"وينن"؟ صرخة نساء على أحبة فقدوا

31 تشرين الأول 2014 | 07:38

المصدر: "النهار"

"وينن"؟... "ركبوا عربيات الوقت وهربوا للنسيان، وتركوا ضحكات ولادن منسية" ع حيطان خيمة الاعتصام التي تفترشها امهاتهم وزوجاتهم وبناتهم وشقيقاتهم في وسط العاصمة بيروت.

"وينن"؟ صار في عشرات الافلام بيننا وبينهم، هم مفقودو الحرب الذين لا تزال قضيتهم الشغل الشاغل لآلاف العائلات اللبنانية، وايضاً للسينما اللبنانية التي تناولت موضوعهم في العديد من الافلام الوثائقية والقصيرة والروائية الطويلة. لكن الجديد هذه المرة معالجة سينمائية مختلفة بعنوان "وينن"، أخرجها سبعة من متخرجي جامعة سيدة اللويزة التي حضنت مواهبهم الواعدة، وأنتجت لهم (بالتعاون مع "مؤسسة اميل شاهين" والمنتجين سام لحود ونيكولا خباز) شريطاً راقياً فنياً، ورسالة مؤثرة انسانياً وسياسياً. الفيلم الذي جال على عدد من المهرجانات وحصد عدداً كبيراً من الجوائز، رافعاً شعار المطالبة بالكشف عن مصير المخطوفين ومذكراً بقضيتهم كي لا يتآكلها النسيان، هو عن سيناريو مؤثر وراق ومحبوك جيداً مع خاتمة مفاجئة وناجحة لجورج خباز المتميّز جداً في معالجة الموضوعات الانسانية التي تلامسنا في الصميم(غدي).

لقد نجح خباز في التحوّل الصوت المخنوق لآلاف النساء اللواتي لم ييأسن من تكرار سؤال وحيد: "وينن" أحبتنا؟ وتماماً كما رُصد للفيلم سبعة مخرجين، قُسّم الشريط سبعة اقسام ورُصدت له باقة من اهم الممثلين اللبنانيين قاموا بتجسيد معاناة ست نساء من فئات عمرية مختلفة، تجمعهن تلك اللهفة في انتظار خبر عن احبة اختفوا خلال الحرب، من دون اية اشارة لبقائهم على قيد الحياة او الموت، في ظل صمت مطبق وغموض قاس يكتنف مصيرهم. سبعة اقسام وسبع قصص وسبعة مخرجين، ورغم ذلك ظل الشريط وحدة متلاحمة ومتناغمة من دون اي شعور بالفصام في شخصيته المشهدية، وذلك بفضل التصوير العابق بالحميمية والجمال والذي اداره بحرفية كمال بو نصار(مدير تصوير مسلسل "وأشرقت الشمس").

على مدى ساعة وربع الساعة، نتابع معاناة ست نساء، أولاها من اخراج ناجي بشارة الذي قدم حكاية كارول عبود في شخصية مديرة جمعية تهتم بشؤون المفقودين لأنها ذاقت اللوعة مع غياب والدها، وهي تستعد لتنظيم اعتصام تشارك فيها النساء اللواتي فقدن غالياً. نساء مثل سيدة المسرح اللبناني القديرة لطيفة ملتقى التي تؤدي واحداً من اقوى ادوار الشريط واجملها واقساها، والذي كانت تستحق عنه جائزة الاوسكار لو كان الشريط اميركياً. بادارة المخرج جاد بيروتي، تؤدي لطيفة مع زوجها الكبير انطوان ملتقى دور زوجين طاعنين في السن لا يزالان يأملان بعودة ابنهما الذي اختفى منذ اكثر من 20 عاماً. رغم الغياب الطويل الأم لا تزال مصرة على التواصل مع ابنها، فتحدثه كأنه موجود امامها، وتعد له طعامه وتحثه على تناوله قبل ان يبرد، وتعاتبه وتناجيه قبل ان تتنبه الى الحقيقة المرة فتختنق بدموعها وهي تطلب من السيدة العذراء ان تعيده لها سالماً. المعاناة الثانية من اخراج كريستال اغنيادس وتجسدها الزوجة كارمن لبّس التي تجهل مصير زوجها المثقف وتعيش في الوقت عينه علاقة مع عامل كاراج(جوليان فرحات).اما الممثلة وكاتبة سيناريو فقرتها ديامان ابو عبود فتعاني من غياب والدها الذي جعلها تضيع وتغرق في حياة صاخبة حافلة بالعلاقات العاطفية العابرة التي جسدتها ديامان بمنتهى البراعة والاحتدام الداخلي، وصورتها كاميرا المخرج طارق قرقماز.

بدورها القديرة تقلا شمعون تلامسنا في الصميم بحزنها ورفضها الارتباط لانها لم تتصالح مع فكرة اختفاء شقيقها في القسم الذي أدارته المخرجة والممثلة زينة مكّي، بينما تولت المخرجة ماريا عبدالكريم ادارة ندى ابو فرحات بدور زوجة النائب (طلال الجردي) الذي يستفيد من تعاطفها مع قضية المفقودين لأنها كانت تحب أستاذها المفقود بدوره. اما القسم الاخير بادارة المخرج سليم الهبر فينقلنا الى ساحة النجمة لنشارك في الاعتصام، مع امهات حقيقيات لمخطوفين لا يزال مصيرهم مجهولاً، اضافة الى بطلات الفيلم اللواتي تجمعهن قضية واحدة ورجل واحد... "وينن" لمدة اسبوعين فقط في الصالات اللبنانية، هو رسالة سينمائية ساحرة مشهدياً ومتماسكة بمضمون قصصها المربوطة جيداً، تعبق بالوجع وتتنفس بعض اوكسيجين الطرافة (ليليان نمري في فقرة تقلا شمعون)، وتتلوّن باداءات قوية وصادقة، وتصدح بصرخة انسانية مؤثرة وقضية محقة، فهل تلقى آذاناً صاغية؟

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard