زياد الرحباني والأهواء الجنبلاطية في قراءة "حزب الله"

1 تشرين الأول 2014 | 19:39

المصدر: "النهار"

أكثَر زياد الرحباني في المدة الأخيرة المقابلات، حتى ساد ظنٌ أنّه قال وفاض. "59 وبزيادة" اختزالٌ لعمرٍ مضى يتقلّب بين المدّ والجزر. قطف جاد غصن ("الجديد")، في مقابلة الدقائق القليلة على هامش حفلات أحياها الرحباني في المعرض الثقافي الروسي، أهواء الرجل وهي تميل وفق اتجاه الرياح. لم يطرح اليساري "العتيق" استفهاماً عن قتال "حزب الله" في سوريا وإشكالية السلاح، ولم يحسم موقفاً حيال تورّط لبنان في الحرب. لم يستدرك تأييده أنظمة قمعية، ولم يقل "أنا أخطأت". عوض البحر، تناول الساقية، ومرّ على ما لا يعني الحزب إثارته: الحريات.

الرحيل بذريعة أنّ العيش لا يُطاق

المُتابع هيجان مواقع التواصل، يستعيد سؤالاً عن ماهية الرحباني و"لغزٍ" يحوط تركيبته، فيستحيل مادة نقاش إثر كلّ لقاء. الرجل بعضٌ من ذاكرة أثقلتها الحرب وهوى اليسار. نوستالجيا ممتدة الى حاضرٍ لم ينفصل برهة عن الأمس. قل زياد وتذكّر "أنا مش كافر". وردِّد أيضاً "طائفية وطائفيك"، وكليشيهات غنائية غدت أمثولة. نفحةٌ من أملٍ تمسّكت به الجماهير. ثم راحت "ترثوه" أمس عبر "فايسبوك" و"تويتر". صرَّح أنّه راحلٌ الى روسيا، ولم يقل سأهاجر. روسيا وُجهته، بغرض الموسيقى، "ولا تضارب مع الانتماء". ثقيلٌ الرحيل على مَن لم يترك له الوطن شيئاً لكنه لم ينهار. الرحباني حرٌ في إجهار يأسه. ليس لبنان اليوم أهلاً لأي دفاع. بلد الكرامة والشعب العنيد، يغدو للرحباني لعنة. شبّهه فايسبوكيٌّ بجنبلاط. قال إنه يتحوّل، وميلُ الأمس غيره الراهن. ذلك حقّه، كأي إنسان ينضج ويحسم عقلُه عواطفه. حقّه أن يقول سأرحل. ما عدتُ أطيق العيش. سأدعكم في هذه الجهنّم وأغادر، من غير أن يضطر الى ربط الرحيل بفرصة عمل في تلفزيون روسي. فايسبوكيّ آخر قال إنّ أمل المرء نفسه، لا أفراد لهم الحق في اليأس، ناصحاً الجماهير النادبة، والأخرى الساخطة بأن تدعه وشأنه. لكنّ الرحباني ذمّ الجمهورية بمفردات لا تشكِّل إضافة، كأنه بذلك يرمي حجراً في بئر سقته، ناسفاً نضال العُمر. طفح دلعٌ برغم السنوات الستين. لو لم تكن فرصة العمل في روسيا، هل كان ليتروّى؟ مساواة الجمهورية بألفاظ الشارع، وإن قالها الرحباني بـ"عفوية"، وامتلك أسباباً كافية للقهر، لا تُبرَّر.

ثم لماذا الآن؟

وحقٌّ المرء أيضاً اتباع مصالحه. ليس على طريقة "معك وعليك في آن واحد"، لكنّ القضية وحدها لا تسدّ رمق إنسان. ثم لماذا قرر الرحباني الآن أنه سيغادر، وأنّ لبنان لا يستحق العناء؟ ألأنّ خلافاً طرأ مع "حزب الله" وجهاتٍ تنطق بسياسته؟ هو سؤالٌ عن اللحظة، وكيفية بلوغها الذروة. يتراءى الرحباني باحثاً عن نفسه في مكان آخر، ليس هو الدرجة 360 بعد. كيف رآه الفايسبوكي جنبلاطياً وهو لم يقل صراحةً إنه ملّ سلوك "حزب الله"؟ يدرك الرحباني أنّ انتقاد الحزب لجهة التضييق على الحرية الفردية، وتهميش حركات المقاومة وعدم الاعتراف بتضحيات الشيوعيين في الصراع اللبناني- الإسرائيلي، بمثابة إبرة في كومة قشّ. الإشكالي، الى قضية الحريات، الموقف من الأنظمة الديكتاتورية والدفاع عنها تحت أي غطاء. اكتفى الرحباني بالعموميات، فاصلاً ما بين الحزب وقيادته، ومنتقداً التعتيم على اليسار. نُحبِّذ النقد ولو مرَّ لطيفاً، لكنّ الجوهر لم يُمسّ. لم يُصوِّب الرجل مرحلة بقدر ما أعطى مسوغاً لرحيله من لبنان. ثمة مَن يشوِّش على حفلاته، ويتعمّد مضايقته، وفي هذا البلد أيضاً، تُقطَع فجأة الكهرباء. لماذا يبقى إذاً؟ لم ينتظر ناشطو التواصل رداً على استفهام. امتلأ "فايسبوك" بـ"حِكم" قالها في المِحن، منها أنّه لا يريد تغيير البلد لكنه يخشى أنّ البلد قد يغيّره. وعبر "تويتر"، راقِب التغريدات على هاشتاغ #من_أقوال_زياد_الرحباني. لا مجال لسردها الآن، فإن شئت مشهداً، بادر الى البحث.

الرحباني عبقرياً أم طرفاً في الأزمات؟

وُصف الرجل بالعبقري، مسرحياته وإخراج والدته فيروز عن النمط، ودغدغته المشاعر العليا. ذلك قبل أن يغيِّر الحراك السوري مفهوم الصراع. تحوَّل الرحباني من ظاهرة فنية الى "طرف" سياسي يكرِّس الانقسام، وراح يُقال "شيوعيٌّ في حزب الله"! أفاد من الحريات في لبنان، فقدَّم فناً وظلّ في الوقت عينه يناصر "أعداء الفن". لاحقاً، كرر مواقفه، بمقابلة تلو أخرى قلّما أتت بجديد يُذكَر. ثم أفصح عن تعاون عميق مع مايا دياب، وضرب للجماهير مواعيد حفلات لم يحضرها. هل خذل الرحباني فئاتٍ، أو خذلته فئاتٌ فاستُبعِد؟ طوال الفترة السابقة راح يكتفي بالأرشيف وقصص الماضي، ويقدِّم نفسه أقرب الى ناشط سياسي منه الى فنان. مقالاته الصحافية، وعدم قدرته على ضبط شطحاته في المقابلات، ثم قرار الرحيل "الصادم". كلّها مراحل جعلت الرحباني تائهاً يتقلّب. تصبح الحال الزيادية خاضعة لمبدأ الفداء. في نبرة المتحسِّرين على رحيله استعدادٌ لفدائه "بالروح والدم" شريطة أن يبقى. كال في الجمهورية عبارات مسيئة إليه، وجمهوره لا تعنيه مهزلة مشابهة. ولاقى آراء تعارضه: انتقاد الحزب بعدما شاع أنهما على خلاف، لا خلال أيام "السمن على عسل"، ومغادرة لبنان شأنه كفنانين نظّروا للبقاء فيه وهم في الغربة.

أمكن الرحباني بعد هذا العُمر ألا يقع أسير الزلّات. عاش من التجارب ما يكفي ليدرك أنّ العقل لا بدّ، في مكان، أن يطغى. حماسته حيال تشهير الجمهورية ومساواتها بالقذارات، تجعل يأسه، لوهلة، موضع شكّ. كأنه افتعل كل هذه الخضّة لئلا يُلام لتركه لبنان من أجل وظيفة يبدو أنها تدرّ المال وهدوء الأعصاب.

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

 

  

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard