"وادي الذئاب" وجدلية ذبح العرب

10 أيلول 2014 | 16:00

المصدر: "النهار"

صورة لأبطال مسلسل "وادي الذئاب".

كان ذلك قبل نحوٍ من سبع سنوات، حين بان عزمٌ على تعديل مفهوم الإنتاج التركي وتفادي حصره في آهات العشّاق والانتحار. يصبح الديبلوماسي علي، بعد جراحة تجميلية، مراد علمدار، رجل الحسابات الكبرى في تركيا. في الـ2007، عُرِض الجزء الأول من "وادي الذئاب"، وفي 2014، يترقّب توّاقون الى سياق درامي مغاير للنمط، الجزء التاسع من مسلسل بُنيته الجريمة والعنف والضمير الميت.

مخاض اللامزاح
سيبدو ذلك قبيلاً من الذهول أمام نصٍّ مُمثَّل، أو فتنةً بأبطاله وبهجة بكيفية محاكاتهم حال تحكُّم الأفراد بمصير الجماعات. لنقل أنّ أياً من الإنتاجات التركية لم يأسر الحواس ويمرّن العقل على التحرّك، ويقلّص مسافات بين الحقيقي والمُتخيَّل، كـ"وادي الذئاب". إنه العالم السفلي في تركيا، حيث لا مزاح مع وجوه ابتسامتها صفراء. على المرء أن يُهمِّش ضميره، ثم يستحضره في أي وقت. يجمع مراد علمدار (نجاتي شاشماز) موت الضمير وولادته المتجددة لحظة الإنسانية والعدل والأخلاق. المسلسل أجزاءٌ، أو مراحل مخاض. هو تركيا في الكواليس، وغزة الأسلحة والأنفاق، والعراق منابع النفط، ولبنان تهريب المخدرات، واليوم، في جزئه التاسع، هو العنف والتطرّف مُختزلان بتنظيم "الدولة الإسلامية"، إذ يُظهِر الإعلان الترويجي "داعشياً" يتحضّر لحزّ العناق، مُنذراً بجزء جدلي، له أن يمثّل الموقف التركي الرسمي من حروب العرب، وله، في آن واحد، أن يمثّل نفسه فحسب، تاركاً الملايين تتساءل عن "ضوء أخضر" حكومي يتيح للجهات المنتجة تضمين المسلسل بُنياناً ركيزته "لعبة الأمم"، مقابل انكشاف السياسة التركية كطرف في بعض المعادلات.


ميماتي ودائرة المعلم
المسلسل نظام متكامل من مشاعر ورغبات وتضارب مصالح. فيه الجانبان الشخصي والعام، يصنعان معاً شخصيات من فصل تام ما بين العاطفة والقسوة. تابعنا تعلّق ميماتي باش (غوركان أويغون) بطفله قبل مقتله بطلقة رصاص، وتابعناه كائناً تحجّر قلبه، ويبست أحاسيسه كتركيبة من جماد. رجلٌ لا يعرف رحابة الصدر. دفن نفسه منذ دفن ابنه، وأمسى عاجزاً عن استعادة الحياة. ميماتي ومراد، أروع تحالف شهده تاريخ الدراما التركية. هو لقاء التهوّر مع العقل. حتى عبدالحي (كنعان جوبان)، لم يملأ مكان باش. للمعلم مراد ثقة مطلقة به، وإن جعلتها الظروف في أحيان عرضة للشك. المسلسل دليل الى اهتزاز كلّ شيء، حتى المبدأ والقضية. لا يؤمن بالخط المستقيم. الحياة تعرّجات، والدائرة تصيب المرء بالاختناق. الشخصيات جميعها كثافة فوضوية تحرّكها غريزة البقاء. لا ينزلق المسلسل نحو مأزق الثنائيات. ليس همّه انتصار الخير على الشر، تاركاً للعدل أن يتحقق بعد أثمان مُكلفة.


في درامية الكوكب
هو خلفيّة الميل الوجودي الى السلطة، وصراع أمن الدولة مع منظّمات تحرّكها أجهزة مخابرات عالمية (اسكندر وفيلر وزازا...)، غايتها تخريب الوطن وتصفية مَن يسعى الى تطهيره من الفساد. كأنه الكوكب بقواه العظمى وأنظمته العسكرية، وسباقه على التسلّح والتغطرس وخوض الحرب، هو العمل، آتياً على ذكر الدور الأميركي في المنطقة، وجهاز الاستخبارات الروسية، ومصالح إيران بغية تسوية ملفّها النووي، الى المذهبية في العراق، وأطماع إسرائيل في غزّة، وسلاح "حماس"، واستراتيجية "حزب الله". ذلك كلّه في أجزاء سابقة، مُعطياً لكل شخصية وظيفة في تنمية النزاعات، في موازاة شخصيات تسعى الى الحدّ منها توقاً الى دولة أقلّ تورّطاً بمآسي الشعوب المقهورة وبرك الدم.
يُنتظر من جديده موقفٌ من "الدولة الإسلامية"، والحرب الإسرائيلية على غزّة، ومقاربة "موضوعية" للأزمة في سوريا، وتدمير المنطقة بذريعة الإسلام.

 

 


fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard