ماذا يحصل في الضاحية في عيد الميلاد؟

20 كانون الأول 2014 | 09:45

المصدر: "النهار"

في لبنان، بلد الثماني عشرة طائفة، يتقاتل الناس على الزعيم والدين، وتحديد الأبطال والعملاء، ومفهومي الخيانة والشرف، وعلى مبدأي الاستقلاليّة والتعبيّة؛ بلد يتظاهر فيه المسيحي من أجل مسيحيّي العراق ولا يدافع عن ابن الجنوب الذي اضطهدته اسرائيل؛ وينزل فيه المسلم إلى الأشرفية فيخرّب شوارعها ويكسّر كنائسها منتقمًا من مسيحيّيها، لأن الدنمارك تعرّضت لنبي الإسلام.

هذه صورة لبنان النمطيّة التي اعتدنا رؤيتها أو السماع عنها، لكن في لبنان صورًا جميلة أخرى. لا نتحدّث هنا عن جبال الأرز الشامخة التي قُطع أغلبها وحوّل إلى حطب للشتاء؛ ولا عن البحر الأزرق الذي تحوّل بنيًا بفعل التلوث والأوساخ؛ ولا عن صنين الأبيض ولا جبيل الخالدة ولا بعلبك الآبية؛ بل عن ميرنا عبدالله ياغي الشيعيّة ابنة عيناتا الجنوبيّة المقيمة في الضاحية، والتي تنتظر عيد ميلاد يسوع المسيح لتحتفل به مع المسيحيين.

يسوع نبيّنا أيضًا
تزوّجت ميرنا من محمد ياغي، الشيعي ابن البقاع، وسكنت معه في الصفير على حدود الضاحية، وأنجبت منه ثلاث بنات رين (13 عامًا) وروى (9 سنوات)، وريف (سنة واحدة). عاشت ميرنا تفاصيل الحرب اللبنانيّة، وشاهدت القتل على الهوية، ورأت الموت مرات عدّة قبل أن يتركها حاصدًا أرواحًا أخرى، رأت تفاصيل موجعة ومخيفة جعلتها تتمسّك بفكرة وضرورة تجذير العيش المشترك، على مبدأ الحفاظ على الخصوصيّة الذاتيّة واحترام الآخر.

ميلاد يسوع المسيح هو عيد للمسلمين أيضًا، هكذا تستهل ميرنا حديثها لـ"النهار": "هناك اعتراف في القرآن بمولد يسوع. إنّه ابن الله لدى المسيحيين، والنبي الذي بشّر بالنبي محمد لدى المسلمين. قد يكون هناك اختلاف بين الدينين، ولكن ذلك لا ينفي أن عيسى (يسوع المسيح) نبي يعترف الإسلام به ويذكره في القرآن. لقد اعتدت منذ صغري على الاحتفال بعيد الميلاد، ونوليه أهميّة كبيرة، فتجتمع العائلة خلاله، إنها عادة في عائلتنا. لا يوجد تمييز لديّ، قبل أن أتحجّب كنت أحتفل بعيد الميلاد، وبعدما تحجّبت حافظت على هذه العادة، ولم تتغيّر عقيدتي وقناعتي".

من عائلتها إلى بيتها
على عكس عائلتها لم تكن عائلة زوجها تحتفل بعيد الميلاد، لكن ميرنا نقلت هذه العادة إلى بيتها من دون أي معاناة، وتقول: "لم تكن الفكرة غريبة على زوجي، ولو أنه لم يعتد الاحتفال بهذا العيد. كان الأمر طبيعيًا، ولم نتناقش به، فهو ليس متعصّبًا. بناتي يُحببن هذه الأجواء، ويتعلمن في مدارس مسيحيّة، ابنتي الكبرى تتعلّم الدين المسيحي في المدرسة، ولكنها واعية وتفهم أنها مسلمة، ولكن هذه ثقافة وعليها أن تطلع عليها، عليها أن تعرف عن دينها ودين الآخرين، هذا هو الصح، لكي تعرف كيف تعيش مع الآخرين وتحترمهم".

الناس طيّبون لكن...
تبدأ ميرنا التحضير لعيد الميلاد منذ بداية شهر كانون الأوّل (ديسمبر)، تذهب إلى السوق لتختار الزينة الرائجة، ولكنها تفضّل الأحمر كونه الأكثر تعبيرًا ورمزيّة عن العيد، وتتابع: "أحبّ زينة الميلاد، وأغيرّها من فترة إلى أخرى، نضع الشجرة في المنزل وتحتها المغارة، الرمز الأساسي للميلاد. في هذا الوقت تكتب الفتيات رسائلهن لبابا نويل، ويطلبن الهدايا التي يردنها، ولكنهم يعلمون أنني أنا من يجلب الهدايا. ثمّ نحتفل ليلة الرابع والعشرين من كانون الأوّل، أحيانًا أعدّ عشاء العيد في المنزل وأحيانًا أخرى نحتفل خارجه. نعيش أجواء العيد مثل المسيحيين أو أقل بقليل".

في صغرها، كانت ميرنا تحتفل بعيد البربارة أيضًا، تتنكر وتدور مع رفاقها المسيحيين على البيوت. تستذكر: "لقد ربينا وعشنا معًا، أهلي كانوا يحتفلون بأعياد المسيحيين، وجيراننا كانوا يحتفلون بأعيادنا أيضًا. لقد كبرت في بيئة مختلطة، كنا نعيش في منطقة الحدث خلال الحرب اللبنانيّة، وعلى الرغم من حالة الانقسام العامّة، كنا نحتفل معًا بكل الأعياد. جيراننا المسيحيون حمونا من أحزاب مسيحيّة كانت تريد قتلنا. الناس طيبون ولكن المصالح متضاربة".

الانتقادات دليل جهل
تتعرّض ميرنا للانتقادات، ويسألها كثيرون عن سبب احتفالها بعيد الميلاد وتزيين منزلها وطريقة تربية أولادها، لكن جوابها الوحيد هو التجاهل. وتقول ميرنا: "كثيرون يسألون، منهم بداعي الجهل ومنهم بداعي الفضول ومنهم بذهول واستغراب، "بس أنا هيك مرتاحة". أردّ عليهم بسؤال واحد: أتنكرون أنه نبيّ أيضًا ونعترف به في القرآن؟ لا أفسح لهم المجال ليتطوّروا بالحديث، هذا بيتي وهذه عائلتي وأنا حرّة. أحيانًا أنزعج من الانتقادات الحاقدة، ولكن الجاهل لا ألومه لأنه ربّما لم يعش في بيئة مختلطة، ولم يعرف الآخر".

عشت الحرب وأبغضت الكره
ميرنا مقتنعة أن حلّ المشكلات الطائفيّة يكمن في التربيّة، فهي الأساس في تكوين شخصيّة الفرد، ولكن الأجيال تحتاج إلى وقت طويل لتكبر وتتربّى على هذا المبدأ. وتتابع: "أتمنى أن تعمّم هذه الأمور لتخفيف الوهج الطائفي. أنا كشيعيّة لا يجوز لي في ديني أن أحرّم أمورًا على الآخرين، أو أن أرفض وجود المسيح. من الطبيعي أن أولي أهمّية أكبر لأعيادنا الدينيّة، ولكنني أهتمّ أيضًا بالأعياد المسيحيّة، الضاحية زيّنت السنة الماضية خلال الفصح وعيد الميلاد، وأضأنا اسم المسيح، هذا انفتاح إيجابي قرّبنا من بعضنا. أنا كبرت هنا، عشت في الشرقيّة مع المسيحيين، وكان لذلك أثر كبير في نفسي، كنت أدخل إلى الكنيسة وأنزعج من الكاهن لأنه لا يناولني، رأيت الكره ولكنني لم أجعله يتملّكني".

هذه الأفكار تنقلها ميرنا إلى بناتها، فتقول رين ابنة الثلاثة عشر ربيعًا: "الميلاد هو لكلّ الناس، وليس فقط للمسيحيين، يسوع هو النبي عيسى، وهو من أعظم الأنبياء ونؤمن به، إنه عيد لنا. قد لا يتقبّل البعض هذا الأمر، ولكنني أتقبّله لأنه مذكور في القرآن، ونحتفل بالعيد ونفرح به، وعلى الكلّ أن يفرحوا به. أنا أصلي للسيّدة مريم، وأشعر أنها قريبة مني، وأحبّ المسيح وأصلي له، وأشارك في القداس في المدرسة وأصلي مع رفاقي على طريقتي".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard