مهرِّب خمر عراقي يروي لـ"النهار" ما يتعرّضون له من ظلم!

8 تشرين الثاني 2014 | 15:40

(الصورة عن الانترنت).

يستعير أ. ر.، وهو بائع مشروبات كحولية في السوق السوداء في جنوب العراق، حيث الأغلبية الشيعية، مفردة "المظلومية" الشهيرة التي ارتبطت في التعابير الشائعة للجماعات الدينية واحزاب الإسلام السياسي على امتداد العقود الثلاثة او الأربعة الاخيرة، ويقول لـ"النهار"، في مدن جنوب العراق ووسطه، تحظر السلطات بيع المشروبات الكحولية بأنواعها وتفرض عقوبات "مجحفة" في حق من يوجد بحوزته شحنة من المشروبات، الأمر الذي يعتبره "مظلومية" يعانيها أولئك الاشخاص، الذي "يمارسون عملا عاديا يواجه بعقوبة قاسية" كما يقول.

ويضيف: "يحظر بيع المشروبات الكحولية في محافظات الوسط والجنوب عموماً، لكن ذلك لا يعني عدم وجودها، اذ يقوم المهربون أمثالي بتأمين حصّة متعاطي الخمور هناك". وباستثناء بغداد واقليم كردستان، فان المشروبات الكحولية محظورة في عموم العراق.

تناقض صارخ

قد يبدو الحديث عن شاربي الخمور ومهربيها ترفاً في بلد يحاصره الإرهاب والفساد والعنف من كل جانب، خصوصاً بعد الصعود تنظيم "داعش" الارهابي وسيطرته على مدن عراقية كثيرة غرب البلاد، لكن أ. ر. يدافع عن موقفه بشدة، ويلقي باللائمة على ما يعتبره "تناقضاً صارخاً" يعيشه المجتمع.

وهذا التعبير يستعير كلما حاصره أحدهم بسؤل عن كيفية بيعه الخمور مع انه ينتمي الى دين المسلمين. فالقانون العراقي لا يمنح المسلم اجازة بيع الخمور، سواء عبر فتح بار او مكتب للبيع المباشر، ويسمح لبقية أبناء الطوائف، كالمسيحين والايزيدين. ويرى ان مردّ التناقض الصارخ في سلوك الناس، هو قبولهم شرب الخمر بالنسبة للمسلم، ورفضهم التام الذي يصل حد الاحتقار، لبيعها من المسلم.

سر المهنة

سألته، كيف تقوم بتهريب المشروبات؟، فقال: "ذلك سر المهنة، ولا تسألني كيف وبأي طريقة، لكننا نبيعها بأسعار مضاعفة".

ثم يقهقه بصوت مرتفع ويضيف: " لحسن الحظ، اجهزة كشف المتفجرات لا تكتشف المشروبات الكحولية"، وبين حين وآخر يردد ابياتاً من الشعر لمظفر النواب: "لم يعد يذكرني منذ افترقنا سوى قلبي والطريق/ صار يكفيني/ كل شيء طعمه طعم الفراق/ بعدما تم بين قلبينا الطلاق".

لكنه مع ذلك يصرّ على عدم الكشف عن الطريقة التي يهرب من خلالها بضاعته عبر عشرات المفارز الأمنية المنتشرة على طوال الطرق المؤدية الى محافظات الجنوب، لكن الشائع ان المهربين يتفقون مع سائقي السيارات الخاصة والاجرة، بحيث توضع البضائع وتموه في امكان لا تستطيع المفارز الأمنية اكتشافها.

رقابة من الجميع

يقول أ.ر.: "انت مراقب من الجميع في مناطق الجنوب، مسؤول البلدية يراقبك، وكذلك الشرطي، ورجل الامن، وعناصر المليشيا". يريد بذلك القول، ان الذي يمنع من تعاطي المشروبات الكحولية وبيعها ليست القوانين النافذة فقط، "انما هناك نوع من "المزايدة" على معاقبتنا". ومع ذلك يرى ان "لا قانون حقيقياً يمنع بيع الخمور وشربها"، ويضيف: "هناك قانون غير واضح صادر عام 1967 يعالج مسالة الخمور، تقوم السلطات المحلية باستغلاله ضدنا ولا يعمل هذا القانون في بغداد".

وعن طبيعة العقوبات التي تفرض على مهربي المشروبات الكحولية، يقول: "صندوقي العرق والويسكي الذين يحتوي كل منها على 24 قنينة، وصندوق البيرة الذي يحتوي على 48 قنينة عقوبتها 3 اشهر سجن". اما ما دون ذلك، فعقوبته شهر واحد.

اما كيف يقوم بعملية بيع بضاعته، فيقول: "التلفون!". وكيف ذلك؟  يضيف: "تردني اتصالات مختلفة، ولا اثق الا بشخص واحد من بين اربعة اشخاص، ويجب ان يكون الشخص المتصل معرفا بالنسبة لي من طريق شخص آخر".

قانون المشروبات الكحولية

موجة التشدد الديني التي اجتاحت العراق بعد 2003، وصعود جماعات الاسلام السياسي للسلطة، انعكسا في شكل واضح على تعاطي بيع المشروبات وشربها في اغلب المحافظات العراقية، الا ان ما يسميه أ. ر. "مظلومية" باعة الخمور في العراق وشاربيها، بدأت تحديدا في تموز عام 1994، حين اصدر نظام الرئيس الراحل صدام حسين القرار رقم 82 المتعلق بالمشروبات الكحولية، وجاء حينذاك في اطار "الحملة الايمانية" التي قادها صدام بعد خسارته في حرب تحرير الكويت عام 1991. وكانت المشروبات الكحولية ومحلات بيع الخمور قبل ذلك التاريخ تنتشر في عموم العراق في شكل طبيعي، ووجدت حتى في الاحياء البغدادية، وفي الاقضية والنواحي الصغيرة في المحافظات.

يفضل اغلب متعاطي المشروبات في العراق، المشروبات الكحولية، ولا يفضلون تعاطي مختلف مواد التحشيش والمخدرات، وان كان البعض يعتقد ان تعاطي المخدرات انتعش في المحافظات الجنوبية في غضون العقد الاخير، ويظنون ان ذلك احد اسباب منع المشروبات الكحولية هناك.

نزل قانون رقم 82، العام 1994، مثل كابوس ثقيل على باعة الخمور وشاربيها، خصوصاً في جانبه المتعلق باغلاق الملاهي، وصالات الرقص، والاندية الليلية، وبمنعه بيع المشروبات الكحولية بشتّى انواعها في النوادي الاجتماعية، ونوادي الجمعيات والنقابات والاتحادات، الفنادق والمطاعم والمرافق السياحية الاخرى.

ومع ذلك، ظل كثيرون يعاقرون الخمر ويبيعونها، ذلك ان القانون سمح للبعض ممن لديهم اجازات خاصة لبيع الكحول "بالمفرد المختوم" بطريقة مباشرة.

"شهداء" الخمر
يروي صديق مولع بشرب الخمر، انه سأل عام 2006 احد باعة الخمر السريين في محافظة البصرة التي كانت تهيمن عليها المليشيا والنزعة الدينية المتشددة، عن كيفية عدم شعوره بالخوف في ظل تلك الظروف الخطرة والعصيبة، ويقول: "ان البائع قال لي كيف تريدنا ان نخاف واعطينا شهداء بقدر شهداء حزب الدعوة!". يريد بذلك، مقارنة ضحايا باعة الخمور ممن قتلتهم الجماعات المتشددة في عموم العراق، بالضحايا الذين اعطاهم حزب "الدعوة الاسلامية" ابان عهد البعث وحكم صدام حسين.

في التاريخ البعيد، تقول بعض المصادر التاريخية، ان بلاد ما بين النهرين اخترعوا البيرة كأحد اصناف الخمور في 9000 ق. م. واطلق السومريون تسمية "ماء الحياة" على الخمر.

وتقول اسطورة كلكامش السومرية، ان انكيدو كان يهيم في البراري ويعيش مع الحيوانات، وما إن أكل الخبز وشرب سبع جرارٍ من البيرة حتى صار يرقص ويغني واغتسل بماء النهر فهربت منه الحيوانات وما عادت تأمنه وهي تشم فيه رائحة الإنسان.

"مظلومية" بائعة الخمر الذي يتحدث عنها أ. ر.، لها ما يبررها، في اطار ما تعرض له باعة الخمور في العراق، خصوصاً في بغداد، التي لم ينقطع عنها باعة الخمور في المحلات والاندية وبعض المقاهي، على رغم الأخطار التي يتعرضون لها، اذ قتلت الجماعات الدينية المتشددة مدعومة ضمنا من الجهات الرسمية الحكومية عشرات الاشخاص من الباعة واحرقت متاجرهم، وما زال حادث تصفية 12 بائعا ايزيديا في منطقة زيونة شرق بغداد في تموز 2013، ماثلاً في الاذهان.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard