كل شيء تحطم من حولي... فماذا بقي؟

22 تشرين الأول 2014 | 11:41

"جرّبَت وما نجحت، ما انكسر من الصعب أن يلتحم لاحقاً"، هي دينا التي تطلقت في سن الثلاثين آخذةً معها ولديها بعدما تخلَّت عن منزلها ومؤخَّرها وكل أنواع الحقوق التي يعطيها إياها الشرع لقاء تمكُّنها من الاحتفاظ بهما. بعد مرور فترة على الانفصال حاولت أن تتواصل وزوجها ليس من باب الحنين أو الرغبة في استرجاع صداقة ضائعة بل كرمى للولدين. فجاء ردُّه سلباً رافضاً طلبها، وقائلاً: "ليه بدي أعمل هيك، ساعتها خلينا نرجع". هي التي مضى على طلاقها أكثر من 20 سنة تعتبر حالياً أنَّ "الصداقة بعد الطلاق ليست بالمستحيلة في المجتمعات الغربية، بل نراها ونسمع عنها، إلا أنها لا تزال من المحرّمات Taboo في المجتمع الشرقي خصوصاً أنَّ المرأة الشرقية تتحمَّل كثيراً، ومجرد طلبها الطلاق يعني أنَّ كل شيء تحطم حولها ولم يعد كما كان".

كذلك هو حال هالا التي تطلقت في سن العشرين، فتقول "إنَّ ما حدث بيننا من خلافات حادة ومعارك وشظايا متطايرة، يضعنا في خانة الأعداء. فكيف يمكن أن تقوم بيننا صداقة على أنقاض العنف والكراهية؟ لكن لا يمكننا أن نعمم إذ تبقى هناك حالات استثنائية، حيث يكون الانفصال نابعاً من إرادة الشريكين، وهذا موجود أكثر لدى الطبقات البورجوازية أكثر من الطبقات الفقيرة أو المحافظة، وأعرف شخصين منفصلين، لم يرزقا بأولاد إلا أنهما ما زالا يلتقيان بشكل مستمر ويحضران الغداوات والعشاوات معاً وكأنهما مرتبطان، فهذا صار من موضة العصر". وفي هذا الموضوع، قد تتناقض المعاني، فالصداقة تعني التفاهم والحوار والتسامح والتعاون، ولو كان بين الزوجين إمكان للتفاهم والحوار لما وقع الطلاق أصلاً، أي إن شروط الصداقة ومزاياها دُمّرت ضمنياً، فكيف يستعيدها الطرفان في حال وقع الطلاق؟

 

المضي بطريق مختلف

هناك موروث اجتماعي وثقافي في المجتمع الشرقي يجعل العلاقة بين المطلقين في غالبية الأحوال علاقة عداء لا صداقة، حتى إن كان لديهما أولاد. وتحاول الأم أثناء فترة الحضانة حضّ أولادها على كراهية والدهم وعائلته، والعكس يحدث إذا انتقلت الحضانة إلى الأب بسبب زواج الأم، مثلاً، فيحاول تشويه صورة طليقته في عيون أبنائها ويصفها بعدم الوفاء وبأنها التي أوصلت الوضع إلى حدود الطلاق، وهذا يصيب الأولاد بالتمزق والحيرة. لذا، يعتبر الدكتور أحمد العويني، أستاذ علم النفس في الجامعة اللبنانية الأميركية في حديث لـ"النهار" أنَّ "الثنائي الذي يأخذ قرار الانفصال يكون قد جرَّب حلولاً عدَّة قبل اتخاذه، كي يتأكد من صحة قراره أو عدمه. فالعلاقة الزوجية ليست مجرد حب، بل تفاهم ومساندة وشراكة، وإذا وقع الطلاق فهذا يعني افتقاد العلاقة لهذه العناصر. أي إنَّ الثنائي وصل إلى مرحلة المرارة والجرح والكراهية والنفور، ومن وصل إلى هذه المرحلة يسعى إلى الابتعاد قدر الإمكان عمن سبب له الجرح والمعاناة. وبالتالي، سيكون من الصعب على الشريكين مجرد التفكير بالالتقاء او الخروج معاً في المكان نفسه، ما يستدعي مضي كل منهما في طريق مختلف".

 

أجندات خفيَّة

لكن يجد بعض المطلقين أنفسهم أمام السؤال التالي: "أيستحسن أن نبقى أصدقاء"؟، وهذه العبارة يلفت العويني إلى أنَّها قد لا تكون عفوية لدى البعض، بل بناءً على أجندة معينة يضعها أحد الشريكين للعودة إلى الطرف الآخر عبر فكرة "خلينا أصحاب". فتكون الصداقة حجة لواحد منهما في سبيل تحسين الأمور، خصوصاً إذا لم يكن أحد الطرفين جاهزاً نهائياً للطلاق يوم حصوله. وفي حالات أخرى قد يكون الثنائي تزوج عن حب ولكن بمرور الوقت شعر بعدم انسجام جنسي مثلاً، أو وجد الرجل أن زوجته لديها طموحات كبرى تعيق اهتمامها بالمنزل وبالأولاد فقط، عندئذ يقرران التوقف عند هذه المرحلة مع سابق إصرار وتصميم وإرادة. ولا تكون هذه الأسباب مؤشراً على تراجع حبهما لبعض بل العكس. لذا، يفضلان الإبقاء على صداقتهما. لكن بالإجمال من غير المحبذ عودة الصداقة بعد الطلاق. أما إذا أرادها الشريكان من الضروري أن يعرفا أنَّ هذا القرار يلزمه بحسب علم النفس على الأقل فترة زمنية معينة كي يصير ذلك ممكناً، ولا يجب أن تقل هذه الفترة عن سنة ليخرج كلٌ منهما من العلاقة ورواسبها. إلاَّ أنَّ الأجدى يكمن في استكمال كل منهما حياته وطريقه، وما من شيء يجبرهما على البقاء أصدقاء، إذ إن الصداقة خيار".

 

هل الأولاد حجة!

وحول إمكان أخذ الأولاد متاريس وحجة للتلطي خلفها للبقاء على تواصل مع الشريك السابق، يعتبر العويني أنّ "من غير الممكن وضع صداقة الزوجين المنفصلين بإطار الأبيض أو الأسود. بل من الممكن أن يكون الطرفان مرتاحين بهذا الوضع ولا أجندة مستترة وأهداف مخبأة. بينما آخرون يستعملون الأولاد كوسيلة ضغط نفسي تساهم في عودتهما إلى بعض". ويحذر العويني من "خطورة وجود صداقة إذا كان هناك أولاد، إذ يعيش هؤلاء الأولاد على أمل وهمي بعودة الأهل إلى بعضهما البعض. أي إذا كانا يخرجان معهم إلى المطعم أو السينما أو البحر أو يقومان معهم بكل النشاطات، فهذا سيجعل الأولاد بحال من الصراع، ولن ينفكوا عن السؤال: "ليه ما منكون عايشين كلنا مع بعض!"، لافتاً إلى أن وجود الأولاد يتطلب حتماً التقاء الثنائي المنفصل بسبب العراقيل المرتبطة بالحضانة والأحوال الشخصية، إلا أن الحواجز النفسية والفكرية تعيق عودتهما من جديد تحت سقف منزل واحد".

 

الشريك الجديد

أما في ما يتعلق بارتباط الزوجين السابقين بشركاء جدد والمحافظة على رابط الصداقة في ما بينهما، يشير العويني إلى أنَّ "مسألة الصداقة بين الزوجين المنفصلين تشكل حكماً مصدر إزعاج للشريك الجديد الذي قد يرتبط به الزوج أو الزوجة. لذا، فإمضاء الثنائي السابق معظم أوقاته معاً والتواصل باستمرار وبشكل يومي سيؤدي حتماً إلى انفصال ثانٍ. إذ إنَّ الشريك الجديد سيشعر بغياب الأمان والاستقرار العاطفي والأسري. وهنا الاختلاف بين المجتمع الشرقي والغربي. ففي المجتمع الغربي يلتقي الشريكان السابقان من دون أي إحراج أو إزعاج، إذ غالباً ما يكون الانفصال مبنياً على قرار مشترك. أما في المجتمع الشرقي، فالوضع صعب وغالباً ما يكون الانفصال خاضعاً لضغط شريك واحد. وبناءً عليه يصبح القرار الصحيح في المضي قدماً والارتباط بشريك جديد وإكمال الحياة بعيداً من التمسك بالماضي. وحتى لو كانت الصداقة المتينة هي التي جمعت الزوجين السابقين وكانت عاملاً مؤثراً في ارتباطهما، إلا أن هذه الصداقة ستختلف حدودها ومعاييرها بعد الطلاق. بالتالي، من الأفضل أن يَمضي كل منهما في طريقه، والأهم من كل ما سبق هو أن يرتاح الإنسان مع نفسه، وأن يعرف ويدرك ماذا يريد، وكيف يكمل حياته".

 

الإرشاد الأسري

ويتابع العويني أنَّه "يجب على الثنائي الخضوع إلى جلسات الإرشاد الأسري لمساعدة الزوجين على وضع إطار للزواج أو للطلاق. فإذا مرَّ الثنائي بخلافات سطحية وعادية يمكن الإرشاد الأسري أن يحسِّن الأوضاع في ما بينهما عبر توعيتهما وتصويب مسار العلاقة. أما إذا وجد الثنائي نفسه غير متفق وغير قادر على الاستمرار بهذه العلاقة، لا يمكن حينها إيجاد أسس أقوى ومشتركة أكثر تربطهما ببعض. فيكون الانفصال الخيار الأفضل. ولكن على الرغم من الانفصال، وفي حال وجود أولاد أو عدمه، يجب أن يبقى الاحترام المتبادل موجوداً بين المنفصلين، ويجب كذلك على كل من الشريكين السابقين الابتعاد عن محاولات تبرئة النفس وجلد الآخر، والعمل على فتح صفحة جديدة يعذُر فيها كل منهما الآخر، إضافةً إلى التحلّي بمكارم الأخلاق، وكما يقول المثل العامي "كان بينهم خبز وملح"، فكيف إذا كان بينهما شيء متين وجامع وهو الأبناء".

 

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard