اكتئاب ما بعد الولادة: أزمة نفسية لا يجوز الاستخفاف بها

7 آب 2014 | 09:44

المصدر: "النهار"

ينتاب المرأة خليطٌ من المشاعر بعد ولادتها لطفلها، فتكون سعيدة ومتحمّسة لرعايته ولاحتضانه، لكنها في الوقت نفسه تشعر بالخوف والقلق، وفيما من المفترض أن يتلاشى قلقها بسرعة وألا يدوم أكثر من أسبوعَين بعد الولادة، تزداد مشاعرها السلبية أحياناً، لتصبح طويلة الأمد وأكثر حدّةً، ما يجعلها تعاني من "اكتئاب ما بعد الولادة".

 

 

اكتئاب ما بعد الولادة ليس حالة عابرة

فيما تمرّ المُنجِبة حديثاً بفترة من التقلبات المزاجية تصل إلى حد الأسبوعَين تقوم على نوبات بكاء مفاجِئة وقلة التركيز والصعوبة في النوم، يختلف اكتئاب ما بعد الولادة في ماهيته عن تلك الحالة، فهو ليس عابراً أو ظرفياً، ولا يشكل حالة طبيعية، بما أن العوارض التي تعاني منها تكون قد تطورت، ما يتدخل سلباً في عملية رعاية الطفل والقيام بالأمور الأخرى أيضاً.

فبعد تحوّل الحالة السلبية الأولية إلى اضطرابٍ نفسي بحدّ ذاته، يصبح التعب حاكماً مستبداً في حياتها، وتشتد حدة تقلباتها المزاجية ما ينعكس فقداناً لشهيتها ولأي تلذّذ بالأمور المُفرحة والمسلّية، فتبتعد عن أصدقائها وعن المشاركة في المناسبات الاجتماعية. كذلك يزيد غضبها وأرقها من اكتئابها، فتخف رغبتها الجنسية، ولا تقدر أن تنام، أو تنام بشكلٍ مفرط.

في هذا السياق، تشير جمعية علم النفس الأميركية في تقريرٍ لها نشرت نتيجتَه صحيفةُ "ذا هافينغتون بوست" الأميركية في 16 تموز الماضي إلى أن ما يقارب الـ16% من النساء يعانين من اكتئاب ما بعد الولادة، وتكمن خطورة هذا الاكتئاب بأن المرأة تبدأ بالتفكير بأذية نفسها أو حتى طفلها، لأنها تجد صعوبة في تحقيق الارتباط الحميم به، ما يؤدي إلى شعورها بالعار والذنب وعدم أهليتها لأن تكون أمّاً.

 

أصول عاطفية واجتماعية وبيولوجية

الحرمان من النوم يؤدي إلى صعوبة تعامل الإنسان مع أبسط الأمور، وما من أحدٍ يعاني من قلة النوم أكثر من المرأة ذات المولود الجديد، هذا عدا عن شكها في إمكانيتها رعايته وقلقها المستمر من مسؤوليتها الجديدة. عدم شعورها بجاذبيتها الجنسية يزيد من اكتئابها، خصوصاً إذا ما زاد وزنها كثيراً خلال الحمل، كما أنها تشعر بصراعٍ داخلي لتحديد هويتها الجديدة، بما أنها ترى أنه لا يمكنها السيطرة على حياتها بعد الآن.

وما قد يزيد من حالة الاكتئاب التي تعانيها هو ما إذا عانت اكتئاباً في مرحلةٍ ما من حياتها أو في حملٍ سابق، أو إذا ما ظهرت العوارض خلال فترة حملها. ومن الممكن أن تتعقد الأمور أكثر في حال كان حملها غير مُراد أو غير مخطط له، كذلك قد تؤثر سلباً أحداثٌ معينة كصعوبات الحمل أو المرض أو فقدان الوظيفة، ولعلّ الأصعب هو المشكلات في العلاقة الزوجية، أو رعايتها وحيدة لطفلها إذا ما كانت عزباء.

فيما بكاء الطفل المستمر وإلحاحه على تصرفاتٍ تتعبها ما يجعلها "تكرهه" أحياناً، والضغط الزائد إذا ما كان هو الطفل الثاني، أي إنها ترعاه وترعى الطفل الأول في الوقت نفسه، وملاحظات الأقرباء أو الحماة التي قد تكون مزعجة ومنتقِدة، كلها عوامل تسبب اكتئابها بعد الحمل بشكلٍ أو بآخر. حتى ان الصعوبة في الإرضاع تزيد من حالتها سوءاً، وأيضاً المشكلات المالية المترتبة عليها وعلى زوجها، واحتمال ابتعاد هذا الأخير عنها عاطفياً، إذ خلصت دراسة قام بها مجلس البحوث الطبية في لندن أن الأب والأم معاً معرضان لاكتئاب ما بعد الولادة، خصوصاً بعد الحمل الأول.

بيولوجياً، يشكّل الانخفاض الحاد بالهيرمونات بعد الولادة، خصوصاً الأستروجين والبروجيستيرون، عاملاً مساهماً في خلق اكتئاب ما بعد الولادة عند الأم، إضافة إلى احتمال انخفاضٍ حاد في الهرمونات التي تنتجها الغدة الدرقية، ما يجعلها متعَبة، بطيئة الحركة وحزينة، بحسب ما ذكر موقع "مايو كلينيك" في أيلول 2012، حيث تمت الإشارة أيضاً إلى تأدية حجم الدم في جسمها وضغط الدم وجهازها المناعي، إلى زيادة في التعب وفي التقلبات المزاجية لديها.

 

أكل المشيمة لإبعاد الاكتئاب؟!

في ممارسة غريبة من نوعها تعود بداياتها لآلاف السنين في المجتمع الصيني، تناولت النساء مشيماتهن (Placentas) بعد الولادة، لتعويض معدلات الحديد المنقوصة من أجسامهن ولمكافحة الاكتئاب عبر الفيتامين B6 المتوافر فيها. واليوم لا يزال اللجوء إلى أكل المشيمة قائماً إلى حدٍّ ما، وهو ما ستقوم به الممثلة الأميركية الحامل ستايسي كيبلر (حبيبة جورج كلوني السابقة) بعد إنجابها لابنتها في آب الجاري، وتكون عملية استهلاكها لمشيمتها عبر تحوّلها إلى حبوبٍ تتناولها يومياً، بعد عملية تجفيف للمشيمة لساعاتٍ عديدة.

يوضح أمين سر الجمعية اللبنانية للتوليد والأمراض النسائية الدكتور توفيق نبأ لـ"النهار" أن هذه الطريقة غير مستخدمة أبداً في لبنان، مشيراً إلى أن المشيمة تُستَخدَم أيضاً لصناعة مستحضرات التجميل. وفي وصفٍ محدّدٍ له للحالة التي تكون عليها المرأة في معاناتها اكتئابَ ما بعد الولادة، يقول إن "المرأة تشعر بالقلق وبالخوف من ألا تكون أمّاً صالحة لطفلها الجديد" مستشهداً بالحالات العديدة التي يتعامل معها بصفته طبيباً نسائياً، ويحذّر نبأ عبر "النهار" من إرضاع المرأة لطفلها في حال استهلاكها لمضادات اكتئاب مشدداً على أن "الأمر لا يجوز".

 

المرأة تتردد وتُحرَج قبل العلاج النفسي

قد تكون الخطوة الأولى لعلاج هكذا اكتئاب هي الأصعب، وهي إقرار المرأة بأنها تعانيه، فهي تتردد وتُحرَج، خصوصاً أن ذلك يعني عدم اهتمامها الكافي بالمولود الجديد. لكن لا يعبّر اكتئاب ما بعد الولادة عن عيبٍ ما عندها، ويمكنها عبر علاجٍ فوري أن تستمتع بولادة طفلها وإنشاء العلاقة المميزة الحميمة معه، فإذا لم يعالَج اكتئابها سيمتد إلى أشهرٍ عديدة ولن يعود عليها إلا بالمزيد من التقلبات المزاجية و"الغربة" عن طفلها وزوجها.

وفي هذا الصدد، يشرح الطبيب النفسي في مستشفى جبل لبنان الاختصاصي في علم النفس الدوائي الدكتور وديع نجا لـ"النهار" أنه "يجب التفريق بين اكتئاب ما بعد الولادة ومرض القطبَين (أو الاضطراب الوجداني الثنائي القطب)، فما قد يصيب المرأة بعد إنجابها هو مرض القطبَين وليس اكتئاب ما بعد الولادة" ويؤكد أن "لا يجوز لها أن تُرضع طفلها في حال استهلاكها لمضادات اكتئاب، بما أن الاكتئاب هو مرض يصيب دماغها، ومسألة معالجته أهم من إرضاعها لطفلها"، لكنه يستدرك ويشير إلى أن هناك بعض مضادات الاكتئاب التي تمت دراسة مضاعفاتها، ويمكن لها استهلاكها وإرضاع طفلها في الوقت نفسه.

ويؤكد نجا أن هناك احتمالاً كبيراً للمرأة التي عانت اكتئابَ ما بعد الولادة بعد حملها الأول من أن تعانيه بعد حملها الثاني، وينصح بأن تلجأ في علاجها إلى الحل الطبي وإلى حل التحدث مع اختصاصي نفسي معاً، "فالاكتئاب أمرٌ خطيرٌ جداً، قد يدفع بها إلى التفكير بالانتحار"، لافتاً إلى أن "عدم معالجتها لاكتئاب ما بعد الولادة يؤدي حتماً إلى أن يصبح اكتئابُها مزمناً، تماماً مثل أي نوع اكتئاب آخر".

 

 clauda.tanios@annahar.com.lb / Twitter: @claudatanios

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard