عندما تصبح صحّة الأطفال كرة في مرمى التجاذبات!

31 تموز 2014 | 09:41

المصدر: "النهار"

تُعتبر الأدوية في لبنان من الملفات الشائكة وأكثرها حساسية وخطورة لأنّها تطال صحّة المواطن وحياته. يكتنف هذا الملف، الذي تحوّل إلى قضية رأي عام، الكثير من المخالفات بدءًا من تهريب الدواء والتلاعب بمدّة صلاحيتها ورفع أسعارها، من غير أن يكترث الفاعلون بصحّة الإنسان ومن دون أنّ تهتزّ ضمائرهم، بل كان هدفهم زيادة أرصدتهم في البنوك بغض النظر ما إذا مات مريض القلب بسبب التلاعب بالدواء، أو تفاقمت حالة مريض الأعصاب، أو تراجعت صحّة مريض السرطان ظناً منه أنّه يحصل على الدواء المناسب.

أخيرًا، قضّت مضاجع المواطنين قضية نقص في أحد عشر لقاحًا لشلل الأطفال لمختلف الأعمار في القطاع الخاص، فطلبوا من مرضاهم السفر إلى الخارج بهدف الحصول على الجرعة المناسبة، ما دعا وزارة الصحّة إلى الإعلان عن توافر هذا اللقاح مجانًا في المستوصفات الرسميّة.

ما هي أسباب انقطاع اللقاح؟ ومن هو المسؤول عن ذلك؟ وكيف يتوافر لدى القطاع العام فيما ينقص لدى القطاع الخاصّ؟ ولماذا تؤمّنه الدولة مجانًا فيما يتقاضى الطبيب ما بين الخمسين إلى المئة دولار ثمنًا له؟

استنفار في الوزارة
تقول المسؤولة في وزارة الصحّة، رندة حماده، لـ"النهار" أنّ هناك مصدرين للقاحات في لبنان، القطاع العام بإدارة وزارة الصحّة الذي يشتريه من خلال اليونيسف بمواصفات منظّمة الصحّة العالميّة، والقطاع الخاصّ الذي يشتريه من السوق المحلية.

وتضيف حماده : "اللقاحات متوافرة لدى الوزارة، ونحن نقوم بحملات وطنيّة لشلل الأطفال، خصوصًا بعد الحالات التي ظهرت في سوريا والعراق، وكي لا يدخل هذا المرض إلى لبنان الخالي منه منذ 13 سنة. أمّا النقص فهو في القطاع الخاصّ لأنّ الشركات لم تستطع تأمين اللقاح عالميًا".

وتشير حماده إلى أنّها أثارت الموضوع في ندوة عقدت في الخارج، بحضور مصنّعي اللقاحات في العالم الذين استغربوا الانقطاع بعدما زادوا الإنتاج عالميًا، وفتحوا تحقيقًا لأنّ السوق اللبنانيّة صغيرة ومن الغريب انقطاع اللقاحات فيه. وتضيف : "وزارة الصحّة أمّنت اللقاحات في فترة الانقطاع، وطلبت من الأطباء إبلاغ مرضاهم بذلك بغية الحصول عليه من مراكزنا مجانًا على أن يعود المريض عند الطبيب ليعاينه وتقاضي بدل المعاينة فقط دون اللقاح، لكن أطباء القطاع الخاص يخافون من خسارة مرضاهم في حال اعتادوا الحصول على اللقاح مجانًا في المستوصفات، علمًا أنّ هدفنا كوزارة صحّة أن يطعّم الطفل سواء في المستوصف أو لدى الطبيب، كما لا يمكن لنا ترك الأطفال من دون لقاحات عندما لا يتمكّن القطاع الخاص تغطية النقص، كما من غير المسموح القول أنّ اللبناني يسافر إلى قبرص واليونان للحصول على اللقاح فيما هو متوافر مجانًا لدى الوزارة".

وتقول إنّ القطاع الخاص عاد وأمّن اللقاحات بعدما أرسل وزير الصحّة كتابًا قاسي اللهجة وهدّد بأخذ إجراءات قاسية ضدّهم، علمًا أنّ من واجب الأطباء الضغط على هذه الشركات لتأمين المطلوب، خصوصاً أنّها هذا الملف هو مسؤوليّة وطنيّة والتراخي فيه يؤثّر في الصحّة العامّة.

الشركات تردّ: النقص عالميّ
في المقابل، يفسّر رئيس نقابة مستوردي الأدوية وأصحاب المستودعات في لبنان، أرمان فارس، لـ"النهار" إنّ اللقاح هو دواء غير عادي مستخرج من الأنسجة الحيويّة يتطلب عناية كبيرة في التصنيع وفي سلسلة التوريد، عمليّة إنتاجه دقيقة وطويلة تتعدّى مدتها الاثني عشر شهرًا قبل تسريحه والسماح ببيعه في الأسواق، وأي خلل يطرأ على عمليّة التصنيع يؤدي إلى تأخير رفده في الأسواق، علمًا أنّ أي مشكلة في جودة اللقاح قد تؤدي إلى كارثة إنسانيّة.

ويشير إلى أنّ مشكلة النقص في اللقاح بدأت منذ أكثر من 5 سنوات، أوّلًا بسبب زيادة الطلب على اللقاحات التي أتت نتيجة زيادة التوعية في جميع أنحاء العالم حول ضرورته، وبسبب النمو السكاني، وبسبب اهتمام المنظمات العالمية مثل اليونيسيف بتأمين اللقاحات لجميع الدول لا سيما النامية منها. وثانيًا بسبب صعوبة التصنيع خصوصاً إنّ منشآت تصنيع اللقاح لم تكن مجهّزة لهذا الطلب المتزايد وتفتقر إلى الخبرات اللازمة، فيما عددها محدود نسبيًا وكلفتها عالية، إضافة إلى أنّ مدّة صلاحية اللقاح وثباته محدّدة بالزمن وظروف الحفظ ما يمنع الشركات من تصنيع كميات كبيرة وتخزينها. لذلك، واجهت بلدان عدّة غير مصنّعة نقصًا في تلبية حاجاتها من اللقاحات لأنّ الشركات سعت لتأمين اللقاح في البلدان حيث تتفشّى الأوبئة بالدرجة الأولى.

وعن كيفيّة تأمين اللقاحات إلى القطاع الخاصّ بين ليلة وأخرى بعد كتاب الوزير وائل بو فاعور الموجّه إلى شركات التوزيع، يردّ فارس: "هذا الكلام هو مجرّد اجتهادات وعارٍ عن الصحّة، وأخطبوط الدواء الذي يتلاعب بصحّة الناس من خلال الدواء موجود في خيال البعض فقط، لأنّ الشركات المصنّعة قرّرت عدم إرسال اللقاحات إلى لبنان، وبالتالي الوكلاء في لبنان لا يمكنهم أن يفرضوا على هذه الشركات العكس في أوقات معيّنة وحسّاسة، علماً أنّ حصّة لبنان محفوظة في أغلب الأوقات. عندما أرسلت الوزارة كتابًا شديد اللهجة لإحدى الشركات منذ شهرين أسفر عن سوء تفاهم بين الوزير والشركة، لكن سرعان ما توضّحت الأمور بطريقة علميّة وفق ما شرحناه أعلاه خصوصًا أنّ هذا الملف يرتّب مسؤوليّة صحيّة وإنسانيّة ولا يمكن التلاعب به".

ويشير فارس إلى أنّ مسؤولية تأمين اللقاحات الأساسيّة تقع على عاتق الدولة ووزارة الصحّة التي لديها برنامج للتوعية ولتلقيح الأطفال، وهي عملت طوال هذه المدّة واستطاعت توفير كلّ اللقاحات الأساسيّة مجانًا في كل المراكز الصحيّة والمستوصفات. في ما تابعت شركات استيراد الأدوية ولاحقت وأخذت كلّ الإجراءات اللازمة لتأمين اللقاحات طوال الخمس سنوات الأخيرة مع المحافظة على جودة الدواء. وكلّ انقطاع حصل خلال الخمس سنوات الماضية كان لفترة زمنيّة لا تتعدّى الشهرين بسبب عدم تلبية الشركات المصنّعة لطلب شركات الاستيراد.

صفقات بالجملة
إلى ذلك، يقول النائب السابق، اسماعيل سكريّة، لـ"النهار": "برنامج اللقاحات خاضع لبرنامج الرعاية الصحيّة الأوليّة المموّل من الأمم المتحدة وتقع مسؤوليّته على عاتق مدير عام وزارة الصحّة، حيث توزّع اللقاحات على مراكز الرعاية والمستوصفات المرخّصة، ومن المفروض توافر لقاح شلل الأطفال دائمًا.

ويضيف : "ما حصل خلال هذه الفترة يطرح علامات استفهام، وهناك معلومات غير موثّقة عن وجود خلاف حول مبالغ ماليّة، لكن المؤكّد أنّ هذا النقص مفتعل". ومع تكاثر عمليّات تهريب الدواء أو رفع أسعاره أو انقطاعه من الأسواق، يشير سكريّة إلى أنّ عمل هذه الشركات يجب أن يخضع لقانون مزاولة مهنة الصيدلة المبرم في شكله النهائي في آب (أغسطس) 1994.

ويشير سكريّة إلى أنّ كثيرًا من الأطباء يأخذون اللقاح مجانًا من وزارة الصحّة ويبيعونه لمرضاهم، وتتوسّع الدائرة بحسب العلاقة والخدمات المتبادلة. ويضيف : "التشكي من النقص في القطاع الخاص هدفه الحصول على اللقاحات مجانًا من الوزارة وبيعها للاستفادة منها. هناك مافيات بين الشركات والأطباء والمسؤوليّة تقع على وزارة الصحّة والأطباء والشركات".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard