من المحاسبة إلى بيع اليانصيب

21 أيلول 2014 | 11:15

المصدر: "النهار"

نصادف في حياتنا اليوميّة عددًا كبيرًا من الأشخاص، ولكن قلّما تسنح لنا الفرصة للتعرّف بهم فعليًا. فنظرًا إلى سرعة حياتنا اليوميّة وزحتمها، قلّما ننظر إلى عيون الآخرين لنرى ماذا تخبئ. ونتيجة مشكلاتنا الخاصّة وانهماكنا بتأمين الأقساط الدراسيّة ودفع الفواتير الكثيرة قلّما نكترث بأوجاع الآخرين أو ما يشغل بالهم أو نلتفت إلى همومهم.

من هما رمزي ونجاة؟
الحج رمزي والستّ نجاة، ليسا نائبين في البرلمان اللبناني، وليسا مرشحين لرئاسة الجمهوريّة، وليسا من رجال الأعمال الكبار النافذين في البلد وكما يقال "يدبحان بظفرهما"، وليسا قريبي أحد المسؤولين أو الحزبيين، لكي يسعفهما الحظ، بل هما مواطنان عاديان، هو يبيع اليانصيب وهي ترافقه بعدما ارتضته شريكًا لحياتها منذ حوالى أربعين عامًا، فتتعرّف معه إلى الزبائن والوجوه الكثيرة التي تمرّ في شارع الحمرا يوميًا، خصوصًا بعدما تركت مهنة التعليم بعد عشرين عامًا من التعب.

الحج رمزي الذي يتكئ على عصاه لتساعده على المشي نتيجة معاناته من الديسك، متواجد دائمًا في شارع الحمرا، وبحسب ما يسرد لـ"النهار"، ترك ضيعته مرجعيون في عزّ شبابه وانتقل إلى بيروت بحثًا عن لقمة العيش والاستقرار، أمّا نجاة فهي من صور، وعاشت مع أهلها في بيروت وكانت أوضاعهم الماديّة جيّدة. القدر جمعهما وتأملا بالغد فارتبطا عام 1975 لبناء عائلة لكنهما لم يرزقا أولادًا، لكن سرعان ما اندلعت الحرب التي قلبت حياتهما رأسًا على عقب.

من المحاسبة إلى بيع اليانصيب
يعيش الحج رمزي اليوم في برج أبو حيدر في بيروت مع زوجته في منزل مستأجر. يبيع اليانصيب واللوتو منذ نهاية الحرب اللبنانيّة. قبل اندلاع الحرب كان يعمل في شركة محاسبة، لكن الدمار والقصف والعنف الدائر في الشوارع وتراجع الأوضاع الاقتصادية أجبر كثيرًا من الشركات على إقفال أبوابها، فصُرف من عمله. يتحدّث رمزي عن مسيرة بحثه عن عمل من دون جدوى ويقول: "بحثت كثيرًا عن عمل لكن من دون نتيجة، فاشتريت بسطة وصرت أبيع الألعاب والأدوات المنزليّة حتى قامت الدولة بعد انتهاء الحرب بمنعنا من وضع البسطات في الشوارع، بحثت عن عمل في وظيفتي الأساسيّة لكن أحدًا لم يقبل توظيفي بعدما كبرت، فلم أجد حلًا إلّا في بيع اليانصيب وأوراق الحظّ، وأخذ نسبة مئويّة على المبيع".

اليوم يبلغ الحج رمزي السابعة والسبعين من عمره، عيناه الزرقاوان تحملان أوجاعًا كثيرة وتخفي قصصًا مؤلمة، لكنهما ما زالتا تشعّان أملًا، ويقول: "ما زال لديّ أمل في هذه الحياة وإلّا لما وجدتني أعمل هنا. الحياة صعبة لولا فسحة الأمل. على الإنسان أن يتأمّل دائمًا. بيع اليانصيب لا يغني ولكن الحمدالله مستورين. لا أتحسر ولا أندم على شيء، فالحياة ناصيب".

وينك يا حظّ؟
وعن مصادفة بيعه الحظّ للناس، فيما هو يشكي من قلّة حظّه، يقول: "جرّبت حظي مرّات عدّة، ولكنني لم أربح يومًا، لا حظ لديّ. في إحدى المرّات ربح أحد الذين اشتروا مني اليانصيب الجائزة الكبرى، فقصدني وقدّم لي 100 ألف ليرة. أؤمن بالحظ، فالإنسان لا يمكنه العيش من دونه، لكن لكلّ منّا نصيبه في هذه الحياة. وإذا حدث وتبدّل حظي وربحت الجائزة يومًا ما، فسأشتري بيتًا، لأرتاح من الإيجارات وأسكن فيه براحة بال".

أمّا نجاة فتقول: "هناك حظ في الحياة، ولكن لكلّ إنسان نصيبه، مرّة لعبت اليانصيب وربحت جائزة ترضية بقيمة 60 ألف ليرة، فيما كانت الجائزة الكبرى 60 مليون ليرة. كانت الأرقام كلّها مطابقة باستثناء رقم واحد. اشتريت فيهم الحلوى. الدنيا حظّ. رقم واحد قد يحدّد حياة إنسان ويغيّرها".

الحرب قلبت حياتنا
وتضيف نجاة بحسرة ولوعة: "كانت الحياة جميلة، لكن منذ اندلاع الحرب اللبنانيّة انقلبت أوضاعنا رأسًا على عقب، نحن تزوّجنا في عام 1975. كنا في بداية حياتنا فأتت الحرب وخربتها، تدمّرت أرزاقنا وبيوتنا. كان والدي يملك متجرًا في باب إدريس ولكنه أغلق وتدمّر بسبب الحرب، وبعدها جُرف لإعمار وسط بيروت. عشنا مأساة ونحن في عزّ شبابنا. الحرب قلبت حياتنا، بدءًا من القصف، إلى الدمار، وحروب الشوارع، وخطوط التماس. أجمل ذكريات حياتنا كانت قبل الحرب فقط. كثيرون لا يدركون قيمة البلد. لبنان كان جنّة على الأرض واليوم أصبح صحراء".

ماضٍ ناقص
عمّا تتحدّثان عندما تضعان رأسيكما على الوسادة ليلًا؟ يرد الحج: "عن الكان يا ما كان"، وتعقّب نجاة: "عن الماضي الناقص تمامًا كما فعل كان". استأذنا وتابع عمله مناديًا: "يا ناصيب... السحب اليوم... جرّب حظّك...". فهل تنفع التجربة؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard