روبن وليامز يُفرِّح طرابلس لئلا تنتحر!

7 تشرين الأول 2014 | 18:43

المصدر: "النهار"

"بلوغ بلدي"

في ثنايا الأزقة، أولادٌ يصنعون من ضيق المساحة مجالاً للهو، وآخرون يصوغون من جدرانٍ مُهمَلة احتمالات فرح. ثمة مَن يمرّ، ويشاء عبر كتابات متسرِّعة ترك أثر. لحبيبةٍ ربما، أم لزمنٍ غادر. وعلى الجدار، ألوانٌ صارخة، ليس لانعدام تناسقها، أو لاختلال توازن الصورة، بل لأنّ المُراد قوله ينبثق من وجع. روبن وليامز على جدارٍ في طرابلس، مرسوماً بأسلوب الغرافيتي. يتخذ الرسم موقعه خارج الشارع العام حيث كثافة الحضور والزحمة المتراكمة، كأنّه يتقصّد تتبّعه والدلالة إليه، عوض تحصيله مصادفة. وتُسقَط على الرسم أيضاً دلالاتٌ عن طرابلس المدينة المراد أن تتورّط بمصير أسود.

في انتحار الصورة القاتمة

كأنّ الرسم أراد لانتحار وليامز أن يحول دون انتحار طرابلس. مُنتَحرٌ على جدار مدينة تواجه حتفها. هي وإن صدَّرت منتحرين، ستبقى حيّة. يشاء الرسم لو يملك وليامز انقاذها من انتحارها. المرسوم كائنٌ فارق الحياة مُنتحِراً، لكنه باقٍ حياً. كطرابلس بعد كلّ غيمة. وكلّ انجرافٍ نحو الفاجعة. يصبح المُنتحِر صورة طرابلس المخيفة، أو طرابلس "الإمارة". عكسُ انطباعٍ باللون الأسود ورايات الذبح. هي صرخةٌ بالألوان حيال ربطٍ بالضرورة ما بين الإرهاب والمدينة. قضى وليامز بجرعة مخدرات، وطرابلس لن تموت وإن سرّع ضالون إحالتها على الجحيم. يسقط الموت كصورة تختزل طرابلس، بصورة وليامز متجاسراً على الحضور في مدينة دان رئيس بلديتها نادر الغزال المُفطِر في شهر الصوم. ذعرٌ لن يحول دون رفض انتحار المدن بجرعة حروب زائدة. وليامز على الجدار عوض "لا اله إلا الله". يتمدد عوض تمدد "الدولة الإسلامية". باقٍ في المكان، لئلا تبقى هي ("الدولة") باقية.

ضحكة وليامز سخريةُ الواقع المتجهِّم

يُبقي الرسم على ضحكة وليامز، مطيحاً مُبرر انتحاره: الكآبة. طرابلس الكئيبة هي الأخرى قابلة لأن تضحك، كأنه الرسم ناطقاً. كاريكاتورية المشهد المرسوم، توازي الواقع كاريكاتوريةً. التجهّم الطرابلسي المتأتّي من احتكاكٍ بالحرب السورية، يقابله وجهٌ ضاحك. حزنُ النفوس في باطنها، والظاهر طبعُه أن يتكيّف. يروق الفن في مواضع الوجع الحضور الساخر. طرابلس قضية راب مثلاً أو مشاريع غرافيتي متنقلة. اجتراح نشاطٍ ينقُض العدمية. شبابُ المدينة ساخر، أَرَسم أو غنّى أو امتعض من تكريس صورتها الدموية المرعبة. وليامز خيارُ الشباب ليصل صوته رافضاً انتحار مدينته. استعارةُ دورٍ سينمائي أدّاه الرجل من أجل آخرين ليسوا جميعاً سعداء. ثم رحل ذات ليلة لئلا يشاركهم كآبته. موته ليس صورة أخيرةً في الذاكرة، كذا طرابلس اللُحى ووأد التنوّع.

خلف الضوء، البحثُ جارٍ عن رؤية

تتعمّد رسومٌ انشراح الأماكن، سعياً الى عيون عابرة وأخرى تتعمّد النظر. رسمُ وليامز خلف الضوء. استعادةٌ لحرمان الأزقة. يستحضرها في الأذهان بقايا مساحة من رطوبة ونقص وعزلة. رسمُ وليامز يتخذ من الزقاق صالة عرض. يفرض تعقّبه نحو شارعي رياض الصلح وعزمي، قرب "سنتر كريم"، في جوار "الحلّاب" وحلوياته. مَن يتنفّس الشوارع، تقوده رائحتها الى اللذائذ. ألوانٌ لذيذة أو مبادرات. الآتي من بعيد سيتتبّع أصحاب الرؤى خطوة خطوة. لن يضلّ طريقاً ليُشاهد وليامز مرسوماً على جدار مُهمَّش. في مدن الاضطراب، البحث جارٍ عن رؤية. عن أحدهم لا يرى الموت واجباً أو قدراً. ليس وليامز وحيداً على جدران متوجّسة من حرب شوارع. أسماء عدة خطّت فناً عوض نشازٍ يتضخَّم. طرابلس تحاول ألا تتشوّه.

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard