حكايتي في عالم الكوكايين والهيرويين

14 أيلول 2014 | 13:35

"قمت بتشطيب يدي بعد تناول الحبوب المخدرة".

على هامش المدينة وضجيجها، هناك عوالم صامتة تُمارس فيها الحياة بسرية. ضحاياها كثر وقلّما يتحدثون. من عالم المخدرات، يروي من يصح وصفه بالخبير في شؤونها لـ"النهار" تفاصيل كثيرة عن هذا العالم السري، عن أنواعها وأسعارها واثارها والاماكن التي تبتاع منها. وبالتأكيد ان نشر القصة ليس الا من باب التوعية من خطر يعشعش في مناطقنا واحيائنا وينمو بشكل صامت، وهو دعوة الى وقف تمدد الحشيش والكوكايين والهيرويين في عروق الشباب وأدمغتهم.

بداية الرحلة
"زرت جميع أصقاع عالم المخدرات ماعدا دولة الهيرويين، فرؤيتي لما حصل لمن قصدوها جعلتني أسحب طلب الفيزا قبل أن أقدمه. أولى رحلاتي كانت في عمر الرابعة عشر إلى دولة الحشيش من خلال صديق اعتاد زيارتي بعد عودتي من المدرسة، أعجبتني الرحلة وابتدأت بعدها بسنتين البحث عن دولة جديدة لاكتشف خفاياها، وهكذا إلى أن وصلت أرض الكوكايين"، هذا مقطع من حكاية المدمن (س،م) الذي روى لنا قصته بعد ضمانات بالتكتم على هويته. نشأ الشاب الثلاثيني يتيماً في عائلة متوسطة الحال، وتنقل في مهن عدة، اما مهنته الثابتة فكانت "القتال الشرس" على المحاور في معارك "7 ايار" وغيرها، كأحد "قبضايات" الاحياء الذين يهابهم كثر في بيئتهم الشعبية.
في احد الاحياء البيروتية الشعبية، جلس (س،م) داخل كاراج المبنى الذي يقطنه، أخذ نفساً عميقاً، أرجع "كاسيت" الزمن إلى الوراء وقال: "كأي مراهق يعتبر أن حمل السيجارة شيء من الرجولة بدأ مشواري، لكن سيجارتي كانت من العيار الثقيل، الحشيش، أذكر أننا كنا في الحرب اللبنانية وكنت أقصد منطقة الأوزاعي، تحديداً منزل "أم فراس" لشرائها بألفين وخمسمائة ليرة لبنانية للنص ربع ( 25 غرام)، لكن مع الوقت تعرفت على مجموعة من الشباب تعلمت منهم شرب الكحول والسهر، لانتقل بعدها إلى الحبوب بأنواعها المختلفة حتى وصلت إلى الكوكايين".

أنواع الحبوب
استطرد الشاب الثلاثيني بشرح أنواع الحبوب التي تعاطها لمدة عشرة سنوات من "الدولسانا" الى "السيمو" الذي كان مصدره سوريا ويبتاعه من الضاحية الجنوبية، الا أنه لم يعد موجوداً الآن ليحل مكانه "الكماكيمو" و دواء الأطفال "بيبيكال" الذي لم يعجبه على عكس "الدولسانا" الذي كان لذيذاً، و"اللاغنسي" الذي يمنح الانسان شعوراً بالحنان وغيرها الكثير".
يتابع: "بعد الحبوب، انتقلتُ الى الكوكايين، أما المذبحة فلم تكن في الكوكايين عبر الشم لكن عبر الحرق حيث يتم التعاطي من خلال زجاجة، وعندما كنت أتعاطاها مع أصدقائي، كان يدب الرعب فينا، حيث يقف شخص قرب منظار الباب للمراقبة وآخر على الشرفة خوفاً من الشرطة... الكوكايين -الحرق يكون كالحجاره لونه "بايج"، نضع ماء في زجاجة وسانيتا على غطائها، وبعد ثقبها يتم وضع التبغ والكوكايين وحرقهما لنبدأ التعاطي من خلال قلم مفرغ ،اذ تصبح حينها كالأركيلة، "أول شفطة والثانية "بتعبي" الجمجمة".

قابلية الانحراف
أعاد (س،م) السبب في تعاطي المخدرات إلى بيئة الشخص ثم قابليته للإنحراف، مؤكداً أن لا أحد يجبر شخصاً على شيء، مضيفاً "عندما علمت والدتي بالأمر بعد مرور ثلاث سنوات من تعاطيّ المخدرات صُعقت، لكنني لم أكن احتاجها مادياً، فأنا أعمل منذ صغري أثناء العطل الصيفية إلى أن تركت المدرسة، فبدأت أتنقل من عمل إلى آخر، من الدهان إلى اعمال البناء وصولاً إلى تجارة السيارة، حيث كنت ابتاع سيارة من مرفأ بيروت، أجري تصليحات عليها وأبيعها، وتطور عملي إلى شراء سيارتين فثلاثة وصولاً إلى تجارة السيارات عبر الانترنت".
اما زوجته التي ارتبط بها بعد قصة حب دامت سنوات، فهي تعلم قبل الارتباط بأنه يتعاطى الممنوعات، كما يقول، ورغم كل محاولاتها إلا أنه لم يتوقف او يقدم على خطوة للمعالجة، كما أن أولاده على علم بذلك، وحين نستغرب الامر يبادر قائلاً:" انا غير مقصر في حق عائلتي من الناحية المادية حيث أؤمن لهم جميع طلباتهم".

"السلفيا" عالم آخر
نوع جديد من الحشيش يتم ترويجه في الأسواق اللبنانية هو" السلفيا" جربه (س،م) ويقول ان مفعوله صاروخي، فـ"على مدار 22 عاماً لم يؤثر بي أي نوع كهذا، عندما تعاطيته شعرت أن جسمي ورأسي موجودان لكن عقلي فارقني، حينها أخذني ما بقي لديّ من تفكير إلى عالم الموتى والمقابر، فلا يوجد مقبرة إلا وزرتها في الخيال، بعدها قررت ألا أعيد الكرة".

أرباب التجارة
وعند سؤاله عن المكان الذي يحصل منه على الممنوعات، أجاب: "ليست الامور طائفية، لكن أغلب التجار هم من طائفة واحدة، وباقي الطوائف مروّجون، أما أشهر تاجر اليوم فهو أبو سلة يقطن في احدى ضواحي بيروت وهو لقب كذلك لأن من يقصده يضع المال في السلّة التي يتم انزالها من على الشرفة، يقول طلبه على الانترفون وبعدها يحصل على المخدرات في السلّة، كما يوجد شخص آخر من عائلة بقاعية وهو يبيع الكوكايين والحشيش".
وأضاف: "الحبوب والكماكيو والسيمو والترامل والرفوتريل يتم بيعها في أحد المخيّمات الفلسطينية قرب الضاحية وفي حي شهير في احدى الضواحي، الكوكايين وإن كان موجوداً في المخيّم الفلسطيني إلا أن نوعيته رديئة وافضل أنواعه في منطقتين في ضواحي بيروت، أما الهيرويين فيباع ففي منطقة قريبة من المطار".

كل مادة ولها سعرها
استرسل (س،م) في الحديث عن أسعار المخدرات قائلاً: "سعر الحشيش نص ربع ( 25 غرام) بين الخمسين والستين ألف ليرة لبنانية، والسلفيا وهي نوع من الحشيش تباع في أكياس شكلها كنبتة الملوخية سعرها يتراوح بين 25 ألف إلى 30 ألف ل.ل .، الكوكايين العادي الشم الغرام بـ 100 ألف ل.ل، أما "النت" بـ 100 دولار، "الباز" (الباز هو كوكايين الحرق)العادي بـ 100 ألف ل.ل ، و"الباز النت" بـ 100 دولار، وأسعار الكوكايين المرتفعة تجعل الذين يتعاطونها من الطبقة المخملية على عكس الهيرويين الذي يبلغ سعر غرامه 20 دولار".
وأضاف:" في السجن يرتفع السعر وكأننا في السوق السوداء، فحبة الرفوتريل مثلاً تباع بـ 10 دولار في حين أن العلبة التي تحتوي على 30 حبة خارج السجن سعرها 10 دولار، مع العلم أن هذه الحبة تجعل من الإنسان مجرماً ومستعداً للقتل، وهي أسرع حبة توصل متعاطيها الى السجن، وقد قمت بتشطيب يدي بعد تناولها، مع ملاحظة ان الغرام يعادل 10 "شحطات" لكن التجار يبيعونه 7 شحطات حسب الزبون وعلاقتهم به" .

لكل واحد عالمه
لا ينسجم متعاطي الكوكايين مع متعاطي الهيرويين فلكل منهما مزاجه وعالمه، كما أن تأثير المخدرات يظهر بشكل مختلف عليهما، وفق محدثنا، فـ "الكوكنجي تمكن معرفته من خلال بؤبؤ عينيه الذي يتسع حتى أنه لا يرمش، في حين لا يستطيع متعاطي الهيرويين فتحهما جيداً، أما بالنسبة للحشيش فيحوّل بياض العين إلى اللون الأحمر بعد أن ينفخ أهدابها".
وعن ما نسمعه من أن متعاطي المخدرات مستعد للسرقة لتأمينها، أجاب: "متعاطي الهيرويين فقط، هو على استعداد كذلك ليبيع كل ما يملك، خاصة عندما ينتقل من مرحلة الشم إلى حرقها وصولاً إلى التعاطي عن الطريق الإبر، واذا كان متعاطي الكوكايين يستطيع أن يتحكم بنفسه، فإن المدمن على الهيرويين لا يستطيع الخروج من هذا العالم إلا من خلال مساعدة مختصين، فعلاً لا أتمنى هذه المادة حتى لعدوي".

Up وDown
المخدرات قسمان Up و Down، والكوكايين وبعض أنواع الحبوب كالرفتريل والاكستاسي، هي Up حيث ترفع نبضات القلب وتشعر المتعاطي بالوعي، أما الهيرويين والسيمو والكاماكيمو والدولسانا والحشيش فهي Down حيث تشعره بالارتخاء، " لذلك كنت أتعاطى ورفقاء السلاح الكوكايين ليلاً كي نبقى مستيقظين للمعارك في 7 أيار وغيرها".
ولا يتردد في القول ان المخدرات أخذته إلى الجنس الجماعي(Orgy): " كنا نمارس الجنس الجماعي بعد سهره عامرة بشرب الكحول و تعاطي الكوكايين، حتى أن البعض لم يكن يهدأ إلا إذا ختمها بالهيرويين كي يستطيع النوم...لقد حصل هذا الامر مراراً، فالسوء يجر سوءاً".

أحكام بعيدة عن الورق
(س،م) الذي دخل إلى سجن رومية ما يفوق العشرين مرة بحكم التعاطي تحدث من منظار قانوني متمرس على أرض الواقع بعيداً عما تنص عليه المواد قائلاً: "إذا تم ايقافك ومعك "كيس" واحد يعتبر الامر تعاطياً شخصياً أما إذا كان معك "كيسان" فيعتبر ترويجاً، وفي تهمة التعاطي يحكم على الشخص من خمسة أيام إلى شهر بحسب ما إذا كانت المرة الأولى التي تم توقيفه أم لا، أما إذا كان مروّجاً فيحكم بدءاً من ثلاث سنوات، في حين يحكم على التاجر من خمس سنوات وما فوق وكله حسب الوساطة". وتساءل: " لماذا يتم ايقاف المتعاطي ولا يتم ايقاف التاجر الذي يدمر الشباب ببيعه هذه المواد؟" .
وختم قائلاً: "انا أظلم نفسي بتعاطي المخدرات وليس أي شخص آخر، لكن بالتأكيد لا أقبل أن يتعاطاها أولادي، فالجو الذي نشأت فيه يختلف عن جو اليوم، أعلم أن هذا ليس عذاراً لكن الكوكايين اليوم هو عشقي فهل من أحد يتنازل عن معشوقته!؟ ".

فاهي حديديان .... تنظيم قطاع الصاغة ضروري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard