الكل يرقص رقصة التنورة

13 تموز 2014 | 23:50

المصدر: النهار

رقصة التنورة من الرقصات الشعبية – التراثية التي تلقى رواجاً كبيراً في كثير من البلدان العربية، خصوصاً في المناسبات الدينية والإجتماعية وفي مقدمها شهر رمضان المبارك.

ورقصة التنورة التي تشد أنظار مشاهديها، نظراً الى الحركات البالغة الصعوبة التي يؤديها راقصو التنورة، هي ذات جذور وأصول صوفية درجت على تأديتها الفرق "المولوية".
لكن المصريين عمدوا إلى تطويرها وتحديثها، مضيفين إليها الإيقاعات بواسطة الدفوف، فضلاً عن الفوانيس، لتصبح من الفن الإستعراضي المتكامل.
فالفرق "المولوية" أو فرق "الدراويش" التي تسهم في إحياء ليالي شهر رمضان المبارك، تبهج لياليه المضيئة، وتضفي عليها بحركاتها الدائرية وكأنها كواكب شمسية متلآلئة أجواء من التصوف وسمو الروح، خصوصاً أنها مصحوبة بالتواشيح والإبتهالات والأذكار، التي تساهم معاً في طهارة النفس البشرية ونقائها والإرتقاء بها إلى درجات عليا من الروحانيات والتُقى والخشوع.

طريقة الدوران

والفرق "المولوية" تعتمد على طريقة الدوران من جهة اليمين إلى اليسار، وهي ذات طابع ديني رمزي، إذ أن الطواف حول الكعبة المشرفة يتم بهذا الشكل. كما أن دوران الفرق "المولوية" تعتبر طريقة من طرق التصوف وعلاقة الروح بالخالق، التي تسمو كلما طالت فترة الدوران وتوحدت بسكينة وإخلاص.
أما حركات الأيدي فهي رفع اليد اليمنى إلى الأعلى وتعني طلب المدد من الله عزّ وجلّ، واليسرى بإتجاه الأرض وتعني الزهد بالدينا وملذاتها ورغباتها.
النشأة
يعود الفضل في نشأة الطريقة الصوفية التي عُرفت باسم "المولوية" إلى مولانا جلال الدين الرومي، حيث أن طريقته مبنية على الخدمة الإلهية، إذ ينصرف دراويش الطريقة الذين كانوا يسكنون التكايا للعبادة وإقامة الذكر وقراءة الأوراد، فيقفون على هيئة حلقة كبيرة ويفتلون حول ذاتهم عشرات المرات، مؤدين رقصة صوفية تعرف باسم رقصة المولوية.
وبفضله إنتشرت الطريقة "المولوية" التي انطلقت من تركيا وحطت في كل من بلاد الشام والمغرب وآسيا، حيث إحتلت مكانة عالية في نفوس المتصوفين والزاهدين.
وذكر الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه "العقود اللؤلؤية في طريق السادة المولوية"، أن المولويين يؤمنون بالتسامح غير المحدود، وبتقبل الأخرين، والتفسير والتعقل الإيجابي الخير، إضافة إلى الإحسان والإدراك بواسطة المحبة، ويقومون بالذكر من طريق رقص دوراني مصاحب لموسيقا وتسمى السمع والتي تعتبر رحلة روحية تسمو فيها النفس إلى أعماق العقل والحب. وبالدوران نحو الحق، ينمو المريد في الحب، فيتخلى عن أنانيته ليجد الحقيقة فيصل إلى الكمال. ثم يعود من هذه الرحلة الروحية إلى عالم الوجود بنمو ونضج بحيث يستطيع أن يحب كل الخليقة ويكون في خدمتها.

الدراويش

وبالعودة إلى الفرق "المولوية" أو فرق الدراويش، فإنها إضافة إلى دورانها حول نفسها، تتميز بلباسها الجلباب الفضفاض ويدعى التنورة وزنار ملون لربط الخصر وطربوش مستطيل يصنع من اللباد يسمى (الكلاة).
والتنورة الصوفية تتبع قانون الدائرية التي تمثل الفلسفة الإسلامية، حيث أن الحركة في الكون تبدأ من نقطة وتنتهي عندها. لذلك فعندما يقوم الرجل بلف التنورة والدوران حول محور معين، فإن ذلك يرمز الى الرغبة في الإنطلاق إلى السماء طلباً للرحمة من الله سبحانه وتعالى، لذلك أُطلق على "فتلة الدراويش" رقصة التنورة.
تبدأ حلقة الذكر المولوية بتلاوة من القرآن الكريم من أحد المنشدين الجالسين في السدة، ثم يؤدي رئيس الزاوية بعض الأدعية والابتهالات و بعد ذلك ينشد أحد الدراويش شعراً يقول فيه: إذا رمت المنى يا نفس رومي لمولانا جلال الدين الرومي وعند كلمة مولانا تضرب ثلاث ضربات، ويبدأ العزف بالنايات، ثم ينهض الدراويش ويبدؤون بالدوران بطريقة فنية خاصة. فينزعون عنهم العباءات ليظهروا وهم يرتدون ألبسة بيضاء فضفاضة على شكل نواقيس. ويبدؤون بالدوران على إيقاعات الإنشاد الديني ويكون دورانهم سريعاً فتنفرد ألبستهم الفضفاضة وتصبح نتيجة الدوران السريع على شكل ناقوس، ويضعون على رأسهم اللبادة أو القلبق وأثناء الدوران يقومون بأيديهم بحركات لها معان صوفية ويشكلون بأيديهم ورأسهم لفظ الجلالة (الله) ويشترط أثناء الدوران ألا تتلامس أرديتهم.

وبالنسبة إلى لباسهم ومعانيه: الدائر يضع على رأسه اللبادة (السكّة) وتمثل شاهدة قبر النفس الأمّارة، والتنورة البيضاء تمثل كفنها وعندما يخلع جبته السوداء يكون قد بعث وولد في عالم الحقيقة، فيبدأ الدائر سيره وسلوكه الروحاني ويتقدم فيه. وفي بداية السماع يضع ذراعيه على جسمه بشكل متعارض وبذلك يشهد الدائر بوحدانيّة الله عزّ وجل ويمثل الرقم (1)، ولدى مباشرته حركة الدوران يفتح ذراعيه متضرعاً لله وتكون يده اليمنى متوجهة نحو السماء (الأعلى) مستعداً لتلقي الكرم الإلهي ويده اليسرى التي ينظر إليها متوجهة نحو الأرض ليعطي الناس ما يتلقاه من إحسان الله عزّ وجل، ثم يفتح ذراعيه وكأنه يحتضن المخلوقات جميعاً.

وقد اشتهر في هذه الطريقة النغم الموسيقي عن طريق الناي، والذي كان يعتبر وسيلة للجذب الإلهي، ويعتبر أكثر الآلات الموسيقية ارتباطاً بعازفه، ويشبه أنينه بأنين الإنسان للحنين إلى الرجوع إلى أصله السماوي في عالم الأزل.
وكانت تمارس طقوس السمع في مكان كان يسمى بـــ "السمعخانة "وتعني مكان السمع بالتركية.
ويترافق مع المولوية الذِكر هو مجموعة من الابتهالات والأدعية والأناشيد الدينية. ولكل حلقة ذكر رئيس يسمى "رئيس الزاوية".

الروح المصرية

ورقصة التنورة إكتسبت من الروح الشعبية المصرية بهجة خاصة، ظهرت في تنوع الإيقاع ما بين البطيء والمتوسط والسريع ، فضلاً عن ثراء الألوان والقيم التشكيلية المصرية التي تنبض بها البيئة المحلية وتنعكس على التنورة وتصميماتها المختلفة وألوانها الزاهية، ناهيك بالنصوص المؤداة، التي تعكس تصورات المصري عن الحياة والكون ، الأمر الذي جعلها لا تتحدد بحدود الطقس الديني المباشر، وإنما تدخل برشاقة في قالب الفن الشعبي الجماهيري والقائم أصلاً على المهارة الحركية.

ورقصة التنورة في مصر لا تنفصل عن واقع ذلك الفن الشعبي الذي يرتبط في التراث بفلسفة تعتمد على قيام الراقص بحركات دائرية تنبع من مفهوم أن الحركة في الكون تبدأ من نقطه وتنتهي عند ذات النقطة، ولهذا تأتي دائرية، وعندما يدور راقص التنوره حول نفسه، فيكون كالشمس التي يلتف حولها الراقصون ويطلق عليهم «الحناتية»، وكأنهم مجموعة الكواكب، ويرمز ذلك الدوران المتعاقب الذي يسير عكس عقارب الساعة، لتعاقب الفصول الأربعة علي مدار العام. وحين يقوم راقص التنورة برفع يده اليمنى من أعلى ويده اليسرى إلى أسفل فهو يعقد الصلة ما بين الأرض والسماء وكأنما يكون بدورانه حول نفسه يتخفف من كل شئ بقصد التحليق في السماء. وعندما يفك الرباط المربوط حول جذعه، فهو يرمز لفكاكه من رباط الحياة ليتحلل من كل ما يقيد حركته.
وعن سمات الرقصة المصرية التنورة تمزج بين رقصتين، الأولى صوفية والثانية إستعراضية. الرقصة الصوفية تتسم بحالة عميقة من الروحانية تنتاب الراقص عند الأداء وتعبّر عنها تقاسيم وحهه وحركاته الجسدية، ودائماً ما يشبه الشمس وتلتف حوله الكواكب وتتمثل في راقصين يسمون بـ "الحاناتية" يمسكون بالدفوف والمزاهر ويؤدون حركة الدراويش في حلقات الذكر ويبلغ عددهم خمسة أو سبعة "عدد فردي" .

أما الرقصة الإستعراضية فتعتمد على عنصر الإبهار من خلال "الألوان المتعددة للتنورة وأشكالها المميزة أيضاً وتعتمد كذلك على اللياقة البدنية للراقص وسرعته في الأداء، إذ يرتدي ثلاث أو أربع تنورات بينما يرتدي عند آداء الرقصة الصوفية تنورتين فقط يرفع إحداهما إلى أعلى أما الثانية فتكون للف .
وخلاف التنانير يرتدي اللفيف "العنتري" والجلبات ويسمى دورانه حول ذاته "بالشانيهات" وفي حالة الآداء الصوفي تقوم الرقصة على لفيف واحد فقط وحوله الحاناتية ، أما في حالة الآداء الإستعراضي فيؤدي الرقصة ثلاثة لفيفة وربما أكثر.
في الختام، ورغم أن رقصة التنورة أصبحت تراثاً ولوناً من ألوان الفولكلور الإسلامي، فإن الفرق "المولوية" التي لا تزال موجودة في عدد تكايا تركيا وسوريا ولبنان وبعض أقطار المشرق، تدخل في قلوب مشاهديها وسامعيها شعور يمتزج فيه الحزن والورع بالسرور والسكينة وتولّد في النفوس مشاعر متجددة.

إعلامي وباحث في التراث الشعبي

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard