سعيد عقل والموت الأخير للبنان الذي عَشِق

28 تشرين الثاني 2014 | 19:35

المصدر: "النهار"

غَرَف سعيد عقل من لبنان النبع، ورفع كأسه عالياً في حضرة الله. ملأه عشْق وطنٍ ظلّ في رأسه عتيقاً، معتّقاً ومتصلِّباً في الوجدان. فاضَ همُّ الكينونة اللبنانية على نصوصه، واستملكه شغف أرضٍ قلّما سَلِمَت من خراب الغرباء. يُطرَح اسم سعيد عقل مقروناً بذاكرةٍ عايشت مرحلة القومية اللبنانية، وتحمّلت، جرّاء الغوص بها، كمّاً من التأويلات والسخط. كان لبنان حينذاك وردة يُرَاد ذبولها وتفريغها من الجمالية والعطر. ظهر تميُّزٌ ما بين لبنان كـ"أسطورة تأسيسية"، وفق الروائي جبور الدويهي، وبين البلدان العربية مُجتَمِعة في إطارٍ قومي أقلّ انفتاحاً على الثقافات. ليس أحدٌ في موقع المُحاسِب المُخوَّل شنق سعيد عقل جراء مواقف فرضتها حقبة أرادت فيها جيوشٌ أخرى تحويل لبنان مأوى. للمراحل خصوصيتها، حتى أنّ سعيد عقل نفسه لم يوحِ بأنه اكتفى برأي سياسي واحد يُظهِره متزمتاً ومحدود التصوُّر. كان قارئاً يستشرف الآتي وإن تأخّر. كيف عايش إشكالية القومية اللبنانية، وكيف خَبِرها وأضاف إليها، نقاشٌ نحمله الى الدويهي، والشاعرين جورج شكور وهنري زغيب، ونسألهم، في السياق، عن سطوع الفكر اللبناني سابقاً وزحفه اليوم نحو الاندثار.


سعيد عقل مستكملاً فكرة لبنان
يُبيّن الدويهي دوراً أدّاه سعيد عقل في استكمال فكرة لبنان بعد تأسيس دولة لبنان الكبير الذي تجمّع من ولايات عثمانية سابقة وفق ترسيمات الانتداب الفرنسي. "حينها، وجد بعض اللبنانيين، وغالبيتهم من المسيحيين، أنفسهم أمام بلدٍ من دون فكرة ومن دون ماضٍ جامع. افتقد هؤلاء "أسطورة مؤسَّسة لبنان"، وقام منهم أعلامٌ سعوا الى ابتداع ما يشبه "الأساطير التأسيسية"، كما فعل سعيد عقل. كان في هذا التوجّه من السعاة مع آخرين جمعتهم مسألة إيجاد "عمق الإرادة اللبنانية". من السعاة الأخوان الرحباني وفيروز وشعراء لبنانيون، الى فناني الزجل. لم يخترع سعيد عقل فكرة لبنان كأسطورة تأسيسية، بل تولّى استكمالها من حيث بدأت".
الدويهي ممن لا يملّون من طرح فكرة لبنان في سياقٍ روائي أم في الرؤية. يدرك أنّ الحال تتغيّر، وما الحديث عن أصول فينيقية ومسألة الفرادة اللبنانية، اليوم، سوى تخريفات، وهي أفكارٌ التصقت بسعيد عقل، و"إن انزاح في مرحلةٍ الى القومية العربية ومديح جمال عبدالناصر وتأميم السويس". يربط برودة العداوة حياله بانهيار القومية اللبنانية، مؤكداً أن ما يبقى بعد التيه والتقلُّب هو الشِعر القوي واللّين والشديد النبرة. ليس السؤال المطروح عن ماهية لبنان طارئاً على مسألة الهوية. وصَفَه البابا يوحنا بولس الثاني بـ"وطن الرسالة"، وراح مع الوقت يصعب الوقوف على تميّزه. لا ينفي الدويهي انحسار القومية اللبنانية، وكاريكاتورية أبطالها، ونزوعهم الى الأداء الدونكيشوتي. "حلّت الحرب الأهلية وأنهت كلّ شيء. فكّكت أعماقاً وشرذمت كياناً. الثابت في كلّ هذا عظمة شعر سعيد عقل ونصوصه المتينة".


المُدرِك تاريخ لبنان منذ 5000 سنة
يوضح شكور الفارق ما بين القومية اللبنانية والأمة اللبنانية. الأولى عبارة عن قوميات عدّة، فيما الدستور اللبناني نصَّ على بُنية الدولة كوحدة لا تتجزّأ. يعود الى سعيد عقل ليصفه بالمُدرِك جيداً تاريخ لبنان عبر 5000 سنة. يقول إنّ تمسكه بهذا الوطن ليس من قبيل التعصّب وقطع الطريق أمام أيّ حضور عربي، بل العكس، "حتى أنه لم يُظهِر عناداً أعمى حيال الأعداء. كان التمسّك بلبنان مسألته، فبُنيت قوميته على فكرة "التبادع" أي إشراك الآخرين في الإبداع دفعاً بالدولة الى الأمام". يرفض أن تُرسَّخ عداوة الشاعر الراحل للعرب والقضية الفلسطينية، مذكّراً أنه صدح يوماً بـ"غنيتُ مكة"، و"زهرة المدائن"، وقصائد لمصر. "نحن جارٌ للعالمين وأهلُ"، قال في مديحه حُسن العلاقات مع الجميع. نسأله ما القصد بالجميع، لا سيما أنّ جدلاً يُثار حول ارتباطه بالموضوع الفلسطيني والصراع مع إسرائيل. يعزو سبب عدم التغنّي بالعداوة الى قهرٍ عاشه، فيما الفلسطينيون يريدون لبنان وطنهم البديل. يستعيد "الآن الآن وليس غداً، أجراس العودة فلتُقرَع"، ويقول إنه أوّل من قرع الأجراس. "المسألة هي رفضه رفعَ السلاح في وجه جيش لبنان، والمسّ بهوية الدولة". لا يُخفَى عليه أنّ أصواتاً لا تأسف على رحيله، ومنابر راحت تنبش مواقف تُظهِره في غير ما أراد. إن كان الدويهي قال بأفول زمن القومية اللبنانية، فإنّ شكور رأى العكس، معتبراً إياها باقية طالما أنّ هِمَماً تنادي بالحضارة، "فيما القومية العربية بلغت نهايتها في عصر الظلاميين وداعش".

تجاوز فكرة القوميات وبقاء سعيد عقل النصّ
يشرح هنري زغيب تجذُّر القومية اللبنانية في فكر سعيد عقل كحقيقة وواقعٍ حضاري، رافضاً صلتها بأيّ معانٍ ضيّقة. "لم يكن انعزالياً ولا مالَ الى تقوقعٍ ضمن المحيط العام. أراد لبنان المشعّ كمنارة لا سيما أنّ أسماء كبيرة أسَّست تاريخه كبيتاغوراس وزينون وقدموس. يتحدّث عن الاعتزاز بـ"لبنان الحقيقة"، وهو وصْفٌ مُحبَّبٌ لدى سعيد عقل، فـ"لا مجال لحصره ضمن إطارٍ ضيّق هو القومية اللبنانية". كان أوسع من القوميات، يقول، إذ رَبَط الدولة بإشكالية اللبننة. ماذا بقي اليوم، إذ يبدو أنّ كلَّ شيء راح ينتهي ويتقهقر؟ يجيب بأنّ العصر تجاوز فكرة القوميات المحدودة ضمن أُطر جغرافية، وأنّ الحضارة لا تُحَدّ بالمساحة والديموغرافيا، بل بأعلامها وهم باقون.
لا بدّ من استفهامٍ عن مصير القومية اللبنانية فيما "داعش" يذبح ويمتدّ. يصف التنظيم بـ"الظاهرة العابرة غير المُتجذِّرة في الأصول، ولا شأن لها بالكيان اللبناني لحتيمة أنّ الأصول اللبنانية ثابتة". هو الآخر لا يختبئ خلف أصبع، ويدرك أنّ بعضاً راح يشمت بموت الراحل. يقول عنه الباقي في نصوصه، سواء تقلَّب في أفكاره أم تقلَّبت عليه. ما سيخلد في سعيد عقل هو النصّ الذي لا يشبه سواه.
fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

الفنان بسام كيرلُّس يلجأ الى الالومينيوم "ليصنع" الحرية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard