هل يلفظ عيد البربارة أنفاسه؟

3 كانون الأول 2014 | 09:43

المصدر: "النهار"

القمح المسلوق يُحَضّر، والزبيب جاهز، والمعكرون والمشبّك يُغريان النّاظر، والقطايف تجعل "عصافير البطن" تزقزق، والوجوه والألبسة التنكرية تتنوع أشكالاً وألواناً... يتطلّع اللبنانيون للاحتفال بعيد البربارة مثل كلّ سنة، ونعني باللبنانيين: الأطفال فقط.

 

 

بين عيد البربارة و"الهالوين"

إذ يُطبَع عيدُ القديسة بربارة بأغنية "هاشلة بربارة مع بنات الحارة..."، حين يجول الأطفال من منزلٍ إلى آخر متنكّرين بالأقنعة والأزياء الغريبة أو المُضحكة، في خطوةٍ رمزية لتغيير القديسة بربارة من ملامح وجهها. فهي الشابة التي قطنت مدينة هيليوبوليس، أي بعلبك اليوم، والتي سجنها والدُها الحاكم الوثني في أحد الأبراج ليُبعدَها عن العالم الخارجي بعدما اعتنقت المسيحية. وعند هروبها، اختبأت في حقلٍ للقمح مغيّرةً من ملامح وجهها...

لكن القصة يغفلها العددُ الأكبر من الأطفال، إن لم يكُن العدد الكامل لهم، فتركيزهم يصبّ على الشق الاحتفالي من المناسبة عبر الحصول على الزي التنكّري المناسِب والتمتع بالطعام حلو المذاق. حتى إن مسألة التنكر انسحبت أيضاً على عيدَي جميع القديسين وتذكار الموتى في 31 تشرين الأول و1 تشرين الثاني، بما أنه "الهالوين" الغربي أي أمسية القدّيسين (Hallow's Evening).

تنتشر الوجوه والأزياء التنكّرية في ليلة عيد جميع القديسين كخطوةٍ رمزية لروح الموتى، ما يشرح الأقنعة التنكرية الغريبة والغامضة وأحياناً المخيفة. ويُحتفَل بـ"الهالوين" في أوروبا وأميركا الشمالية وأوستراليا ونيوزيلندا وبعض الدول الشرق آسيوية... حتى وصلت الاحتفالات إلى بلاد الأرز ليستهلكَها مؤخّراً اللبنانيون كل سنة، فيتنكر البالغون منهم، محتفلين بـ"الهالوين" الغربي، متناسين عادة "نروح نبربر" في كانون الأول.

 

هل سـ"يُبربِر" اللبنانيون؟

تحوّل إذاً تنكّرُ اللبنانيين بمناسبة عيد القديسة بربارة إلى تنكّرٍ "غربي" يُفَجّرُ في سهراتٍ تنكّرية تنتقي الزيّ التنكّري الأفضل، في توقيتٍ يسبق شهر كانون الأول، وهو ليلة 30 – 31 تشرين الأول. وتستمرّ عادةُ "نروح نبربر" في لبنان مع الأطفال فقط، في ليلة الثالث من كانون الأول.

لا يُلامُ اللبنانيون فعلاً وليس الأمر بالغريب، بما أن استهلاكهم لعاداتٍ غربية ليس جديداً.

هذا ما وافقت عليه المواطنة مايا مراد مجيبةً "النهار" أنها في صغرها، كانت "تبربر" مع زملائها في المدرسة: "هي عادة سنوية تجمعنا، إذ كنّا نجول بين الصفوف ثمّ تُنَظّم حفلة تنكرية يحضرها الأهل، ويختار الأساتذة الزيّ التنكّري الأفضل بيننا"، لكنها تشير إلى أن الأمر تغيّر اليوم: "لا أهمية اليوم لعيد البربارة كما في السابق، فـ"رهجته" خفّت، خصوصاً أن المدارس المحلية الأميركية الهوى تنشر الثقافة الأميركية بين التلاميذ فيقلّدون الغرب تلقائياً"، معتبرةً أن احتفال اللبنانيين بـ"الهالوين" (أواخر تشرين الأول) بدل عيد البربارة ليس انفتاحاً بل هو موضة جديدة.

وتخبر السيدة م. ضومط "النهار" أن من سيحتفل فعلاً بعيد البربارة هو ابنتها البالغة من العمر 3 سنوات بما أن رعية الكنيسة تحضّر حفلةً تنكّرية للأولاد. أما هل تحتفل ابنتها بـ"الهالوين"، فتُجيب بالنفي: "لا علاقة بين عيد القديسة بربارة و"الهالوين" الغربي"، لافتةً إلى أن هناك استعداداً لدى اللبنانيين لتقبّل كل ما يأتيهم من الغرب.

الشاب جايسون خيرالله، من ناحيته، لا يحتفل بعيد البربارة معتبراً إياه خاصاً بالأطفال أكثر، سارداً لـ"النهار" تفاصيل السهرة التنكرية التي شارك فيها في أواخر شهر تشرين الأول. فهو وأصدقاؤه احتفلوا بـ"الهالوين" الغربي، "وهو ما نقوم به سنوياً منذ أن تخطّينا مرحلة الطفولة". لكن ماذا يعني له عيد البربارة في 4 كانون الأول؟ يجيب خيرالله "النهار" أنه "عيد القديسة بربارة، ولكننا لا "نُبربر" بعد اليوم بل فقط نبتاع القطايف بالقشطة والجوز".

 

لماذا يستهلك اللبناني كلّ ما هو غربي؟

يوضح الدكتور في علم النفس الاجتماعي في الجامعة اللبنانية نزار أبو جودة لـ"النهار" أن هناك "عدّة أسباب تجعلنا نكون تبعيّين ومقلّدين للغرب، وأبرزها العوامل التاريخية والثقافية والسياسية"، ذاكراً "الحروب والاحتلالات التي مرّ فيها لبنان، وهي التي عملت على زرع الفتنة والشّقاق بين أبناء الوطن الواحد".

ويشير إلى أن اللبنانيين "قلّدوا ثقافة المحتلّ بما أن "الضعيف يقلّد القوي" كما قال المؤرّخ ابن خلدون، واختلفوا بين الإنكليز والفرنسيين بدل أن يفكّروا في أن يحكموا أنفسَهم بأنفسهم، ما يشرح تقليدهم للغرب المتأصّل تاريخياً". أما العولمة الثقافية والتكنولوجيا الإلكترونية المسيطِرة، "فلا شك أنها تضطلع بدورها الذي ينعكس تقليداً من اللبنانيين للغرب في الإعلام والبرامج والاحتفالات وغيرها".

يضيف أبو جودة: "ومنها الـ"هالوين" حين نرى اللبنانيين يتنكرون ويحتفلون راقصين كل سنة"، محذّراً من أننا "نعيش في اللا إبداع، ونعاني أزمةَ هوية، بما أننا فاقدون الثقة بالذات"، ولافتاً إلى أن استهلاكَ اللبنانيين المستمر لما يُقَدّم لهم من الغرب "سبّب وطوّر الشعورَ بالدونية ما انعكس في غياب الإنتاج المحلّي لأفكار جديدة".

لكن ألا يُعتبَر الـ"هالوين" وغيرها من الأمور المستهلَكة من الخارج، انفتاحاً لبنانياً إيجابياً إلى الخارج؟ يجيب الدكتور أبو جودة أنه "لا عيب في الانفتاح فهو ضرورة، شرط أن يعتمد اللبنانيون الحداثة مع الأصالة"، ويدعو عبر "النهار" إلى "أن نكون أصيلين ومنفتحين في الوقت نفسه، عبر المحافظة على مصالحنا قبل كل شيء".

 

 

 clauda.tanios@annahar.com.lb / Twitter: @claudatanios

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard