هو مدمن وسارق ولا أستطيع ردعه!

16 تشرين الأول 2014 | 10:56

نور ابن الخامسة عشرة عاماً وجد نفسه بعد سنين طوال وحيداً فجأة بعد أن قرر والداه الانفصال. لم يستطع التعبير عن رفضه للأمر، أو بالأحرى لم ينتظر أحد أن يسمع رأيه بهذا الصدد، إذ تقاذفه الوالدان داخل المحاكم. فحصلت والدته على حق حضانته، فيما يسعى الأب لإرساء علاقة أبوية وابنه عبر إرضائه بالمال والهدايا. نور أصبح متمرداً على أهله والمجتمع. حلق شعره وشطب حاجبه، وصار يمضي ساعات طوال في الشارع بعد عودته من المدرسة، حيث تتراجع علاماته، يجلس مع "شبان الحي" لساعات مدخناً النرجيلة وشارباً الكحول. ووالداه لا يبدوان غافلين عن الموضوع إلاَّ أنَّ كلاً منهما يتقاذف المسؤولية.


حال نور لا تختلف عن حال نديم الذي كان يتعرَّض لضغوطات نفسية من والده، الذي يعنِّفه باستمرار، فإذا تراجع تحصيله العلمي أو جاء الأب غاضباً إلى المنزل كان "الكف" ينتظر نديم بالمرصاد. فبدأ يشعر مع الوقت أنَّ والده يكرهه، حاول التعويض عن هذا النقص بالتعرف إلى أصدقاء قدَّموا له المخدرات، التي تعوَّد عليها عاماً بعد عام، إلى أن صار مدمناً. حاول كثيرون التدخل لمنعه إلا أنَّ المحاولات كلها لم تنفع، كأنما كان يبحث عن وسيلة للانتقام من والده عبر أذية نفسه. اليوم، تعافى نديم بعد أن وجد سبباً جعله يتمسَّك بالحياة بعد أن لقي الحب والعاطفة اللذين كان يبحث عنهما، في حين لا يزال نور يتخبط داخل دائرة النزاع ويصارع واقعه.

 

المراهق والسرقة

تعتبر المراهقة مرحلة الصراعات والازدواجية المتناقضة، والفترة المفصلية التي يمر بها الشخص وعلى أثرها يتحدد مسار حياته المستقبلي سلباً أو إيجاباً. وفي هذه المرحلة يعاني عدد كبير من الآباء والأمهات من صعوبة في التعامل مع أبنائهم المراهقين سواء كانوا فتياناً أو فتيات. وتتفاقم المشاكل والنقاشات الحادة والخلافات. وقد ينحو المراهق جراء ذلك نحو التمرد أو الانحراف وما يرافقه من إدمان على الكحول والمخدرات وحتى السرقة.

لماذا السرقة؟ تشير الدكتورة ليلى عاقوري ديراني الاختصاصية بعلم النفس العيادي للأطفال والمراهقين إلى أنَّ "الأمر يرتبط باضطرابات نفسية ينتج منها سلوك السرقة، أو ما يسمى بـ "الكليبتومينيا". أي من يسرق بدافع اللذة الناتجة من اضطرابات نفسية لا لحاجة مادية. فيسرق أشياء بسيطة لا قيمة مهمة لها، بحيث تكون نفسيته هشة وفاقدة للصلابة الداخلية جراء عوامل تعرَّض لها في الصغر داخل حياته العائلية، يرافقها عدم وعي الأهل والمجتمع المباشر بحيث تغيب المبادىء التي تلجم المراهق عن السلوك المنحرف. فيجنح نحو هذا السلوك إذ يشعر أنه بحاجة إلى لفت الانتباه من خلال هذا التصرف، أو قد يكون تصرفه حالاً تعبيرياً سلبياً عما يعانيه. ويعتبر لجوؤه إلى السرقة اضطراباً في السلوك الاجتماعي. فالسارق الذي يعاني من "الكليبتومانيا" غالباً ما يبحث عن اللذة، ولا يستوعب تداعيات سلوكه، ويكون عمله انفعالياً غير مسيطر عليه، وقد يرتبط بافتقاده للعاطفة والمحبة والاهتمام. وأحياناً يعرف المراهق السارق أنَّه يتخطى القانون، لكنه لا يبالي بذلك، وهذا عائد للمبادىء التي تربى عليها بحيث تفرض بيئته الحاضنة توجهه نحو نوع معين من الاختلال، وعندها لن يكون المراهق مضطرباً بل متماهياً وبيئته".

 

الكحول والمخدرات

كذلك، تبرز مشاكل إضافية في سلوك المراهق الانحرافي مثل الإدمان على الكحول والمخدرات. ويعود ذلك إلى بحثه عن وسيلة لإرضاء ذاته والانتقام من الآخرين خصوصاً الأهل. وعدم وعي الأهل وانتباههم لحال ابنهم النفسية قد يكون عاملاً مؤججاً لهذا الإدمان الذي تصبح عواقبه خطرة بمرور الوقت. كما أنَّ غياب الرقابة على المحلات التي تبيع المشروبات الروحية يجعل حصول المراهقين على الكحول أمراً بمتناول يدهم من دون رقيب. وغياب التشدد داخل الملاهي الليلية في منع دخول المراهقين للسهر هناك وتناول المشروبات يؤدي دوراً في ترسيخ الإدمان على الكحول.

وإلى جانب الحكول، تبرز المخدرات. فبحثاً عن اللذة والنشوة وإشباع الفضول يجد المراهق نفسه مدمناً على تعاطي المخدرات. يبدأ بالحشرية ليصل إلى حدود الإدمان المرضي الذي يصبح من الصعب الشفاء منه. ويعتبر الأهل أنَّ الأصدقاء هم العامل المؤثر والأكثر خبرة وجذباً في تشكيل شخصية المراهق، غير مدركين في أغلب الأوقات أنَّ هذا المراهق يحاول لفت انتباههم إليه بشتى الطرق".

 

الاستهتار يفاقم الوضع

تؤكد ديراني أنَّ "الأسرة هي المرجعية الرئيسية التي تنقل القيم والمعتقدات، وتضطلع بدور في التنشئة الاجتماعية بحيث يكتسب الأولاد السلوكات السليمة أو الخاطئة من خلالها. وإذا اعتقد الأهل أنَّ ابنهم لا زال صغيراً، ويفتقد النضوج والوعي والتجارب فهذا خطأ تربوي من قبلهم يُشعر المراهق بالقصور ويمنعه من متابعة المسار الصحيح. فتبرز الإشكالات الحادة في ما بينهم، ويزداد تذمر الأهل من تصرفات أبنائهم. لذا، فإن لم يكن الأهل قادرين على استمالة أبنائهم إليهم أو الحديث معهم وتوعيتهم، يمكن أن يضطلع المحيط العائلي بدور في ذلك. فقد يرغب الأولاد في التواصل مع أجدادهم أو عمهم أو خالهم الذين يجدون أنَّ التخاطب معهم يشعرهم براحة أكبر.

وإن لم يكن في الأسرة من يرتاح إليه المراهق، يمكنه اللجوء أيضاً إلى المرشد أو المعلمة في المدرسة، الذي من الواجب عليهم الإصغاء إليه ونصحه وتوعيته. وإذا شعروا بأنَّ وضعه يتفاقم ويستدعي حلولاً، من الضروري عليهم استدعاء الأهل والتحدث معهم، والطلب إليهم أخذ المراهق لمقابلة اختصاصي ليتابع حاله ويصوِّب تصرفاته، إذ إنَّ الاستهتار قد يؤدي إلى تفاقم الموضوع وغياب القدرة على تصحيحه".

 

جرأة واستقلالية

وتعتبر الدكتورة الديراني أنَّ "المراهقة مرحلة انتقالية يكون الشخص فيها أكثر عرضة لعودة مشاكل الصغر للتحرك والبروز بطريقة أوضح. فالمراهق الذي كان طفلاً من الممكن أنَّه واجه حوادث صادمة أحدثت خللاً نفسياً لديه حتى لو كان في كنف أهله، وبقيت كامنة فيه لغاية وصوله لسن المراهقة. ولا يمكننا أن نشمل كل المراهقين، إذ إنَّ هناك كثيرين يمرون بفترة مراهقة عادية وصحيَّة، غير أننا نتكلم هنا عن من يكونون عرضة للانحراف أكثر من غيرهم". وتتابع: "في سن المراهقة يحاول المراهق البحث عن الاستقلالية عبر سلوكات فيها جرأة ومنافسة، فيغامر ويخاطر بسلامته، على رغم أن بعض الجرأة في تجارب معينة تعتبر إطاراً صحياً طبيعياً للتطور والنمو كي يصل إلى الاستقلالية التامة. وهنا، لا بدَّ من تشجيع الأهل على إعطاء ابنهم المراهق الاستقلالية ولكن بتدرج مع مسؤولية مباشرة تجاهها. وتضيف: "ترافق المراهقة اضطرابات تكون أسبابها إما وراثية تجعل المراهق عرضة لأمراض نفسية عقلية تحتاج إلى علاج طبي. وإما نتيجة انحرافات في السلوك كانت كامنة من الصغر حيث عاش المراهق- الطفل في إطار عائلي واجتماعي غير مناسب، ساد فيه خلل عائلي وغاب عنه النضج والاتزان، ما جعله يشعر بقلق زائد، أو يتصرف بمجازفة. بالتالي، لا يرتبط الموضوع هنا بسبب واحد بل بباقة من الأسباب أو ما يسمى بعوامل الخطر (riskfactors) التي تؤثِّر في جهوزية المراهق الذاتية لتحمل الصعاب. وللأهل الدور الأساس، إذ يجب أن يكونوا متزنين في تصرفاتهم تجاه أبنائهم كي يبعدوهم من الانحراف أو من أية اضطرابات سلوكية عبر تهيئتهم على تخطي مرحلة المراهقة من دون أي تأثير سلبي".

 

العلاجات النفسية

تلفت ديراني إلى أنَّ "علماء النفس والتربية يتفقون على أهمية إشراك المراهق في النقاشات التي تتناول علاج المشكلات التي يعاني منها، من باب تعويده على طرح مشكلاته، ومناقشتها مع الكبار بثقة وصراحة، كي لا يقع فريسة للجهل والضياع أو الإغراء. وقد أكدت الدراسات العلمية أنَّ "أكثر من 80% من مشكلات المراهقين في عالمنا العربي ناتجة من محاولة أولياء الأمور تسيير أولادهم بموجب آرائهم وعاداتهم وتقاليد مجتمعاتهم. لذا، تبرز أهمية العلاجات النفسية التي تختلف بحسب ديراني تبعاً للحال النفسية لكل مراهق، فهناك:

- العلاجات التي تترافق والعلاج الطبي

- العلاجات النفسية الإفرادية السلوكية والسيكودينامية

- العلاجات النفسية العائلية (Family Therapy)

العلاجات النفسية ضمن مجموعة (Group Therapy)"

 

إليكم هذه النصائح

وتضع الدكتورة ديراني مجموعة من النصائح والإرشادات التي توجهها للأهل:

- الإصغاء للأولاد حتى لو كان رأيهم مخالفاً لرأيكم عبر اعتماد الحوار الحر والمنفتح.

- إذا استطاع المراهق الإفصاح عن الخطأ، يجب عليكم استيعابه، فهذه خطوة إيجابية منه. أما إذا كنتم لا تحتملون الخطأ، فهذا سيكون عائقاً في كيفية التواصل في ما بينكم.

- يجب أن تمتلكوا قدرة على المحاورة الصادقة مع المراهق تسمح له الشعور بالحماية.

- عدم اقتصار الحوار على الشؤون الأكاديمية المرتبطة بالدرس والعلامات. إذ إن الأهل يتكلمون ويسألون عن علامات الجغرافيا والتاريخ والرياضيات. لذا، أقول لهم: أبعدوا المدرسة من أحاديثكم، وتكلموا معهم عن مواضيع الحياة، واستمعوا إلى تساؤلاتهم حول مسائل الحياة.

- تعرفوا إلى أصدقاء ابنكم/ ابنتكم كي تتأكدوا من صحة خياره أو عدمه.

- حاولوا معرفة التفاصيل المتعلقة بحياة أولادكم بعيداً من أسلوب التحقيق.

- إذا لاحظتم تغييرات في شخصية وتصرفات ولدكم، كالانزواء والعصبية والتوتر، يجب أن تدركوا أن هناك متغيراً ما".

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard