الزواج من أجنبية... الورطة لاحقاً!

17 أيلول 2014 | 11:12

"اللي  بياخذ من مِلّي مش ملتو بيوقع بعلّي مش علتو" مثل لبناني يصف حال المجتمع اللبناني وموروثاته الفكرية والثقافية والبيئية التي تختلف من شخص إلى آخر. فكيف إذا ما اختلف الوطن والهوية والجنسية بعد أن يصادف الرجل شريكة حياته خلال بحثه عن الرزق أو متابعة تحصيله العلمي في الخارج...نماذج حياة انتقلت من خارج حدود الوطن إلى داخله أو العكس بحثاً عن الاستقرار النفسي والعائلي، منها من وَجَد الحب والاستقرار واندمج في المجتمع ومنها من فضَّل الانسحاب. ما يطرح أسئلة عن مدى تقبل المجتمع للزواج المختلط؟ وكيفية انعكاسه نفسياً واجتماعياً على الأولاد؟ 

تجارب حياتية
طارق ابن لوالدة روسية تزوجت والده في روسيا حيث كان يكمل تحصيله العلمي وأتت معه إلى لبنان أيام الحرب الأهلية حيث واجهت صعوبات لناحية قدومها من بيئة منفتحة ومختلفة إلى بيئة لبنانية محافظة. إلا أنها انسجمت مع الوقت وتعلمت اللغة وحتى الطبخ اللبناني القروي مثل "الرب بندورة" وتحضير مونة الشتاء وغيرها من أطعمة القرية التقليدية. ملامح طارق الروسية بامتياز تساعده أحياناً أو تعاكسه. فهو حين يدخل إلى محل للثياب يظن الموظفون أنه أجنبي، يهرعون للاهتمام به فيستغل هذا الاهتمام ولا يخبرهم بأنه لبناني، بينما في سيارة الأجرة عندما يحاول السائق رفع التعرفة ظناً منها أنه سائح، يجيب طارق باللهجة اللبنانية أنه ليس أجنبياً. هو كوالده تزوج من فتاة روسية، لكنه يؤكد أن زواجه لا علاقة له بتربية والدته وكيفية تنشأته بل إن قلبه اختار.


كذلك، داود متزوج من بولونية منذ 32 عاماً. هو الذي تعلم في بولونيا، تعرف إلى زوجته وأحبها، ثم أتىمعها إلى لبنان وهما يعيشان هنا منذ ذلك الوقت. يقول داود إنه لم يلق أي رد فعل سلبي تجاه ارتباطه بأجنبية بل على العكس تقبل محيطه الاجتماعي وعائلته زواجه. برأيه إن موقف الرجل الصلب في وجه الناس هو ما يحد من تطفلهم على حياته، إذ يستطيع بشخصيته أن يفرض زوجته على الجميع. وبرأيه، "العادات والتربية بين لبنان والخارج لا تختلف إذا ما تمتع الشريكان بفكر حضاري بعيداً من التعصب الديني. وفي ما يتعلق بالأولاد، الزواج المختلط بين الأعراق والجنسيات يزيدهم ذكاءً وغناء اجتماعياً وثقافياً وفكرياً ولغوياً".


هذه التجربة اختلفت بالنسبة إلى ه. أ. الذي ولد من أم فيليبينية بعد أن تعرَّف والده إليها في إحدى الدول العربية حيث كان يعمل. أتى بها إلى لبنان حيث تقبلتها عائلته على مضض، ولاحقاً عاد الوالد إلى البلد الذي يعمل فيه تاركاً الزوجة والأولاد في مواجهة المجتمع. في الصغر تعلَّم اللغة الفيليبينية إلى جانب العربية. ولم يجد أي اختلاف بينه وبين أقرانه، كانوا يلعبون معاً ويدرسون معاً، ولكن مع وصوله لعمر المراهقة بدأت ملامحه تتغير وصارت شبيهة بملامح والدته. وكلما تقدم في العمر صار الأمر يشكل مصدر إزعاج له إن في المدرسة أو على الطرقات أو عندما يحاول التعرف إلى فتاة. ومع تأزم الوضع قررت والدته أخذه والذهاب للاستقرار في بلدها حيث ارتأت أنَّ أولادها هناك لن يشعروا بأي اختلاف.

 

العِقد اللبنانية
يعتبر الاختصاصي بعلم النفس العيادي الدكتور مايكل خوري في حديث لـ "النهار" أن "كل شيء خارج المألوف الاجتماعي يكون صعباً وفيه تحديات كبرى كالزواج المدني أو المثلي أو زواج مع فارق العمر أو الزواج من أجنبي، متغيرات لا يتقبلها مجتمعنا الذي يغلب عليه طابع الانعزال إلى حد ما أي الـnonconformist society، حيث لا تشجع البيئة الاجتماعية الاختلاف ولا تأخذنا نحو حلول".
ولكن لمَ نلجأ إلى الزواج المختلط؟ بالنسبة إلى خوري "الشخص الذي يسافر إلى الخارج معرَّض للتعرف على أناس من جنسيات مختلفة، ولكن ليس بالضرورة أن يختار جميعهم زوجة أجنبية. لكن من لا يعنيه اختلاف اللون أو العرق أو الدين، يبحث عن إنسانية المرأة بعيداً من الصفات التي تُفرضُ عليها. بينما يتزوج آخر من أجنبية عن سابق تصور وتصميم متحججاً بأنها "مش معقدة" كاللبنانية المتطلبة. وفي حين يفضل آخر الجمال الغربي، أو يجد رابع أنه ارتاح مع امرأة أجنبية بعد خوضه لعلاقة جنسية معها جعلته يشعر أنها المناسبة على عكس اللبنانية التي لا زالت تعتبر محافظة جداً في ما يتعلق بهذا الموضوع. كما يكون أحياناً العامل الاقتصادي دافعاً للزواج بأجنبية لا تطالبه بمنزل وعرس ضخم بل تقبل به من دون متطلبات.

 

بين الاندماج والرفض
يلفت خوري إلى أن "نسبة الاندماج تختلف من شخص إلى آخر. فنجد من تترك كلياً مفاهيم وتقاليد بلدها وتندمج في بلد زوجها وتتأثر بتقاليده، أو من لا تأخذ شيئاً من البلد القادمة إليه بل تتمسك بعاداتها وتقاليدها، أو نجد الصنف الثالث الذي يأخذ الأحسن من الاثنين. وهنا، يشكل هذا الأمر تحدياً للمرأة الأجنبية على الصعيد الفردي والعلاقة مع الزوج والمجتمع ودورها كأم. فعلى الصعيد الفردي يجب أن تأخذ قرارها "أين ستكون"، ثم في ما يتعلق بعلاقتها بزوجها، إذ عليها أن تبذل جهدها في التفاوض معه لاستمرار العلاقة ونجاحها لاحقاً في اختيار الأفضل لأولادها. وإذا حاولت ونجحت تكون قد حققت مبتغاها وأسست لحياة عائلية جيدة، أما إذا حاولت ولم تستطع الاستمرار ستجد عندها أن العودة إلى بلدها ومجتمعها أفضل حل.

 

لبناني ومش لبناني
يعتبر خوري أنَّ "المولود من أم أجنبية ووالد لبناني يعيش إما إقصاءً أو اندماجاً اجتماعياً على الصعيد العلائقي والديني والاجتماعي، فقد يتم قبوله من أقاربه وأقرانه في المدرسة أو الجامعة، كما قد يتم الابتعاد عنه وعزله إما بسبب لون بشرته أو ملامح وجهه وغيرها من الأسباب المرتبطة بالتربية المجتمعية في لبنان. من هنا، لا بد على الأهل من تحصين ولدهم لمواجهة التحديات الاجتماعية والعلائقية وجعله يتقبَّل نفسه على رغم تعرضه لكلامٍ قاسٍ في بعض الأحيان. ومن الضروري توعيته إلى المفاهيم الخاطئة المتداولة في المجتمع، وكيف يجب أن تكون ردود فعله تجاه كلام الآخرين ما يسمح له متابعة حياته بأقل ضرر ممكن. كذلك، عليهم أن يعلموا أن ما من مهرب، لذا، فالأفضل المواجهة".

 

الانغلاق والعنصرية
نستقبل الأجانب ونخبرهم عن تقاليدنا وبيئتنا وأغانينا ونمط حياتنا ونتفاخر بكل ذلك أمامهم، ولكن عندما تصبح الأمور شخصية تنقلب المقاييس كلها، فيميل مجتمعنا إلى الانغلاق، وتطغى عليه العنصرية رغم الانفتاح الذي يدعيه. فتصبح الاختلافات مصدر قهر لا غنى، ما ينعكس سلباً على الآخر المختلف الذي يحاول الاندماج قدر المستطاع والانصهار في المجتمع. وقد نتمكن يوماً من تخطي كل الاختلافات بالحوار والوعي والنضج، وإيجاد نقاط مشتركة عبر تعزيز المهارات التفاوضية.

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard