هل يكون "الحل"...في زواج مدبر؟

21 آب 2014 | 13:46

غالباً ما يكون الزواج ثمرة قصة حب، تنمو وتكبر بين شريكين اختارا بعضهما لإكمال حياتهما في السراء والضراء، وتمكَّنا من معرفة بعضهما أكثر لناحية التصرفات والطباع وكيفية التفكير. ولكن الأمر يختلف في ما يتعلَّق بالزيجات المدبرة، حيث لا يختار الشريكان بعضهما بعضاً عن قناعة وحب، بل نتيجة توصية من الأهل أو الأصدقاء. لذا، يحاولان اللقاء والتعارف وتدبير الأمور معاً ليكون ارتباطهما ناجحاً. هذه حال زياد الذي يعيش في المهجر منذ 20 سنة، إذ حاولت شقيقته تعريفه إلى صديقتها معتبرةً أنها "الزوجة الملائمة" لشقيقها المغترب. قَبِل زياد بالفتاة لأنها بحسب ما قال "محطُّ ثقة أخته"، ولجأ إلى هذا التدبير نتيجة عدم وجوده في لبنان.

في البداية ساد العلاقة ود وانسجام، لكنَّ الحال اختلف بعد الزواج حيث برزت الخلافات والمشاكل بعد أن حاولت زوجته صرف نظره عن الاهتمام بأولاد أخيه الذين كان يكنُّ لهم كل المحبة، حاول بشتى الطرق ثنيها عن ذلك، لكنها لم ترتدع، ففضَّل مسايرتها تفادياً لخراب بيته. ثمَّ برزت لاحقاً الخلافات بين زوجته وشقيقتيه العازبتين اللتين تسكنان في منزل العائلة الذي يأتي زياد إليه صيفاً من السعودية مع عائلته الجديدة لتمضية عطلته الصيفية في لبنان، وبعد تفاقم الوضع وجد زياد نفسه في موقف محرج، فهو يتأرجح بين زوجته وعائلته، لذا، بدأ يفكِّر في الانفصال.

خيار الأهل يحكُم مستقبل أولادهم
إنَّ الزواج المدبَّر من الأهل مبني على العقل، حيث يختار الأهل خصوصاً الأم "كنَّة" تجدها ملائمة لابنها، فهي تعتبر أنَّها قامت بتربيته وتنشأته، تالياً تعتقد أنها تعرف طريقة تفكير ابنها وما يرغب فيه أو يرفضه. ويشير الدكتور في علم النفس رائد محسن في حديث إلى "النهار" إلى أنَّ الزواج المدبَّر لا زال موجوداً لدى بعض العائلات المحافظة، وقد أخذ مؤخراً شكلاً جديداً، وهو دور الأصدقاء في تعريف الثنائي على بعضهما البعض، ولا تكمن المشكلة، بحسب الدكتور محسن، بلقاء الثنائي في منزل الفتاة، أو لدى الأقارب والأصدقاء، بل في عملية فرض الثنائي على بعضهما البعض". ويتابع: "يفضِّل الأهل تزويج أولادهم بهذه الطريقة ظناً منهم أنهم يعرفون ما هو الأفضل لمستقبلهم، وهم تالياً أدرى بمعرفة ما هو جيد ومناسب لأبنائهم وبناتهم. وينتج عن هذا النوع من الزواج أحياناً أثر نفسي سلبي على الفتاة في المدى البعيد إذا تمَّ فرض العريس عليها وهي غير مقتنعة بهذا الخيار، ويكون الحال أسوأ إن كان لديها شريك لم يرضَ به الأهل. أما بالنسبة للشاب، فيحاول بعض الأهل فرض فتاة معينة عليه ويربطون قبوله بها بالميراث، أي يتمُّ تهديده بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بأنه لن يحصل على ما سيحصل عليه من ميراث مادي إذا لم يقبل خيارهم".

أسباب اختيار الزواج المدبَّر
أسباب عدَّة تدفع الشاب أو الفتاة للقبول بالزيجة المدبَّرة، منها عدم القدرة على التعارف، أو الخروج من علاقة حب فاشلة والارتماء في عائلة ثابتة ركنها الزواج، إضافةً إلى عوامل اقتصادية التي تدفع كثيرين لاتخاذ هكذا قرار. ومن الأسباب الأخرى أيضاً:
- دعم الأسرة الكامل: بالنسبة إلى معظم الناس الزواج شأن عائلي بحاجة إلى دعم الأسرة، إلى جانب التوافق بين الوضع الاجتماعي ومعتقدات الأسرة ما يسمح لكلا الطرفين للعمل على التوافق معاً لمدى الحياة.
- فهم أمر لا مفر منه: يقرر كلا الطرفين في الزواج المدبَّر المضي قدماً معاً، ما ينطوي على عملية فهم الاختلافات أو التشابهات الثقافية بينهما.
- الضمان المالي: بخلاف زواج "الحب"، يكون العنصر المادي من أولويات إنجاح هذا الارتباط.

حسنات الزواج المدبَّر
هناك عدد من الميزات التي ترافق الزيجات المدبرة، أوَّلها ميزة القضاء على خطر عدم التوافق، إذ تضمن هذه الزيجات تطابق شخصيات الشريكين. ويكون الوالدان حريصين في اختيارهم الشريك لابنهم أو ابنتهم لضمان إنجاح الزواج. كما أنَّ توافر القواسم المشتركة بين الاثنين كالثقافة، والدين، واللغة، عامل جامع من شأنه جعل التواصل بين الشريكين أسهل، واتخاذ القرارات أسلس. ومن حسنات هذا الزواج:
- التوافق الاجتماعي: يبحث الأهل عن شريك ينتمي لبيئة مماثلة، ولديه نمط حياة وقيم ثقافية وخلفيات اجتماعية واقتصادية مشابهة، ما يزيل وجود فوارق محتملة، ما يجعل جذور الزواج أقوى.

- الاحترام المتبادل: هيبة الوالدين والاعتزاز، يجعل كل من الشريكين في الزواج المدبَّر يتصرف بطريقة محترمة ومسؤولة، ويحاول الاثنان التحرك على قدم المساواة من أجل جعل زواجهما ناجحاً، يسوده التفاهم والاحترام.

- وجود مستوى أعلى من التكيف: يسود الزواج المدبَّر مستوى عالٍ من التفاهم والقدرة على التكيف لنجاح الزواج، ما يزيد من التوافق، إذ يحاول الشريكان الحفاظ على علاقتهما وجعلها مستقرة من خلال البحث عن وسيلة لحل المشاكل.

- شعور قوي بالالتزام: يستند الزواج المدبَّر إلى الثقة المتبادلة والتفاهم بدلاً من "الحب من النظرة الأولى". والالتزام هو أقوى ميزة لأولئك الذين يفضِّلون الزواج المدبَّر.

مصير الزواج المدبَّر النجاح أم الفشل!
يشير الدكتور محسن إلى أنَّ "الزواج المدبَّر لا يزال موجوداً وبكثرة في المجتمعات الجبليَّة أو التقليدية والمحافظة في لبنان والعالم العربي، وقد يكون العامل الديني والتنشئة الاجتماعية للأفراد داخل المجتمع مؤسساً لفكرة التأقلم مع الزواج المدبَّر. وكان يُصوَّر إلينا أنَّ الزواج المدبَّر كان ناجحاً في الماضي أكثر من الآن، إلاَّ أنَّ الحقيقة تكمن في أنَّ المرأة كانت ترضخ لقرار وخيار أهلها ولمفهوم مفاده أنَّ "الطلاق ممنوع"، إذ كان يُمثِّل وصمة عار يلصقها المجتمع بالفتاة. ولكن لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّه ليس من الضروري أن يرافق الفشل هذا النوع من الزيجات، بل قد يكون السبب عدم الانسجام والتفاهم بين الشريكين، وهذا يظهر في كل العلاقات بغض النظر عما إذا كانت مدبَّرة أو ناتجة من علاقة إعجاب وحب".

شخصيات ضعيفة لا تجذب الآخر
يقول البعض إنَّ "الحب هو للأقوياء، أما الضعفاء فتزوجهم أمهاتهم"، يؤيد الدكتور محسن هذه الفكرة معتبراً أنَّ "من يقبلون بالزواج المدبَّر يكونون أصحاب شخصية ضعيفة، أو ذوو ثقة متدنية بالنفس ولا يملكون مهارات تواصلية، وليسوا موضع جذب للجنس الآخر. وفي مجتمعاتنا غالباً ما ترضى الفتيات أكثر من الشبان بهذا الزواج، إذ إنه كلما كان المُتَّحد محافظاً أكثر كلما كثرت الزيجات المدبَّرة والمبكرة. ولكنَّ تعلُّم الفتاة وزيادة ثقافتها واستقلاليتها المادية وتقدُّمها في العمر تحول كثيراً دون قبولها بذلك".

التطور التكنولوجي والزواج المدبَّر

ويلفت الدكتور محسن إلى أنَّ "التطور التكنولوجي والعولمة والانفتاح لا علاقة لهما برغبة الشاب أو الفتاة في الشروع بالزواج المدبر، بل إنَّ ذلك يرتبط بطريقة تفكير كلا الشريكين، فإذا كانت لديهما رغبة في الزواج بهذه الطريقة فإنهما قد يلجآن إليها بغض النظر عن إمكان التعارف عبر مواقع التواصل الإجتماعي والعكس صحيح. الفكرة إذاً، تكمن في العقلية التي ينشأ عليها الشاب أو الفتاة، وأسلوب التربية الذي حضَّرهما نفسياً وعقلياً لاتخاذ هكذا قرار أو تقبُّله.

من مساوىء الغربة
غالباً ما يواجه المغتربون مسألة "الزواج المدبَّر" أكثر من أولئك المقيمين في الوطن، إذ إنَّ فرص لقاء شريك حياة ينتمي إلى البيئة الاجتماعية نفسها نادر، لذا، يلجأ بعض الشبان للبحث عن شريكة حياتهم عبر اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال حثِّ أهلهم للبحث عن فتاة تناسب تطلعاتهم. ويعتبر البعض أنَّ هذا الأمر بمثابة ضريبة يدفعها المغترب، فمن كان مرتبطاً عاطفياً قبل السفر سيعود ليجد عروسه قد امتطت جواد أول فارس أحلام تقدم لها، فيدخل في معاناة اختيار زوجة من جديد. لذا، يرفض بدايةً فكرة "تدبير عروس" ويعتبرها سلوكاً رجعياً ومتخلِّفاً، ولكن يعود بعد حين للطلب من أهله السعي لإيجاد شريكة حياة. ويواجه الشبان هذا الأمر أكثر من الفتيات نتيجة الهجرة التي تتسع دائرتها يوماً بعد يوم، ما يدفعهم للرضوخ للأمر الواقع والإتكال على والدتهم في مهمة البحث عن فتاة ليرتبطوا بها.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard