبنان، وليس رسالة استعداء"، يقول حماده. وعلى مدى يومين، حضّر جبران المقابلة مع الحلو. وضعا اكثر من 150 سؤالا. وفي دمشق، غربلت الاسئلة، "بحيث خفض عددها الى نحو 60 سؤالا".
بمصافحة وبكثير من الحفاوة والملاطفة، استقبل الاسد جبران. من البداية، ابدى له الرئيس اعجابا كبيرا بعميد "النهار" والده غسان تويني. نحو 7 او 8 ساعات، استغرقت المقابلة. وبسبب طولها، قسمت مرحلتين، بينهما كانت استراحة صغيرة. "شربنا الكثير من القهوة، لا سجائر، انما الغريب ان الاسد لا يغير جلسته"، يتذكر حماده. وتوالت الاسئلة. تردي العلاقات اللبنانية - السورية، الموقف السوري من الاجتياح الاسرائيلي، تحقيق الانسحاب السوري الكامل من لبنان، الخلاف بين سوريا ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، التوازن الاستراتيجي السوري - الاسرائيلي، العلاقات السورية - الاميركية، وحلّ القضية اللبنانية...
وازاء كل ما اثاره جبران من مواضيع، ولم تخل بعض الاسئلة من الاحراج "بقي الاسد ودودا، مبتسما". ومن يجلس مع الاسد لا بد من ان يخرج بانطباع واضح "انه رجل يعجز المرء عن معرفة ما يجول في فكره. عندما يكون جالسا مع محدثيه، لا تعابير في وجهه، انما ابتسامة وود. وقد حاول آنذاك التودد لجبران وكسبه عاطفيا. كان ودودا للغاية معه"، يقول حماده.
وقتها، خرج جبران، رغم خلافه مع السياسات السورية، متأثرا بشخصية الاسد. و"كان يردد اعجابه هذا باستمرار. اعجب بصلابته، بقوة شخصيته، بطريقته في عرض الامور، بذكائه، بحنكته ونظرته الثاقبة". واكتشف ايضا "رجلا استثنائيا، لبقا، لطيفا، يعطي محدثه كامل الوقت، ويحب الاسترسال في المقدمات التاريخية، وشرح وجهة نظره باسهاب".
وفي عرين الاسد، امكن جبران اختبار صلابة جسده الشاب بالمقارنة بالصلابة الجسدية للاسد الذي اشتهر بقدرته على الجلوس ساعات متتالية، والتحدث بلا انقطاع، من دون ان يعدل في جلسته. بالطبع، كان يعرف جبران ذلك، "لكنه لم يكن يدرك مدى صعوبة الامر. تحمّل، لكنه تعب في النهاية"، يقول حماده. في ذلك اليوم "شعر بانه جلس امام كبير من كبار العرب". وكان سعيدا بما حققه. وبعد نشر المقابلة (في 1/11/1982 - "النهار العربي والدولي")، تلقى تويني عبر الحلو رسالة شكر من الاسد. كذلك، اتصل به الناطق الرسمي للرئاسة السورية الراحل جبران كورية من دمشق لينقل اليه شكر الاسد.

ليلة أمَر ابو عمار: أعيدوا جبران
لم يكن جبران يكتفي بعيش الحدث، او متابعته من قريب او بعيد، انما كان يسعى ايضا الى صنعه. "السكوب" الصحافي يعشقه، يحرك حواسه، يغذي النار المشتعلة في داخله، يؤججها، يقولب عالمه، يشعل البريق في عينيه. "ماذا يمكن ان يقول القائد العام للقوات المسلحة الفلسطينية عن بيروت بعدما وزعت قواته على تسع عواصم عربية؟". هذا ما اراد تويني الاجابة عنه. فلحق بياسر عرفات الى عمان، بعد نحو ثلاثة اشهر من خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، على اثر الاجتياح الاسرائيلي عام 1982. وذهب يومها برفقة الزملاء: وليد القزي، نهاد المشنوق، وفؤاد نعيم.
كان الحدث يفرض الحديث. "وعرفات كان دائما حدثا"، بالنسبة الى تويني. اعجابه بشخصيته ما اخفاه يوما عن عارفيه. وكان اللقاء هذه المرة في قصر الضيافة، والساعة تجاوزت "منتصف ليل الاحد (الماضي)" (المقابلة نشرت في العدد 294 من "النهار العربي والدولي" الاثنين 20 - الاحد 26 ك1 1982). لماذا بعد منتصف الليل؟ "لان مواعيد عرفات كانت دائما في هذا الوقت"، يتذكر قزي ناشر مجلة "اراب آد".
ما كُتب يومها واعلن ان الحديث استغرق ثلاث ساعات ونصف ساعة، وانه "كانت هناك مشادة في الربع الاول من الحديث اكثر منه مقابلة صحافية يسأل فيها الصحافي ويجيب الزعيم الفلسطيني"، وان "الفريق الصحافي اللبناني ما امكنه الحفاظ على برودته الصحافية المجردة من دون تبني مواقف لبنانية، وما امكن ابو عمار تجاوز الجراح التي تسببت بها بيروت في الجسم الفلسطيني".
غير ان الذي لم يكتب ولم يُعلن هو ان جبران والرفاق فوجئوا لدى وصولهم بان "الختيار" كان جمع عددا كبيرا من المسؤولين الفلسطينيين حوله "وحصلت المقابلة في حضورهم"، يروي قزي. وكانت المقابلة حامية جدا من اللحظة الاولى، واندلعت "معركة كلامية" شرسة، مستعرة، وتعالت الاصوات، واحتدت النفوس: اسئلة من جبران رُشّت كالرصاص، ومواقف من عرفات عسكت "عدائية كبيرة".
وكان القرار. جبران والرفاق اوقفوا التسجيل بعد قليل، رافضين اكمال المقابلة، وآثروا المغادرة، منطلقين الى المطار. ويقول قزي: "رفضنا الجو الذي واجهنا به عرفات، وغادرنا بالطبع مستائين، بسبب الموقف الهجومي الذي بادلنا به. نحن صحافيون، وقد اتينا لنطرح اسئلة. واذ بنا نفاجأ بجو عدائي جدا ضدنا".
وما حصل لاحقا لم يكن في الحسبان. فما ان ابتعد جبران وقزي في السيارة التي كانت تقلهما الى المطار، حتى فوجئا بسيارة "بيجو 505" تقطع عليهما الطريق. كان ركابها مرسلين من عرفات، والاوامر التي اعطيت اليهم واضحة: اعيدوهما الى القصر. "بالطبع، اعادونا الى القصر لمتابعة الحديث. وعدنا مضطرين. وحصل لاحقا لقاء عاطفي، وبرّر عرفات ما حصل بانه لم يكن مقصودا. و"روقنا" الجو، واكملنا المقابلة. لكنها بقيت حامية الى حد كبير". وحتى النهاية، ابى جبران ان يدع عرفات "يزورب" في الاجوبة، او يفلت منه بلا مواجهة شرسة. وابى ابو عمار إلا ان يدافع بكل ما لديه من اسلحة.
وبقي عرفات يشد جبران، كأن ثمة انجذابا تلقائيا بينهما لا تقدر عليه المسافات والاعوام. وبعد عمان، كانت مقابلتان اخريان في حمام الشط في تونس (احداهما في 2/9/1984)، حيث استقبل عرفات جبران في غرفته الصغيرة التي كان يعيش فيها ويعمل ويدير منها الشؤون الفلسطينية. وضمّت ايضا سريره الحديد الذي كان ينام عليه. وكالعادة، كان الموعد بعد منتصف الليل، "والاجواء حبية". "ليلتها، تروقنا معه في الثالثة والنصف فجرا. كان عرفات يحب تناول البطيخ والجبنة والفول في الثانية والنصف فجرا. واكلنا يومها معه الجبنة والفول المدمس المطحون"، يتذكر قزي ضاحكا.
والتقيا مجددا، جبران وعرفات، مرة اخيرة في دافوس-سويسرا، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في اوائل شباط 1997. يومها، "امسك عرفات بيد جبران واخذ يقبلها. وكانت مقابلة اخيرة("النهار"- 3 شباط 1997)"، يتذكر حمادة. القبل ما وفرها عرفات تجاه جبران، ولطالما ابدى ودا خاصا له عبر "تقبيله على خده والامساك بيده بعطف ومحبة". وكان جبران لا يزال يبادله الاعجاب والود.

"قال لنا الملك"
كل المهمات، ولا سيما المغمسة بالتحديات، كانت تستهوي جبران. وكان همّ استعادة "النهار" المكانة التي كانت لها قبل الحرب، خصوصا عربيا، محركه المفضل، وموجهاً لبوصلته. وعندما علم باقتراح رئيس تحرير "النهار" آنذاك الصحافي الراحل ميشال ابو جودة ورئيس قسم السياسة العربية والدولية آنذاك خير الله خير الله مقابلة الملك الاردني (الراحل) حسين تحقيقا للطموح المنشود لـ"النهار"، تحمس وانضم الى الرجلين مع الزميل غسان شربل. "اعتقدنا وقتها ان البلاد تروق، وان هناك امكانا لان تستعيد "النهار" مكانتها العربية الرائدة التي كانت لها قبل الحرب. وكانت هذه الفكرة التي قادت الى المقابلة"، يتذكر خيرالله.
كان الخميس 5 ايار 1983. المكان: المنزل الصغير للملك، قرب الديوان الملكي. "كان اللقاء وديا". وكانت هناك تطورات مهمة في المنطقة، استوجبت اللقاء: انتكاسة المحادثات الاردنية- الفلسطينية وتجدد المبادرة الاميركية بايفاد وزير الخارجية الاميركي آنذاك جورج شولتز لانقاذ مشروع ريغان... و"على مدى ساعة، شرح لنا الملك حسين الوضع في المنطقة كما يراه. كان قلقا، وبدا عليه انه ليس شديد الحماسة للادلاء بتصريحات في المرحلة الحاضرة... والانطباع عنه انه واقعي، لكنه حذر"، كتب جبران في "النهار العربي والدولي" في عددها 314 الصادر الاثنين 9 - الاحد 15 ايار 1983.
جلس الملك حسين في مقعده، على مقربة منه ابو جودة، فجبران، فخيرالله، ثم شربل. "يومها، ركز جبران اسئلته على مسألة تحييد لبنان"، يروي خيرالله. و"كان الملك ديبلوماسياً في اجابته، ولم يرد اعلان موقف من المسألة". قال يومها لجبران: "الامر ليس مطروحا في الوقت الحاضر". وكانت جولة افق حول الوضع في لبنان والمنطقة العربية. وعنون جبران المقابلة: "قال لنا الملك حسين: الويل للمنطقة اذا فشلت اميركا!".
وكانت طريق العودة في طائرة خاصة استأجرها جبران للرفاق كي يؤمن عودتهم بسرعة الى بيروت. "مثل العادة كان عمليا". وكان نجاح المهمة يدغدغ مخيلته. لكن سرعان ما اعادت الاحداث المتتالية في لبنان الحالمين بغد افضل الى ارض الواقع. "سمعنا عن مشكلات في الجبل. وشاهدنا من الطائرة، عند الهبوط، دخانا يتصاعد في الجبل والشويفات". وكان لا بد للاحلام من الانتظار عند عتبة التاريخ.

"بلا مصيبة" في خيمة معمر
لكن جبران ما كان لينتظر طويلا. وبقي مصمما، رغم تردي الاوضاع، على اعادة وضع "النهار" و"النهار العربي والدولي" على الخريطة العربية والعالمية عبر اقامة علاقات شخصية ومقابلات مهمة، مقتنصا الظروف والمناسبات لقطف الحدث، مجارياً الرياح، الى حيثما حملته.
وهذه المرة، كانت وجهته ليبيا، حيث كانت الانظار مشدودة، على اثر "اجواء حملت على الاعتقاد ان ضربة ستوجه اليها، في اعقاب تفجير ملهى "لابيل" في برلين. وفي ظلها، تفاعل النشاط الصحافي الليبي في العالم العربي"، يتذكر الصحافي عبد الوهاب بدرخان. وفي هذا الاطار، دُبِّر لجبران وعدد من الرفاق موعد مع الزعيم الليبي معمر القذافي.
الجمعة 17 كانون الثاني عام 1986، وصل جبران والرفاق بدرخان ووديع الحلو ونبيل براكس الى طرابلس. "قبل 72 ساعة تقرر الموعد مع القذافي". لكن الموعد لم يكن معلوماً، مما عنى انتظار جبران والرفاق في فندق باب البحر الفرج بشيء من "العن". ومضى الجمعة، ثم السبت، وكان شبح الامام موسى الصدر ورفيقيه الذين اتهمت ليبيا بتصفيتهم ملازما لهم. "اوعا نزعل القذافي، كي لا يكون مصيرنا كمصير الصدر"، كان جبران يردد من وقت لآخر امام عدد من عارفيه مازحا.
تنصت؟ مراقبة؟ انتظار؟ قلق على السلامة؟ مماطلة مقصودة؟ كأن شيئا من المغامرات الجاسوسية كان في المهمة. فعندما دخل جبران الى غرفته، حرص على ابقاء التلفزيون دائرا على محطة تبث "َوِشششش". ويتذكر بدرخان انه "كان هناك اعتقاد، وربما كان صحيحا، ان الجماعة يتنصتون، بدليل ان احد مرافقينا الليبيين كان يقصد فجأة غرفة جبران. وعندما كان يرى التلفزيون "يوش"، كان يسأل جبران اطفاءه. ورغم محاولات عدة لاطفاء التلفزيون، الا ان جبران كان يعرف كيف يبرر ويبقيه مشتعلا: "نسيناه، التهينا بالحكي". وما كاد ان يخرج المرافق، حتى كان جبران يعيد التلفزيون الى "الوششش".
وفي الانتظار، امكن جبران ومرافقيه القيام بامرين: متابعة اخبار بيروت التي كانت تعايش توقيع الاتفاق الثلاثي بصعوبة، وكانت تصل تباعا عبر اتصالات هاتفية يتلقاها جبران في غرفته. والقيام بجولة في السوق، امكن توسيعها بشيء من الحيلة، "مع انه كان يبدو ان الليبيين لم يكونوا يحبون ذلك". وهناك، في السوق، ابلغ الجميع ان المقابلة مع العقيد "قريبة جدا".
وبالفعل، كانت في اليوم التالي، الاحد، "في الخيمة الشهيرة" في ثكنة العزيزية. "عند الوصول، كان القذافي يودع ابو موسى وبعض اركان القيادة الفلسطينية المنشقة. فبادرنا بالكلام على المسيحية في الشرق. وبما ان هناك تباينا بين وجهة نظر العقيد حول القضية اللبنانية والمسيحية في الشرق، قرر الفريق ان يدور الكلام على موضوع الساعة، الا وهو الصراع الاميركي- الليبي..."، على ما كشفته مقدمة المقابلة ("النهار العربي والدولي"- الاثنين 20- الاحد 26 كانون الثاني 1986).
وتحضر الى ذهن بدرخان صورة "القذافي وهو يدخل علينا، مصافحا. ثم بدأ يتكلم وحده على اميركا والعالم العربي بطريقة تهكمية". وكانت ساعتان من الكلام. و"كان معمر هادئا"، احاط به جبران وبدرخان من اليسار، والحلو وبراكس من اليمين. وتوالت الاسئلة. غير ان سؤالين لهما علاقة بالوضع الداخلي الليبي، لم يرغب العقيد في الاجابة عنهما، "لانهما لم يكونا في لائحة الاسئلة التي كانت ارسلت اليه مسبقا"، يروي بدرخان. "خرجت مرتين عن الجو. وبعد السؤال الثاني الذي بدا انه لم يعجب العقيد، دخل احد اعوانه الى الخيمة. وفيما كان يهمس شيئا ما في اذنه، قال لي جبران: "شو بدك فيه. بلا ما تعمل النا مصيبة". فسكتُ، واكمل جبران المقابلة".
جبران كان "سعيدا بتحقيق السكوب". لكنه لم يكن يتوقع ان "يكون القذافي جامدا الى هذا الحد، والا يكون يتمتع بحس فكاهة". يقول بدرخان: "ولا لحظة تبادل معنا القذافي كلاما آخر، او اراد ان يفتح معنا حديثا آخر. كان ينظر الينا لمحة، عند طرح سؤال عليه، قبل ان يشيح بنظره الى مدخل الخيمة، ويسرح به بعيدا". لحظة اخرى سطّرت المقابلة: القذافي توسط جبران والرفاق امام الخيمة في الخارج لالتقاط صورة جامعة. وكانت ابتسامات تعلو الوجوه.

عند "مولانا" ووزراء عرب
ابتداء من عام 1995، حزم جبران حقيبته، وفي جيبه خريطة مهماته الصحافية الجديدة. السودان، اليمن، قطر، البحرين، الكويت، اوكرانيا، الاكوادور، القاهرة، المجر... وكانت في جعبته لائحة طويلة باسماء رؤساء دول وقادة عرب واجانب كتبها. "كالسندباد"، كان لا يهدأ، محققا هدفيه: اولا اعادة وهج "النهار" في المحيط الاقليمي، ليتمدد الى ارجاء العالم، وفتح الباب على شخصيات اجنبية سياسية بارزة، ربما لم تكن من اولى اهتمامات اللبنانيين، الا انها كانت في صلب عينيه، وتشده الى اللقاء. وثانيا فتح الصفحتين العربية والعالمية، بكل وجوهها وقضاياها ومشاكلها.
وكان في طليعة هذه الشخصيات الدكتور حسن عبدالله الترابي مؤسس "المؤتمر الشعبي العربي الاسلامي". في الخرطوم-السودان، كانت المقابلة في الصالة الكبرى لمقر المؤتمر. من الحالة الاسلامية، الحوار مع الغرب والسلام في المنطقة، انطلقت اسئلة جبران (النهار"-3/11/1995). "كان الترابي يمثل خطا اسلاميا. واراد جبران استفزازه في موضوع التطرف الاسلامي"، يتذكر حمادة. وردّ الترابي "على الاتهامات التي تساق ضد المؤتمر الذي تخطى دوره السودان والمنطقة العربية، من دون ان ينفي سعي هذه المؤسسة الى ان تكون المرجعية الاسلامية الابرز في العالم".
كالعادة، كان بعض الاسئلة "حادا"، وطال مواضيع "حارة". غير ان "الترابي استوعبها، ولم تكن لديه اي مشكلة في الاجابة عنها. كان ودودا. وكانت الجلسة لطيفة"، يتذكر الزميل امين قمورية. يومها، فنّد جبران مع "مولانا" كما دعاه، ماهية فكره وطموحاته، المؤتمر وتوجهاته الاسلامية، الحوار الاسلامي- الاسلامي، التطرف الاسلامي، ايران، والعلاقة بالغرب، الحوار الاسلامي- المسيحي. وخرج يومها من المقابلة بانطباع ان "الترابي شخصية استثنائية تاريخية، فريدة، ذات ذكاء خارق".
عندما ذهب جبران الى السودان، كان على اجندته طرح القضية السودانية مع مختلف افرقائها المعنيين. "كان تحديد الموعد مع الترابي سهلا، غير ان الامر اختلف قليلا مع الرئيس السوداني عمر حسن البشير، اذ تبين ان الموعد يتطلب اجراءات"، يروي قمورية. "غير ان الامور سُرِّعت يومها، بما عكس تقديرا سودانيا لـ"النهار"، وخصوصا جبران".
وبعدما خصص اليوم الاول لحديث الترابي، كان اليوم الثاني مع الرئيس البشير. "كان اللقاء رسميا اكثر، هادئا"، يقول قمورية. في القصر الجمهوري، جمع الرئيس السوداني حوله عددا من الوزراء والنواب والشخصيات السياسية والعسكرية المرموقة لمتابعة الحديث مع جبران. "كان لطيفا"، يروي قمورية. وجبران كان "هادئا ايضا".
وتحضر مواقف طريفة من تلك الجلسة. فعندما طلب جبران، قبل بداية الحديث، الاذن من البشير بوضع بعض الماكياج على وجهه، لضرورات التصوير، (كون الحديث كان مصورا عبر مصور من "المؤسسة اللبنانية للارسال" التي بثت المقابلتين في وقت لاحق)، ما كان من البشير الا ان نظر الى جبران بابتسامة استغراب، ثم سرعان ما عاد ان قبل. وعندما انطلق الحديث، تبين ان ثمة عرقلة في التصوير بسبب عطل ما. غير ان البشير ابدى صبرا، و"انتظر"، قبل ان تنطلق الامور مجددا.
ومن الشخصيات العربية البارزة التي قرع بابها جبران، النائب الاول لرئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني آنذاك الدكتور عبد الكريم الارياني ("النهار"- 10/1/1996). وطار جبران الى صنعاء، كمشارك في مؤتمر نظمته منظمة الامم المتحدة حول الحريات الصحافية. لكن كانت على اجندته مهمة خاصة: مقابلات وزارء يمنيين عديدين، وابرزهم رجل "غير اعتيادي، عتيق في الديبلوماسية"، نصحه به والده غسان تويني. "لا يسعك ان تذهب الى اليمن ولا تقابل الارياني، لانه غير اعتيادي"، قال له يومها. وكان الارياني صديق غسان.
"قصير القامة، ضعيف، طويل البال، كثير الحركة، مبتسم، ديبلوماسي الى ابعد الحدود، متواضع، مثقف، سريع الخاطر، يعتمد الدقة". بهذه الكلمات وصف جبران الارياني. كان اللقاء في وزارة الخارجية اليمنية، في مكتب الوزير. وكانت ساعة من الوقت كثّف خلالها جبران اسئلته: قضية احتلال اريتريا لجزيرة حنيش، الوساطات حولها، قضية الحدود مع السعودية، ومشاركة اليمن في مؤتمر قمة الشرق الاوسط وشمال افريقيا الاقتصادية في عمان. "واجاب الارياني بصراحة".

قطر: وصول شاب الى الحكم
قطر. 3 او 4 مرات في السنة، كان جبران يقصدها للقاءات ومسؤولين قطريين. وكان يتابع من كثب التطورات السياسية والتغيرات في تلك البلاد. و"وصول شاب الى الحكم" في دولة عربية كان يستهويه، يدغدغ احلامه في التغيير. وذلك الشاب الذي اعجب به جبران كان وزير الخارجية القطري آنذاك الشيخ حمد بن جبر آل ثاني (رئيس الوزراء الحالي) "الذي غيّر في شكل او في آخر النهج المعتمد في الخليج، لا بل في العالم العربي"، على ما كتب ("النهار" 18/1/1996).
وكانت يومها "جلسة ممتعة مع الشيخ حمد" في وزارة الخارجية في الدوحة، "مختلفة حقا عن اي جلسة مع اي وزير عربي آخر. انه شاب يتكلم بلغة الشباب وعقله". والشباب هم نقطة ضعف جبران. وكان سؤال وجواب عن العالم العربي والخلافات مع السعودية وحرية الاعلام والعلاقة باسرائيل والشباب العرب. ولم يخف جبران اعجابه بالوزير الشاب "الواقعي والصريح والذي يسمي الاشياء باسمائها". وكانت صداقة بين الرجلين.

من البرد الى الحر
والحماسة هي التي قادت جبران بعد اقل من شهر الى اوكرانيا، الى مقابلة الرئيس الاوكراني آنذاك "الشاب" ليونيد كوتشما في كييف. "لم لا اعرّف بها العالم العربي ولبنان؟"، قال يومها لاحد عارفيه. الفكرة جاءت بالمصادفة، في ضوء حديث جمعه برجل اعمال لبناني يعرف جيدا اوكرانيا ويتمتع بعلاقات بمسؤولين اوكرانيين. "عرف جبران ان اوكرانيا لا تهم العرب، ولا الصحافة العربية او اللبنانية. لكنه تحمس لسببين، الاول ان اوكرانيا مجهولة في العالم العربي، رغم انها دولة كبيرة، والآخر اهميتها كدولة تعتبر ثالث قوة نووية في العالم. كان يحب التحدي"، يقول حمادة.
"لماذا اوكرانيا؟ لان وضعها، ربما اغرب وضع لدولة فتية تناضل من اجل تثبيت استقلال نالته للمرة الاولى في تاريخها، ولانها ثالث قوة نووية في العالم، ولان تاريخها الثقافي والديني عريق جدا حيث ولدت الكنيسة الارثوذكسية الروسية، ولانها اليوم ساحة تتسابق اليها الرساميل الاجنبية للاستثمار، ولان من الممكن ان تقوم بينها وبين لبنان والعالم العربي علاقات ثقافية واقتصادية تتطور بسرعة، ولان اوكرانيا من اكبر الدول واقواها رغم انها الاصغر عمرا في الاستقلال...". هكذا عرض جبران حيثيات مقابلته كوتشما ("النهار"- 23/2/1996). ولمزيد من التوطئة، كان ذلك عشية سفره "الى واشنطن لمواصلة المفاوضات حول نزع السلاح النووي وتثبيت حياد اوكرانيا واستقلال سياستها".
"وكان ثلج وبرد كثير". ودخل جبران "قصرا باردا، ضخما، مبنيا على الطراز الشيوعي"، يتذكر حمادة. وبما يثبت المامه بالشؤون الاوكرانية- الروسية، شملت اسئلته كل شيء تقريبا: الاصلاحات السياسية، العلاقة بين السلطات، تشغيل محطة تشيرنوبيل النووية، اسطول البحر الاسود، قضية جزيرة القرم، الاحزاب والاعلام في اوكرانيا، ربط جمهوريات الاتحاد السوفياتي، والسلام في الشرق الاوسط، والعلاقة بلبنان.
في تلك الرحلة، روى جبران غليله من اوكرانيا، سياسيا وثقافيا. "زرنا يومها العديد من الوزارات ومسؤولين في مجلس النواب. كذلك، شملت جولتنا منطقة "اللافرا" الشهيرة، حيث تجمع لكنائس ارثوذكسية قديمة داخل اسوار ومقابر للرهبان، لا يمكن الوصول اليها الا عبر سراديب طويلة. وكانت هذه الجولة الارثوذكسية مهمة لجبران كارثوذكسي"، يروي حمادة.
وبعد البرد، عاد جبران الى الحر الخليجي. البحرين "منطقة ساخنة" كانت كفيلة بتحريك "الغرائز الصحافية" لجبران. "خيبة صحافية عندما تنتقل من المطار الى الفندق، مرورا بمنطقة الشيراتون، حيث احترقت بعض المتاجر قبل ساعات من وصولنا. ولا ترى اي اثر للاجواء التي تعودناها ايام الحرب في لبنان..." ("النهار"- 14/4/1996). في نيسان 1996، كانت البحرين تعيش احداثا داخلية مقلقة. ولم يسع جبران البقاء بعيدا. المغامرة تعاش عن كثب، بالنسبة اليه.
كان همّ جبران "الحدث، والتفاعل على اساسه مع قادة كبار عرب متمرسين في العمل السياسي". وكانت لدى وزير الخارجية البحريني آنذاك محمد بن مبارك آل خليفة (نائب رئيس مجلس الوزراء الحالي)، "احد المع وزراء الخارجية العرب واقدمهم"، على ما كتب، اجوبة عن اسئلته. "والوزير صارحنا بكل شيء": ما يحصل في البحرين، محاولات زعزعة الوضع الداخلي، الجهات الخارجية المعنية... يومها، سأل جبران الكثير، وقيل له الكثير. "كان يشعر بانه يتعلم من امثال محمد بن مبارك".

في الاكوادور... مرتين
وكان جبران يبدي سعادة كبيرة ازاء كل مقابلة تضع "النهار" في الضوء. عندما توجه الى الاكوادور، مرتين في العام نفسه، وبفارق اربعة اشهر، لمقابلة جميل معوض (اللبناني الاصل)، مرشحا للرئاسة الاكوادورية، ثم رئيسا منتخبا، حمل جريدته الى ابعد ما يمكن،. الى القارة الاميركية.
عندما أُخبر جبران عن معوض، تحمس لفكرة دعمه ومساعدته، كونه لبنانيا. "كان سعيدا. وكان لديه ضعف تجاه اي لبناني يتبوأ مناصب عالية في العالم، او يحقق نجاحات في الخارج. كان يعتبر انه مكسب للبنان"، يقول حمادة. "وامّن له جبران مساعدات مالية، ودعما معنويا من علاقاته في الدول العربية".
كانت الاكوادور بعيدة، وتحمّل جبران مشقات السفر اليها مرتين. 28/4/1998 و18/8/1998 تاريخان في موعدين: الاول مع المرشح معوض، والثاني مع الرئيس معوض. وفي المقابلتين، تشويق، ووصف، واسئلة شملت مختلف المواضيع، ومعاينة الواقع على الارض ونقله، تماما كما طمح اليه جبران. "لقد اعجب جبران بمعوض، واراد ان يعطيه من ذاته، وقدم اليه نصائح، ليس كصحافي فحسب، انما ايضا كسياسي، كي يربح"، تتذكر مستشارة الشؤون الخارجية للنائب سعد الحريري الزميلة آمال مدللي.
عندما التقى جبران معوض كمرشح في المرة الاولى، عرض معه افكارا والتجربة اللبنانية، وخبراته في العمل الصحافي والسياسي، "كي يكون معوض فاعلا ويحقق الفوز المرجو". وفي المرة الثانية، عندما التقى جبران معوض كرئيس، "كان فخورا بهذا اللبناني الذي حقق نجاحا في بلاد الاغتراب". يومها اهداه شجرة آل معوض. "اراد تذكيره بجذوره اللبنانية، وبالبلاد التي اتى منها"، تقول مدللي.

في طائرة صغيرة... حتى القاهرة
وكان الطموح والعشق نفسهما اللذان حملا جبران عام 2002 على اتخاذ قرار سريع باستئجار طائرة خاصة، بعدما استحال السفر في طائرة عادية، للذهاب والزميل راجح الخوري، لمقابلة الرئيس المصري حسني مبارك في القاهرة، عشية القمة العربية.
كان الموعد مع مبارك تحدد في ساعة متأخرة من ليل 24/3/2002، بعد اتصالات مكثفة اجراها خوري. ويقول: "كان جبران يعرف اهمية نشر "النهار" حديثا مع مبارك عشية القمة. وكان مطمئنا دائما الى اتمام المهمة. نتلاقى في الصباح، ونتوجه الى القاهرة، قال لي ليلتها". وفي اليوم التالي، التقيا في الجريدة، "واعلمني جبران انه وفّر طائرة خاصة". ولم تكن تتسع الا لاربعة ركاب. ولبّت المهمة على اكمل وجه.
بعد الوصول الى مطار القاهرة، توجه جبران وخوري على الفور الى لقاء مبارك في مقره. "استقبلنا استقبالا جيدا. كان يعرف جيدا ما "النهار" ومن هو جبران... وكان يريد ان يتكلم قبل القمة، مدركا ان منبر "النهار" سيخدمه"، يروي خوري. وبدأ جبران يسأل، ثم خوري. لأكثر من ساعة. و"استنزف" الرجلان ما كان لديهما من اسئلة، قبل ان يعودا في اليوم نفسه الى بيروت لاعداد المقابلة للنشر.
كالعادة غمرت السعادة جبران. "احس باننا نقوم بعمل صحافي حقيقي. كان سعيدا ومتحمسا". ويوم افتتاح القمة، صدرت مانشيت "النهار" معلنة المقابلة (26/3/2002). و"كان "بوم" كبير.. كانت المقابلة لا تنسى. ومنذ ذاك الوقت، نشأت علاقة وثيقة بين جبران والسفراء المصريين الذين تعاقبوا في لبنان".

"تواطؤ" في الكويت واعجاب بالمجر
عبر الاعوام، رسّخ جبران علاقات جيدة بعدد من القادة والمسؤولين العرب. رئيس مجلس الوزراء الكويتي آنذاك الشيخ صباح الاحمد الصباح (امير الكويت الحالي)، كان احدهم. وما كان جبران ليوفر مقابلة معه. "اللقاء مع الشيخ مليء دائما بالحكمة، شائق وعميق"، كتب جبران ("النهار"- 21/1/2004). بين الرجلين كان ثمة "تواطؤ" واعجاب متبادل. وجبران لا يخفي ذلك في المقابلة.
كان جبران يتردد الى الكويت نحو 3 مرات سنويا، للقاء "ابي ناصر"، كما كما يسميه جبران تحببا. "وكان ابو ناصر يحب التشاور مع جبران والاستماع الى آرائه حول الوضع اللبناني. وكان يستقبله استقبالا خاصا، كصديق"، يروي حمادة. وشمل يومها الحوار مع الشيخ هموم الكويت، الوضع العربي بعد حرب العراق، الاصلاحات في الشرق العربي، الوضع الفلسطيني، اسرائيل، ولبنان. يومها قال الشيخ لجبران: "على العرب استخدام عقولهم... واتمنى ان يتحد اللبنانيون". اما جبران، فخرج باكثر بكثير.
حتى النهاية، ما قدرت السياسة، رغم انغماسه فيها، على ابعاد جبران عن العمل الصحافي، ولاسيما عن شغفه الاول، اجراء المقابلات. وكانت مقابلة اخرى مع الرئيس المجري آنذاك فيرنس مادل ("النهار" - 16/3/2004) في بودابست. وبها سطّر جبران، على ما شاءته الظروف، ومن دون ان يدري، مسيرة طويلة من المقابلات مع شخصيات سياسية عالمية، قبل غيابه الكبير في 12/12/2005.
"نعم، اعجب جبران بالرئيس، كما اعجب كثيرا بالمجر وبتراثها الثقافي والفني"، يخبر سكرتير التحرير في جريدة "لوريان لو جور" مديرها المسؤول ميشال توما. وكان حوار "جميل، هادىء"، استبق زيارة مادل للبنان. وركز فيه جبران اسئلته على العلاقة بين لبنان والمجر، الوضع الداخلي المجري والتطلعات المستقبلية. يومها، اخذ مادل جبران وتوما في جولة في القصر الرئاسي، مخبرا عن تاريخه وتراثه. "وبناء على طلبه، التقطت لنا معه صورة في القصر"، يروي توما. وكان جبران راضيا. كان يحلم بالمستقبل، بالربيع الآتي.

تظاهرة اطفال وطلّة آسرة

شكّل مشهد عشرات الاولاد الفقراء والمتروكين في شوارع الخرطوم صدمة كبيرة لجبران تويني، وصعب عليه المرور قربهم بلامبالاة. «فما كان منه الا ان بادر الى سحب مال من المصرف، واخذ يوزعه على كل من وقع عليه نظره»، يروي الزميل امين قمورية.
وازاء ذلك، تجمع حوله العشرات وانطلقوا وراءه، «كأنهم في تظاهرة». ولم يتوانَ بعضهم عن اللحاق به حتى الفندق الذي كان ينزل فيه... «وقبع هناك في انتظاره».
ولم يخف هذا الاهتمام بالفقراء والمعوزين ايضا عندما زار الاكوادور مرتين عام 1998. فليلة دعاه الرئيس الاكوادوري آنذاك جميل معوض الى احتفال اقامه في مناسبة فوزه برئاسة الجمهورية، "فوجىء جبران برؤية نحو 40 او 50 مشردا يفترشون الارض، وبعضهم مخمور قرب مدخل القصر"، تتذكر الزميلة آمال مدللي. "لم يقدر على كبت مشاعره. تأثر بما شاهده. وما ان التقى معوض، حتى اثار معه الامر. وفعل الامر نفسه، لدى التقائه ليلتها مسؤولين محليين، محاولا حضّهم على العمل لمساعدتهم".
غير ان الوضع اختلف عندما كان في اوكرانيا. هناك، نزل جبران مع عدد من الزملاء في "النهار" الى السوق للتجول. "يومها، لاحظنا ان الانظار انشدت الى طلته في شكل لافت"، يروي قمورية. "كانت نساء ينظرن اليه باعجاب"، ولاحقنه بنظرات مندهشة طوال سيره في السوق.

بين الحرية والعلاقات

حاول جبران تويني التوفيق بين الحرية التي حرص زملاء في "النهار" على التمتع بها في نقدهم مواقف عربية وبين علاقاته العربية. ويتذكر الزميل امين قمورية ان "العلاقات القوية التي كان جبران يتمتع بها في عدد من الدول العربية، ومنها قطر، سمحت له بتدبير زيارة خاصة لي للقاعدة العسكرية الاميركية في العيديد". يومها كتب قمورية تقريرا انتقد فيه استقبال قطر هذه القاعدة على اراضيها.
وشاءت الظروف ان نشرت "النهار" المقالة في اليوم نفسه الذي كان فيه جبران على موعد، بعد ساعات قليلة، مع مسؤول قطري كبير. "دخلت عليه صباحا، وكانت "النهار" بين يديه، يقرأ المقالة". ادرك جيدا قمورية حراجة موقف جبران. "من جهة، المقالة تضمنت انتقادا قاسيا، ومن جهة اخرى كان جبران على علاقة جيدة بمسؤولين قطريين، واحدهم كان سيلتقيه بعد قليل". يومها، "لم يعلّق جبران بشيء"، وذهب الى الموعد، متسلحا بالجرأة وبايمانه بحرية الكلمة، وبالعمل الصحافي الحر.

نطحة من جاموس ووعكة في كيتو

نجا جبران تويني من الموت باعجوبة خلال وجوده في السودان في تشرين الثاني 1995.
ويروي الزميل أمين قمورية ان "جبران فوجىء، خلال تجوله في حديقة للحيوانات، بجاموس كبير يهجم عليه، ناطحا بقوة الحاجز الخشبي الذي كان يفصله عنه، وكاد ان يكسره، لولا تدخل العناية الالهية".
وبعد "نقزة" قوية هزّته، ما كان من جبران الا ان ضحك، واكمل جولته... كأن شيئا لم يكن.
وعندما كان في الاكوادور، اصيب جبران بوعكة صحية، اضطرته الى "تفويت" زيارة للامازون. وتروي مستشارة الشؤون الخارجية للنائب سعد الحريري الزميلة آمال مدللي ان "كيتو حيث كنا يومها عام 1998، وهي العاصمة التي تقبع في قمم الانديز، منطقة عالية جدا عن سطح البحر. وهذا الارتفاع قد يكون مزعجا صحياً بالنسبة الى بعضهم". يومها شعر جبران "بالتعب والضيق". وادى وضعه هذا الى اتخاذه قرارا بإلغاء رحلة الى الامازون، "مع انه كان يود كثيرا الذهاب، لكنه ما استطاع".

hala.homsi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard