هكذا نستقبل المطلوبين قضائيًا!

25 تشرين الأول 2014 | 08:30

المصدر: "النهار"

إن استضافة أو محاورة أو استصراح مطلوبين من القضاء أو متهمين بأعمال إرهابيّة في الوسائل الإعلاميّة، يشكّل مادة جدليّة بين من يشكّك بأخلاقيّة هذا الفعل، وبين المدافعين عن حقّ الصحافي في الوصول إلى المعلومات.

لا شكّ في أن بلدًا، مثل لبنان، منقسمٌ عاموديًا بين محورين يتناقضان في التوجّهات، ولكلّ منهما تعريفه الخاصّ بالأمور السياسيّة، ويملكان مؤسّسات إعلاميّة تبث أفكارهما، يعاني أزمة في تحديد المعايير وتوصيف الظواهر بأسلوب جامع وموحّد.

الإعلام لسان حال الناس؟
 يعتبر جوزف أن استضافة متّهمين بالإرهاب ومطلوبين من العدالة أمرٌ لا أخلاقيٌّ، ويشكّل منفذًا لهم لتمرير آرائهم غير الصحيّة التي تُفسد ولا تفيد، وأن على الإعلام حجبهم عن الصورة وعدم إعطائهم أهمّية، من منطلق مراعاة الشارع وتطلعاته.

يوافقه محمد الرأي لناحية عدم مشروعيّة استضافة هؤلاء، ولكن لا يرى فيها ضيرًا إذا ما سعى الصحافي إلى تعريتهم وكشف وجههم الحقيقي أمام الناس، وليس مراعاتهم وفتح المجال لهم لضخّ أفكارهم.

ويجمع معهما فادي على اعتبار الإعلام لسان حال الناس، بالتالي عليه نقل كلّ الوقائع ولكن بطريقة موضوعيّة بعيدة من الاصطفافات والميول السياسيّة، لكن مع مراعاة الحدّ الأدنى من المصلحة الوطنيّة، وتقديمها على أي سبق أو تفرد خبري ممكن أن يحقّقه الصحافي، أي التخلي عن أي سبق في حال كانت النتائج المترتبة عنه مضرّة بالمصلحة العامّة، وتزيد التفرقة أو تحرّض على الجيش أو مؤسّسات الدولة، وتخدم الإرهابيين أو من لهم مطامع ومصالح معيّنة.

حقّ أم مخالفة؟
يُعرّف الفيلسوف الفرنسي بيار أندريه لالاند الأخلاق على أنّها "القواعد المقبولة في عصر ما وجماعة ما"، فكيف يُنظر إلى مسألة استضافة مطلوبين من القضاء، هل هو مخالفة لأصول وأخلاقيّات العمل الصحافيّ، أمّ هو حقّ مشروع للصحافي للوصول إلى المعلومات والتفرّد بها؟

يشرح عميد كليّة الإعلام في الجامعة اللبنانيّة، الدكتور جورج صدقة، هذه الإشكاليّة لـ"النهار"، قائلاً: "الموضوع الأخلاقي غالبًا ما يكون معقّدًا، لأنه يخضع لأحكام وقيم ووجهات نظر معيّنة، ويرتبط بالزمان والمكان. لكن من جهة هناك معايير بسيطة مُلزمة للصحافي مثل عدم الترويج للعنف، أو لأفعال معادية للقيم الإنسانيّة مثل العنصريّة والذكوريّة، وعدم جواز مساواة المجرم بالضحية. ومن جهة أخرى هناك معايير أخلاقيّة في المهنة تتناقض معها، كحقّ الناس في معرفة وجهة نظر المجرم ودوافعه لارتكاب الجريمة. لا يحقّ للصحافي تصنيف الناس، لأن ذلك يدخل ضمن صلاحيّة القضاء. إضافة إلى أن هذا الموضوع صعب ومعقّد في بلد مثل لبنان ومنطقة مثل العالم العربي، تتنوّع فيهما التيّارات السياسيّة. هناك صعوبة على الصحافي لتحديد التيّار الذي يجسّد الخير وذلك الذي يجسّد الشرّ".

ويضيف صدقة: "حصل نقاش في الإعلام الرسمي الفرنسي حول تصنيف تنظيم "الدولة الإسلاميّة" بالإرهابي، نظرًا للإعدامات والأعمال الجرميّة التي يرتكبها، وإن كان على الصحافي أن يتخذ موقفًا منه أو أن يقف على الحياد. فحصل إجماع على أن دور الصحافي يكمن في نقل الوقائع إلى الرأي العام، ليستنتج بنفسه التصنيف المناسب للتنظيم، وعدم إملاء الآراء عليه. لذلك كلّ ما له علاقة بالأخلاق والقيم يخضع لحكم ضمير الصحافي، ولرؤيته للمصلحة العامّة".

حريّة صحفيّة محدودة
كيف تضطلع الاصطفافات السياسية بدور في تحديد السياسة التحريريّة لهذه الوسائل الإعلاميّة؟ وهل من مسؤوليّة قانونيّة مترتبة على وسائل الإعلام التي تستضيف مطلوبين قضائيًا؟ يقول صدقة: "غالبًا ما تملي الجهات المموّلة خطًا سياسيًا ما وضيوفًا معينين على المؤسّسة الإعلاميّة، بغض النظر عن المصلحة العامّة. وهنا يفقد الصحافي دوره النقدي، وحريّته ويصبح مروّجًا لآراء معيّنة".

ويضيف: "قد يترتب عن استضافة هؤلاء مسؤوليّة قانونيّة في حال ألحقوا ضررًا بجهة ما، أو تحرّك الرأي العام وقدّم مراجعة قانونيّة. لكن المسلّم به أن للصحافي كامل الحقّ والحريّة بأن يكون لديه مصادر خاصّة للمعلومات، وتاليًا لا يحتم عليه عمله الصحفي أي مسؤوليّة قانونيّة شرط أن لا يكون بوقًا ترويجيًا للإجرام".

متاريس إعلاميّة
ما هي تبعات الموضوع على الرأي العامّ؟ وما هو تأثيره عليه؟ هل يتقبّل الجمهور فكرة استقبال مطلوبين ومتعاملين مع إرهابيين؟ تقول الدكتورة في العلاقات الدوليّة في الجامعة اللبنانيّة، ليلا نقولا، لـ"النهار": "تختلف نظرة الرأي العامّ حول الموضوع بحسب الخلفيّة الثقافيّة والسياسيّة للمشاهد؛ من يتعاطف مع الإرهابيين لا يحتاج إلى من يقنعه بالموضوع، أمّا من لديه خلفيّة معاكسة سيثير الأمر حساسيّته لأنه ينتهك القيم اللبنانيّة الداعمة للجيش ومؤسّسات الدولة، أمّا المحايدون، وهم أقليّة في معركة الإرهاب، يسعى الإعلام لدغدغة الثغرات أو الهوامش المتعلّقة ببيئتهم لجذبهم نحو أفكار معيّنة أو دفعهم لنبذها".

وتضيف نقولا: "لا شكّ في أن الإعلاميّين يتسابقون للحصول على سبق صحافي، من دون تبيين حقيقة الحساسيّات الطائفيّة والمذهبيّة التي يثيرونها. أجريت بحوث كثيرة حول أداء الإعلام اللبناني خلال الأزمات، فتبيّن أنه عامل محرّض، إنه كالمتاريس التي كانت تقيمها الميليشيات. خلال الحرب اللبنانيّة، كان للمجتمع المدني دور في إخماد الحساسيّات المتولّدة، أمّا الإعلام فكان يغزيها، ضاربًا مشاعر أهل الضحايا والشهداء بعرض الحائط. فالإعلام كان وما زال الوسيلة الأفعل للترويج للإرهاب أو محاربته".

إذكاء الغرائز
وتقول نقولا: "المجتمع اللبناني منقسمٌ طائفيًا وغرائزيًا وسياسيًا، ولا يوجد بين شرائحه من يلجأ إلى التلفزيون لتغيير رأيه أو ليكوّن قناعات سياسيّة موجودة لديه أصلًا. ووفقًا للدراسات فإن كل جمهور يشاهد ويقرأ الوسيلة التي تعبّر عن قناعاته. لكن بروز الإرهابيين على وسائل الإعلام هو نوع من التحريض الإضافي لإشعال الفتنة، إنه تحريض مدفوع الثمن وليس بريئًا، ويندرج ضمن الحرب النفسيّة التي فعلت فعلها في محاربة الإرهاب أو الترويج له، والدليل ما حصل أخيرًا في العراق، إذ إن بثّ مشاهد قطع الرؤوس والترويج لأفكار التطرف، دفعت الجمهور المسالم إلى الفرار، ما سمح للإرهابيين بتوسيع رقعة تواجدهم من دون مجابهة أية مقاومة. وكلّ ذلك ما هو إلّا تمهيد لانهيار مجتمع ما وفوز الإرهاب، ما يستوجب الوعي حيال هذه الحرب النفسيّة والدعاية المدفوعة، فهناك مسؤوليّة كبيرة ملقاة على عاتق الإعلام في حال سقوط لبنان".

كيف نساعد الفتيات الممتلئات على اختيار ما يليق بهن؟

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard