"صبّوا القهوة وزيدوها هيل"

16 تموز 2014 | 23:57

المصدر: زياد سامي عيتاني

  • المصدر: زياد سامي عيتاني

وقهوة ابنة بُنٍّ في الصباحِ بدتْ تُجْلَى (فناجينُها) في كفِّ ساقيها

فقلتُ ليلٌ بدا صبحاً فقيل أجل هي ابنةُ (البُنِّ) قد زُفَّتْ لحاسيها

إن رائحة القهوة العربية في شهر رمضان المبارك لها عبق خاص ومميز عند الصائمين بعد الإفطار، حيث تفوح روائحها المعطرة والمنكهة بحبات الهال في كل البيوت والمجالس الرمضانية، خصوصاً لما يكون إناء القهوة موضوعاً في موقد يتصدر المجلس، فتغلي على حجر متأجج ولونها كسواد الليل، فيعبق المكان برائحة لا تقاوم.
والقهوة العربية مرتبطة بتراثنا وأصالتنا وقيمنا الأصيلة، وهي دالة على مظهر تكريم الضيف، وبالتالي فإن من يصب القهوة يجد في ذلك لذة ومدلولاً على إثبات جانباً من رجوليته، تبعاً للتقاليد العربية المتوارثة.
فالعرب هم أول من صنعوا من نبتة البن مشروباً، حيث يذكر معظم الرواة أن أحد أئمة الطريقة الشاذلية وهو الشيخ علي بن عمر الشاذلي كان سباقاً في تعريف الجزيرة العربية بالقهوة، التي كانت قاسماً مشتركاً في حلقات ذكرهم. وتوجد روايات أخرى تنسب هذا الhكتشاف إلى متصوف يمني آخر هو جمال الدين بن سعيد الدحباني.

التعرف إلى البن
وإذا ما عدنا إلى كيفية التعرف إلى البن الذي تصنع منه القهوة، فإنه يحيط بظهورها غموض، تولدت معه الاساطير التي ازدادت مع مرور الزمن، وبحكم تكرارها اصبحت حقائق، لا سيما تلك التي تشير إلى أن اول من أدمن القهوة هم الأثيوبيون، وتحديداً في مملكة "كيفا" شرق أثيوبيا، حيث يرى البعض ان كلمة "coffee" مشتقة من تلك المملكة.
وهنالك أسطورة اخرى تشير إلى أن اليمنيين هم من اكتشفوا نبتة البن، وبالتحديد في مدينة "مخا" ومنها جاءت كلمة "مولا" التي تطلق على إحدى أصناف القهوة الشهيرة في المغرب.
والقهوة العربية يختلف تصنيعها من مدينة إلى مدينة، فإما أن تكون حبات البن محمصة وبالتالي لون مشروبها أسود غامق، وإما أن تتخذ لوناً فاتحاً، وفي هذه الحالة لا تكون حبات البن لا محمصة ولا مطحونة، فتبدو ذهبية، صافية اللون.
ويتفنن الكثيرون في صنع القهوة مستخدمين الأدوات الخاصة بها والمتضمنة "المحاسة" لتحميص حبوب البن و"المبرادة" المستعملة لتبريده و"النجر" أو "المهباج" لطحنه و"الدلة" التي تُطبخ فيها و"المنفاخ" الذي يستعمل لزيادة إشعال النار، فضلاً عن "الليف" لحجب الهال من النزول في الفنجان عند صبّها.
كما يضاف إلى القهوة العربية حبات الهال الأخضر الذي يتواجد في المنطقة الممتدة بين الهند وماليزيا. والهال يضيف للقهوة مذاقاً مكملاً ورائحة عطرية وطعماً مميزاً ونكهة خاصة.
وقد نظم مفتي بيروت الراحل الشيخ عبد اللطيف فتح الله شعراً في القهوة قال فيه:

أنا أهوى قهوة لست عنها أعرض
كلما مرت حلت أي حال يبغض
كم سمعنا قولها إذا علينا تعرض
أنا لوني أسود وثنائي أبيض

والقهوة في رمضان بعد الإفطار، فهي سيدة السهرات، تبعاً لمذاقها وطعمتها، فبعد الإفطار تجتمع العائلة حولها وتستعيد ذكريات ماضٍ رحل، ولكن بصماته ما زالت مطبوعة في ذاكرة الأجيال.
والعلاقة الحميمة بين القهوة العربية ورمضان، لا تقتصر على البيوت والمقاهي، بل إن هذه العلاقة تنبع في الأصل من "مجالس رمضان"، التي هي بمثابة واحدة يجتمع فيها الأهل والأصدقاء، والضيوف لإحياء السهرات الرمضانية، حيث تعتبر القهوة العربية في مجالس رمضان، بمثابة تكريم وتقدير للجالسين وفقاً للأعراف والتقاليد العربية الأصيلة.

صباب القهوة
" صبّوا القهوة وزيدوها هيل ... واسقوها للنشامى عظهور الخيل " ...

فكم يطرب الضيوف في مجالس رمضان لصوت "النجر" أو "المهباج" وهو ما تطحن فيه القهوة بشكل يدوي، ويعتبر وقعه التناغمي عند العرب دعوة للتوافد إلى المجلس.
وأكثر ما يجذب الأنظار هو "صباب القهوة" الذي يتبع أصولاً مرتبطة بالقيم العربية الأصيلة. ولصب القهوة طقوس تبدأ بإمساك «الدلة» باليد اليسرى والفناجيل باليد اليمنى، وتعتبر سقطة كبيرة في حال تم عكس الامر قد يدفع بالوالد إلى تأنيب ابنه أمام الحضور. كما يجب الوقوف بشكل مستقيم والانحناء عند تقديم الفنجال للضيف مع ذكر كلمة تدل إلى العطاء. أن يكون الأب، هو أول من يصب له الفنجال، كنوع من بر الوالدين الذي يظهر جليا في هذه النقطة التي يباركها الضيوف أنفسهم، بل ويحرصون على تنبيه الإبن في حال نسيانه بالإشارة إلى والده.
وفي التجمعات الكبرى يبدأ «الصباب» كما يطلق عليه، بمن يجلس في صدر المجلس ثم من هو على يمينه حتى الانتهاء من صف اليمين، ثم العودة لمن هو على يسار الجالس في صدر المجلس. وهي أمور تسير بتراتبية متفق عليها عرفياً ولا تثير غضب أحد .
أما في المناسبات التي تكون فيها شخصيات اعتبارية كالأمراء والشيوخ، بأن التعليمات التي تعطى لهم تأتي متوافقة مع الاعراف التقليدية في هذا الشأن، إذ يعطى الفنجال الأول، للأمير، أو من ينوب عنه، أو شيخ القبيلة. فيما هناك طريقة أخرى تسمى «السوق» وهي البدء من يمين المجلس دون الاخذ بالاعتبارات الأخرى، وعادة تكون هذه الطريقة في المرة التالية لتقديم القهوة للضيوف التي غالباً ما تقدم مرات عدة.
كما أن هناك شيفرات متعارفة كـ«هز الفنجال» حتى لا يقوم «الصباب» بتكرار الفنجال. فيما لا يتعدى في الغالب تقديم أكثر من خمسة فناجيل صغيرة للضيف، الذي عادة ما يقول «أكرم». كتعبير عن شكره واكتفائه من القهوة.

تسميات القهوة
ونشير أخيراً أن للقهوة مسميات عدة عند العرب ومن ضمنها فنجان "الهيف" الذي يشربه صاحب المجلس أمام ضيوفه لإثبات سلامة القهوة وفنجان "الضيف" باعتباره يحل محل الخبز والملح بين المضيف والضيف و"الكيف" الخاص بالتذوق والمزاج، إضافة إلى "السيف" الذي يلزم الضيف بالدفاع عن عشيرة كونه بمثابة عهد بينهم ويدل إلى الشرف والعزة.
إذاً، القهوة في رمضان التي هي أول ما يتهافت عليها الصائم بعد الإفطار، تبقى رائحتها تنبعث من ذلك الماضي الأصيل الذي يجمعنا بالأهل والاصحاب. فللقهوة دلالة على فخامة مشروبها وتحية الضيف. وصدق قول الشاعر فيها:

كأنَّما السوداءُ مهما امتلتْ منها (الفناجين) بكفِّ النديمْ

عيونُ صبٍّ باتَ في فكرةٍ يرعى السُهى في جنح ليلٍ بهيم

إعلامي وباحث في التراث الشعبي

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard