هل نصدّق رحيل صباح؟

26 تشرين الثاني 2014 | 09:12

ترى، هل ثمّة رمزية لوفاة صباح في ساعات الفجر؟ تصحو على الخبر، ولا تصدّقه أولاً. تتوقّف للحظات عند كل الشائعات التي طاولت الشحرورة في السنوات الأخيرة، وقرّبتها بخبثٍ من ساعة النهاية.

صباح رحلتْ إذاً، وفي فجر عاصف. في الآونة الاخيرة، لم يعد الكثيرون يهتمّون بالأخبار المتعلّقة بصحتّها وحتى تقصير المعنيين معها. ليس أفظع من الاعتياد على فكرة الموت الرخيص والمجّاني، فكيف الحال مع مَن كانت نموذجاً قلَّ نظيره، لمن يُحب كثيراً. لمن يعرف كيف يُحبّ الحياة كثيراً. كلا، نحن لم نعتدْ على فكرة رحيل صباح. ثمّة أشخاص، نعتقد أنهم خالدون. ثمّة وجوه يصعب أن نقرنها بفكرة الرحيل. اعتدناها قوية، حتى في ساعات الضعف. كنا نقول، أزمة مرحلية وستعود بها مشرقة كما العادة.

تتوقّف مجدداً عند الخبر. رحلتْ عن 87 عاماً. هي فقط 87 عاماً تلك السنوات التي صنعت من جانيت فغالي أسطورة؟! حياتها الغنية بالمواقف والتجارب الإنسانية، لم ينصفها كثيراً المسلسل الذي أرّخ لمحطات من سيرتها، وعُرض حتى قبل مماتها. يصعب اختصار صباح بأسطر أو بعمل فني واحد. سيرة تلك المرأة تصلح لأن تكون مجلّدات: فنّها، تقلّباتها، صوتها، رحلتها الطويلة بين القاهرة وبيروت، السينما، الأضواء، الغدر، خيانة المقرّبين والغرباء، الأم والمرأة الزواج، وحتى الصبيّة الأبديّة. وقبل كل ذلك، يأتي التصالح المخيف مع النفس، مع الماضي وكل أسراره.

طالما فضحت صباح كل الرياء الذي يحيط بنا. أسقطت قناعنا الذي نخفي خلفه ضعفاً أو سرّاً، كي لا تتزعزع صورتنا أمام الآخرين.

في كل مرّة كانت تطل على الشاشة، كانت تكشف كل شيء عن كل شيء. وكل مرة، بالمتعة نفسها والحنين نفسه... وتلك هي صباح!

"المرأة الحرّة" كما يطلقون عليها كانت تؤمن بأنَّ "مثلها مثل كل الناس" حتى ولو كانت أيقونة، فـ"أنا لستُ ملاكاً". أكثر من ذلك، مواقفها وآراؤها وزيجاتها وطلاقاتها وحتى فساتينها التي شكَّلَتْ ثروتها وثورتها، رسَمتْ لها مكانةً مختلفة، وصنعتْ منها رمزاً لإمرأة متحررّة في مجتمع ذكوري، ممنوع على نسائه التفكير حتى بالتحرّر.

لا يمكنك إلّا أن تقف مشدوداً أمام جرأة، يصعُب على الفنان – أو حتى الشخص العادي - أن "يتورَّط فيها"، كي لا يخرج من تلك الصورة النمطيّة "المثاليّة" التي يوضع فيها، أو يطمح إليها.

في مقابلاتها، كانت تقول إنَّ "قصة الحب أجمل من الحب". تشرح عذابات الطفولة. تُخبِرُك الكثير عن رُشدي أباظة التي أحبَّتْه حتى الجنون. تتوقف بحرقة عند معاناة ابنتها هويدا. تتحدّث بإسهاب عن رجالها الذين أحبّوها قليلاً وطمعوا بها كثيراً. وتذهب أبعد من ذلك، لتثير حفيظة المتزمّتين، حين تبوح بأنَّ النساء أيضاً قادرات على إقامة العلاقات، كما يفعل الرجال!

"الدلوعة" التي عاشت وسافرت وغرفت من الحياة وشغلت رجال السلطة والثروات... صباح، بحلوّها ومرّها، تعالت على كل الألسنة. حنجرتها وعطاءاتها جعلا منها فنانة لا تتكرّر. لكن عفويتها المذهلة، أمانتها لذاتها، وصدقها الصادم أحياناً... جعلت منها – بلا شك – الأسطورة.
أسطورة، ستذكرها حتماً الاجيال المقبلة، فهل تنصفها الجهات الرسمية في يوم رحيلها؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard