مي شدياق شُوي جسدها واحترق رأسها فكيف تنسى؟

14 تشرين الأول 2014 | 18:27

المصدر: "النهار"

(الصورة عن الانترنت)

تستعيد مي شدياق جسداً يُشوَى لحمه، وناراً تلتهم الرأس. تسع سنوات مرّت على خبث باطلٍ شاء إزالتها من الوجود، وكانت للطبيعة مشيئة أخرى، أشدّ ألماً من الموت، فنجت. لا معجزات تتحقق على أرض حملت لأبنائها قهراً يفوق استيعاب البدن. المرء ضعيفٌ أمام المصاب، يحتاج وقتاً لينسى، وقد لا يفعل. نسأل شدياق عن الزمن، أهو بلسمٌ أم عقاب؟ نسألها عن احتراق الروح، لا الأعضاء، وفقدان البهجة، لا الذراع والقدم. والوقت الذي يمضي ببطء مكرّساً عمق الجرح، والاختلاء ببدنٍ، هو نصف بدن، ومواجهته في المرآة. تختزل شدياق تشوّهاتٍ تصيِّر المرء راغباً في أرضٍ تبتلعه، لكنّها، بعزمها على قضّ المضاجع، تزيّن يباس الروح بفراشات صفراء بلون شعرها.


الألم الفردي والذاكرة العصيّة على الشفاء
يبدو السؤال أشبه بإنكار الجمر: أكان الموت، في تلك اللحظة، رغبةً مُلحَّة، خلاصاً مُشتَهى؟ تَصدُق قائلةً إنّ الألم خاصية صاحبه، وإن تعاطف مع معانيه الآخرون. تسرد جُملاً عن تحسُّس الوجع. واختراقه الخلايا حتى العظم. 36 جراحة إحداها استمرّت 12 ساعة، ولم تفعل في ترميم البدن. يسري ظنٌ بأن كلّ شيء انتهى. كوابيس تتحوّل مع الوقت أشباه هدهدة. لكنّ شدياق تركت نصف جسدها يحترق في السيارة، ونصفه الآخر يتألم الى الأبد. نحيلها على مأسوية الصورة، فتطالعنا بالعزم على تحدّي الألم. "أرغمتُ نفسي على عدم التسليم لليأس. لكلّ ألمٍ ألمٌ يفوقه حجماً. فقدتُ أبي منذ الصغر، وأخي أيضاً. سألتُ الربّ شيئاً من الرحمة. أخبرته أنّ المسيح لم يُصلَب على يدي، ولا طاقة لي على تحمّل الجلجلة. لم أفقد إيماني. ولا الأمل. ولكنّ أنّى لي أن أنسى؟ المشهد في الذاكرة حي متجدد عصيّ على الشفاء. شعرتُ بجسدي يُشوَى كفراخ على درجة حرارة مرعبة. رأيتُ يدي المقطوعة، والرذاذ الأسود متساقطاً عليّ حارقاً. كان شعري يحترق. فيلمٌ على طريقة تلفزيون الواقع، لم يشاهده أحدٌ سواي. لماذا قد أتحمّل عذاب البشرية بأسرها؟ راح يلّي راح. أن تستحيل فجأة من غير قدمٍ وذراع، جسداً أشبه بالخرائط، طارئاً لا يشبه جسدك. ذلك خللٌ يُبقي الداخل عُرضةً للتصدُّع، لكني لم أيأس. شاهدتُ الموت فما عدتُ أهابه. أردتُ للمجرم ألا ينتصر".


الأنوثة المسجونة في عبء اشتهاء الحرية
توافق شدياق المتنبي الزاعم بأنّ "مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد". تتداعى صورة صديقتها بولا فغالي على كرسيها المتحرّك الى ذاكرتها، كأنّ أوجاع الآخرين، أو مصابهم حاجة كي لا نُهزَم. يغدو الخيار سؤالاً هو المرّ والأمرّ في آن: "قدمان مشلولتان أم قدمٌ مبتورة استُبدلت بأخرى؟". نتحايل على الفجيعة بتجميل الحاجة الى المواساة. المرأة أنوثة وخصال أخرى. الوجه نجا، محافظاً على سماته، والجسد تغرّب عن كينونته كجسد. ثم إنّ المرأة، إذ تكسب وزناً زائداً، تحار في كيفية استعادة الهيئة المنتظِمة، الخالية من فوضى اشتهاء ما طاب من مأكل. "كانت صدمة أن أُحال على جسد مشوَّه". تتحوّل الشهوة من رغبة في التباهي بالأنوثة على شاطئ البحر مثلاً، أو بصرعات الموضة، الى اشتهاء الحرية، أي اعتاق الجسد من كونه مقيّداً بالحاجة الى آخرين يساعدونه في خطوته. ليس السفر متاحاً من غير صحبة شقيقتها. يدٌ واحدة، وأيضاً قدمٌ، لا تُيسِّران شؤون المرء، وإلا لخلق الله الإنسان على هيئة مماثلة. السجن ذاكرة مُعذِّبة وفقدان الاستقلالية. العائلة نعمة، وزجّها ضمن وضعية ضاغطة، نوعٌ من عبء، مهما بدت مرحِّبة. شدياق مواظبة على العمل، لا تهدأ، ومستمرّةٌ في التعليم والتأليف، تتنقّل وتسافر، وتسعى الى الفرح، فتتكامل وأسرتها، عوض أن تُشكِّل عليها حِملاً.


ليس حقداً، بل إدانة طمس الجرح
أردنا حديثاً عن شدياق المرأة التي تحمّلت. الموقف السياسي مألوفٌ للعامة، يُدان أم يُحمَد وفق وجهات النظر. كان لا بدّ من سؤال عن احتمال أحقادٍ تنمو في العمق، تغذّيها الأيام عوض أن تُطفئها. تجزم بأنّ غضب الداخل ليس حقداً، بل رفض مرور الفعل الجرمي كأنه لم يكن. تسمّي جهاتٍ سبق وأشارت الى تورّطها في إسكاتها، وتتساءل عن اعترافٍ بالجريمة لم يحدث. "إننا في كل الأحوال بشر. لنا ألا نتمنى الموت لخصومنا، لكن الى متى تُرجَأ المحاسبة؟ وحده الله يملك حساب مخلوقاته. لكني لا أستطيع المسامحة. أنا المتعايشة مع وجعٍ ليس هو وجع جراحة، فيُنسَى فور الشفاء، أو شعرٌ يتساقط بفعل علاج كيميائي فيُنسى الموقف مع نموّه مجدداً. أرادوا تحويل الضحية الى مجرم. ما عاد الحلم بأعجوبة ممكناً. هم الحاقدون إذا لم يجدوا سبيلاً سوى قتلي. هم الحاقدون إذ تتكرر الأماني بأن أُقتَل". نسألها عن السعادة بارتباك يولّده عبث المفردة. شيءٌ من بسمة ترفض الكآبة، وملامح شيء آخر خُرِّب، يبعث في الصوت تنهيدة، وربما غصّة تأبى الانكسار، فتقول: "الفرح لحظات. شبعٌ يتحقق بانجازات فردية وجماعية. عزم الأنا على تخطّي الهزيمة. وإقتناعٌ بأنّ السعادة بالمطلق لا وجود لها على هذه الأرض البتّة".


fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard