فاتي اكين لـ"النهار": انجزتُ "القطع" من أجل والدي التركي والمسلم الذي ينكر الإبادة!

4 أيلول 2014 | 13:09

"القطع" لفاتي أكين كان قبل عرضه صباح الأحد الماضي في جزيرة الليدو أحد الأفلام المنتظرة في دورة هذه السنة من مهرجان البندقية (27 آب ـ 6 أيلول). ابادة الأتراك للأرمن قضية لم تتناولها السينما الا نادراً، خلافاً لـ"منافستها" اليهودية التي أصبحت مادة لمئات الأفلام على مرّ التاريخ. فما بالك اذا انقضّ عليها مخرج تركي يريد تصفية حساباته مع ماضٍ ثقيل يشعر بعبئه، كما قال لـ"النهار" في المقابلة الآتية التي أجريناها معه بعد يومين على العرض العالمي الأول للفيلم.

عندما التقيتُ صاحب "حافة الجنة"، المخرج أكين، في نادي التنس الفينيسي، وجدته مهموماً أكثر مما يلزم بالاستقبال الفاتر الذي حظي به الفيلم. رأيتُ أكين فرحاً بالنجوم الخمس التي منحه إياها الناقد السينمائي المصري سمير فريد. مراراً، فتح النشرة التي ظهرت فيها نجوم النقاد المعتمدين، وكأنه طفل صغير حاز اغلى ما يطلبه. ثم، التفت الى مسؤول الجهة الإيطالية للانتاج، فلامينيو زدرا، وقال له: "هذا الرجل (فريد) من مصر، يعرف معاناة أهل هذه المنطقة. النقّاد الآخرون بورجوازيون".

من الأشياء التي تحفّظ عنها بعض النقاد: كلاسيكية الفيلم. أغضبهم أيضاً أن الكل في "القطع" يتكلم لغته الأم، إلا الأرمن الذين يتكلمون الانكليزية بلكنة أرمنية. عندما سألته عن سبب هذا الخيار، ردّ ممازحاً: في أي لغة نتكلم الآن معاً؟ الانكليزية! الفيلم اتُهم أيضاً بالإفراط في الميلودراما والعنف. بعضهم فاته ربما أن أكين لم يصوّر نزهة إكزوتيكية الى الشرق الاوسط، بل جريمة لا يزال أحفاد مرتكبيها ينكرونها. هذا فيلم ناضل أكين ولا يزال يناضل من أجل فرضه على الرأي العام التركي. سبعة أعوام وهو يبحث عن الشكل المثالي لنقل الإبادة الى الشاشة. دول عدة شاركت في الانتاج، في مقدّمها فرنسا وألمانيا، ما أعطى العمل طابعاً دولياً.

النتيجة مبهرة على أكثر من صعيد. أنجز أكين فيلماً جماهيرياً من النوع الرصين. أولاً، هذا من الأفلام التي لم تعد على الموضة (فكرة يؤكد عليها مارتن سكورسيزي في الملف الصحفي للفيلم)، لأسباب كثيرة، أبرزها أن السينما الحالية لم تعد تحبّ المساحات الشاسعة، وعبور القارات، ولم تعد تؤمن بسوى الحلول السيناريستية التي تغذّي الميل الى اللؤم. الملاحم لم تعد تجدي ولا تشبع حاجة الناس الى تجاوز الواقع والسخرية منه.
أكين يسير هنا عكس التيار. فيلمه يتطلع الى العالم من الزاوية الواسعة. لم يقبل هذا الحائز "الدب الذهب" في برلين (2004)، إلاّ أن يصوّر بالـ35 ملم والسينماسكوب. ليس هذا وحده ما يجعله يحذو حذو أحد الملهمين له في هذا الفيلم: سيرجيو ليوني. فالفيلم يحمل شيئاً من الوسترن تدعمه الموسيقى التصويرية البديعة التي وضعها ألكسندر هاكه.

يلماز غونيه وعدو الشعب

- [يشير فاتي أكين الى شاب يقف بالقرب منا]. هذا هو الممثل الذي أريده أن يضطلع بدور يلماز غونيه في فيلمي المقبل. أو ربما في أحد أفلامي المقبلة [توضيح من المحرر: المخرج الكوردي يلماز غوينه، الحائز على "سعفة" كانّ، اضطهدته السلطات التركية وسجنته، قبل ان يموت من السرطان في باريس عام 1984].

* بعد فيلم عن مجازر الأرمن وفيلم آخر عن يلماز غونيه ستصبح "عدوّ الشعب رقم واحد" في تركيا، أليس كذلك؟

ـــ تقصد "بابليك انيمي"، فرقة الموسيقى الأميركية؟ أجل أحبّها (ضحك).

* صرحتَ بأن الشعب التركي الآن بات مستعداً للتحدث عن هذه القضية، ولكن ماذا عن الحكومة والدولة التركيتين؟

- أعتقد أن الدولة مستعدة منذ زمن بعيد. على الأقل، أتاحت المجال للآخرين كي يتكلموا عن الإبادة. بعد 2007، نشأت في تركيا حركة شعبية غير منظمة. هؤلاء بدأوا ينشرون الوعي حول ما حدث عام 1915، من خلال الكتب واللوحات الخ. عاجلاً أم أجلاً، كان على السينما أن تلتحق بهذه الحركة الناشئة. في 24 من نيسان، يوم ذكرى الإبادة، يمكنك في تركيا اليوم أن تنظّم تظاهرة. صار هناك شيء من الانفتاح في هذا المجال. اليوم، صارت تصلني أولى المقالات التي كُتبت عن الفيلم في تركيا. قرأتها، وأنا سعيد بأنها تشيد بالفيلم، مع العلم أنها كتابات سياسية لا سينمائية. بعض الكتّاب قال إنه يجب عرض هذا الفيلم في تركيا.

* ولكن، لنعد قليلاً الى الخلف. في مقابلة لي معك في كانون الاول من العام الماضي، قلت إنك تفكر في إنجاز هذا الفيلم منذ سبع سنوات. ما الذي جعلك تلتفت الى هذا الموضوع؟

- حقاً، لا أعرف. ابادة الأرمن شيء طاردني طوال حياتي، مذ كنت مراهقاً، ومذ سمعت عنها للمرة الأولى. الإبادة عبء عاطفي هائل، لأنها أُنكرت وأُهملت. كونها تابو جعلني أهتم بها أكثر فأكثر. وكلما كنت أطلع على تفاصيلها، كنت أدرك مدى كونها تابو. اليوم، لم أعد أذكر تحديداً المرة الأولى التي سمعتُ فيها عن الإبادة. كل ما أذكر اني لحظة سماعي عنها انحزتُ الى الأتراك لاشعورياً. كانت تلك المرة الأولى أشعر فيها بقوميتي التركية. كنا في المدرسة. وعندما عدتُ الى المنزل، قال لي والداي إن هذا كله أكاذيب اختلقها الأرمن وإن الإبادة لم تحصل، وطلبا مني ألاّ أتحدث عنها. بدلاً من أن أكتفي بتوصياتهما، ذهبتُ الى المكتبة. قرأتُ كثيراً عن القضية. ثم اكتشفتُ كتاب فرانتز فرفل "الأيام الأربعون لجبل موسى". هكذا بدأ كل شيء. كان من الواضح أنني سأنجز فيلماً عن هذه القضية في يوم من الأيام. كانت مسألة وقت.

من كازان الى شابلن

* لمَ استغرق المشروع هذا الوقت كله؟

- قبل سبع سنوات، كنتُ أحاول أن أنجز فيلماً عن مهاجر يوناني عام 1922، مع أدام بوسدوكوس. حكاية مغنٍّ تقطع عصابة حنجرته فيخسر صوته، ليضطر بعد ذلك تحت الضغط للرحيل الى أميركا. ثم، أدركنا أن المشروع مكلف جداً فعدنا أدراجنا وأنجزنا "مطبخ الروح". لكن الأفكار التي دوّنتها لمناسبة هذا المشروع بقيت في دفتري. بعدها، خطر في بالي إنجاز فيلم عن الصحافي الأرمني التركي هرانت دينك الذي اغتيل في تركيا. كنا دخلنا مرحلة ما بعد 2007. جهزتُ السيناريو، لكن رفض الممثل الذي كنتُ أريد إسناد دور دينك إليه، وكنت كتبتُ الدور من أجله! حاولتُ مع أربعة ممثلين آخرين: رفض قاطع من الجميع. احترمتُ خيارهم، ولا ألومهم. فأنا أقيم في المانيا، أما هم فيعيشون في تركيا. كنت أسألهم: هل تعتقدون أن أحداً سيغتالكم بعد هذا الفيلم؟ كان الواحد منهم يقول إن هناك خطراً في ان يتعرف إليه احد عندما يكون خارجاً من حانة مثلاً، ويتعرض له جسدياً. بعد هذا الرفض، عدتُ الى حكاية المهاجر اليوناني وحوّلته الى أرمني. هذا القرار اتخذته عام 2010. منذ ذلك التاريخ، عملتُ على الفيلم بشكل يومي.

* يونانيون وأرمن، هذا يحملنا الى ايليا كازان. هل كان مصدر وحي سينمائي عندك؟

- جداً. كان المصدر الأهم. مع شابلن طبعاً. وسيرجيو ليوني. في أفلام شابلن، نجهل من هي شخصية شارلو. ليس عندنا أيّ معلومات عن خلفيته الاجتماعية. هو يثير الضحك لكنه حزين وتائه. قد يكون أرمنياً، لا أحد يعرف.

والدي والفيلم الروماني

* في "القطع"، البطل يصاب بالبكم ما يجعله واحداً من تلك الشخصيات في الأفلام الصامتة، وخصوصاً أن الفيلم تجري حوادثه في زمن السينما الصامتة.

- أجريتُ أبحاثاً مختلفة للإتيان بتجسيد دقيق عن تلك المرحلة. أفضل طريقة لابتكار الأزياء مثلاً كانت أن نرجع الى أفلام تلك الفترة. بدأتُ أشاهد أفلام شابلن مثلاً، ولكن بعد فترة لم أعد أرى إلاّ شابلن في الكادر. القوة البصرية لأفلامه كبيرة جداً. بصراحة أقول: أول مُشاهد في بالي كان المشاهد التركي، وليس فقط المثقفين بل الجميع. كنت أريد التوجه الى ناس في مثل حال والدي: رجل من الطبقة الوسطى ينكر حصول الإبادة. حاولتُ أن أنجز فيلماً يجد فيه نفسه. هذا المسلم الذي يصلّي خمس مرات في اليوم الواحد، كنت أريده أن يهتمّ بمصير ربّ عائلة مسيحي يبحث عن ابنتيه. لم أكن أريد أن أتحداه من منظور سينمائي، يكفي أنني أتحداه في مجالات اخرى. لا أخفي أن المشاهد الأرمني هو الآخر كان في بالي، سواء أرمن أرمينيا او الأرمن الذين في مختلف أنحاء العالم أو أرمن تركيا. هؤلاء ثلاثة أنواع من الأرمن مربوطون بمعاناة تاريخية واحدة. التحدي كان الآتي: هل من الممكن أن أنجز فيلماً يتماهى والدي فيه مع الحكاية التي يطرحها، وفي الوقت نفسه يتيح للأرمن القول: نعم، هذا ما حصل؟ كان من الصعب جداً تقريب وجهات النظر حول صراع عمره مئة عام. كان عليّ أن أنقّب في الجانر السينمائي الذي تحبّه الطبقة العاملة: الملحمة، ديفيد لين، "لورنس العرب"... أبي يعرف جيداً أفلام لين، لكنه لا يعرف "أربعة اشهر، ثلاثة أسابيع ويومان" (ضحك).

تروما لم نتعالج منها

* هل التركيز في الفيلم على البُعد الديني للإبادة جاء نتيجة أبحاث تاريخية؟

- كل شيء في الفيلم موثّق ويرتكز على معطيات تاريخية لا يمكن التشكيك في صحتها. ذهبتُ عند تانر أكشام، وكان مصدر إلهام كبير لي. كتب أكشام كثيراً عما حصل. وهذه الأشياء التي أُريها في الفيلم حصلت فعلاً: بعضهم أُجبر على تغيير ديانته. وعندما كان أحدهم يعتنق الاسلام، أحياناً - وليس دائماً - كان الأتراك يتركونه حياً. هذا ليس فيلماً علمياً عن الإبادة، فللابادة أوجه مختلفة وأسباب مختلفة، كانت الغيرة أحدها. أتكلم عن غيرة الأتراك من الأرمن. لهذا السبب وضعتُ مشهداً عن الغيرة في مطلع الفيلم. هؤلاء الذين اعتنقوا الإسلام يسمّونهم في تركيا "دومنيه". ليس عليَّ أن أقول هذا، لكنه معطى علمي: المحرقة كانت محض عنصرية، بمعنى أنه كان ينبغي محو اليهود من الوجود. بينما لم تكن رغبة الأتراك قتل كل الأرمن، بل التخفيف من حضورهم في بعض المناطق والتقليل من شأنهم في مناطق معينة. النازيون لم يكونوا يقبلون أن يتحول اليهود الى مسيحيين.

* هناك آنيّة معينة في ما يظهره الفيلم، وخصوصاً مع ما يحصل اليوم في المنطقة من صعود فظيع للأصوليات في ما يسمّى "الدولة الاسلامية"...

- هذا كلّه لم يكن بدأ في مرحلة كتابتي للقصة. اليوم أسوأ من قبل، ذلك أن الصراع لم يعد قائماً بين المسيحية والاسلام، إنما بين الاسلام وفروعه. حتى الإرهابيون باتوا على أنواع وعقائد ومذاهب. في رأيي، هذا كلّه يحصل بسبب انعدام المراجعة التاريخية في تلك المنطقة من العالم. هناك "تروما" عميقة أحدثت شرخاً ولم نعالجها. لم نتصارح. ماذا تفعل عندما تعاني من خلل نفسي؟ تذهب الى الطبيب. عليك أن تواجه المشكلة اذا أردت الشفاء منها. لماذا لم تعد البلدان الأوروبية تتقاتل بسبب ما حصل في الحربين العالميتين الاولى والثانية؟ لأنها قفزت فوقهما وأنجزت أفلاماً وكتباً عن تلك المرحلة. هناك سياسيون اجتمعوا وقرروا عدم العودة الى الوراء. اسمّيها ثقافة المراجعة، الشيء الذي لا نملكه. للمناسبة، عندي رغبة كبيرة في إنجاز فيلم عن الحرب، فيلم على طريقة كوبريك في "فول ميتال جاكيت"، وقد تكون منطقة الشرق الاوسط تلك أرضاً خصبة لخيالي.

ابليس في كلّ منا

* هل عنوان الفيلم، "القطع"، يعبّر عن هذا الانفصال عن التاريخ؟

- القطع ينسحب على أشياء كثيرة: الانقطاع عن العائلة مثلاً. عندما تذهب الى يريفان، تجد نصباً تذكارياً عن الإبادة تعلوه شجرة مشطورة شطرين. سألتُ مدير المتحف هايك ديمويان عن معنى هذا، فقال لي إنه يرمز إلى شعب مقسوم قسمين: أؤلئك الذين بقوا هنا والذين صاروا في أنحاء العالم.

* هل كان ضرورياً لك الذهاب الى أرمينيا؟

- نعم. بعدما قررتُ إنجاز هذا الفيلم، تمت دعوتي الى مهرجان "غولدن ابريكوت" كي أقدّم فيه فيلمي "مطبخ الروح". وهكذا كان.

* الفيلم يقفز فوق الإبادة، فيصبح البطل المضاد نازاريت (طاهر رحيم) ملاحَقاً بالعنف أيمنا حلّ، حتى عندما يخطو خطوته الأولى في أميركا. الشيء الأول الذي يتلقاه ما إن يضع رجله في أرض الميعاد هو رصاصة...

- ابليس في كلّ منا، المهم ألاّ يتغلب علينا ليجعلنا نقوم بما لا نريد القيام به.

* ألهذا السبب، لم تجعل من نازاريت رجلاً خالياً من الشوائب؟

- نازاريت مجرد رجل. لا يتوانى عن رمي الحجر على الآخرين رغبة منه في الانتقام الأعمى. كلٌّ منا قادر على القتل اذا دعت الحاجة الى ذلك. وكلٌّ منا قادرٌ على أن يمدّ يده الى الآخر. هذا أعظم ما في الانسان. وهذا ما أردتُ أن أحلله في هذا الفيلم.

الثمن: النقاد

* ما رأيك بالاستقبال الإشكالي للفيلم في البندقية؟

- ليست كل المقالات سلبية. سبق أن قلت مَن الذي طمحت إلى مخاطبته من خلال هذا الفيلم: الناس العاديون. هذه مهمة صعبة. اذا أردتُ أن أصالح طرفين متخاصمين حول قضية بهذا الحجم، فعليَّ أن أدفع الثمن: النقّاد.

* أحببتُ أيضاً إصرارك على التقاط مَشاهد الفيلم بالطريقة القديمة، أي بالـ35 ملم والسينماسكوب...

- أحبّ صورة الشريط السينمائي. السيللولويد أرفع شأناً من الديجيتال وأكثر قدرة على التقاط الضوء. عندما تعمل بالفيلم الخام، تصوّر أقلّ وتكون على علم بمَ تريد تصويره، خلافاً للديجيتال الذي يحضّك على التصوير كون كلفته ليست عالية. بالفيلم، أصوّر من 20 الى 30 دقيقة "راشز" في اليوم؛ بالديجيتال أصوّر 90 دقيقة، وأتعذب خلال المونتاج. لذلك، أميل الى الفيلم وسأظلّ أدافع عنه ما دمتُ حيّاً.

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard