البقشيش في لبنان: كرم أم واجب؟

29 حزيران 2014 | 10:51

المصدر: "النهار"

أنهى مصفّف الشعر التسريحة ووضع لمسته الأخيرة برشّ "السبراي"، فشكرَته السيدة سامية ب.، وفتحت حافظة نقودها لتسدّد ما يتوجّب عليها، فما كان منه إلا أن بادرها بالشّكر قائلاً: "ييي كلك ذوق! مرسي كتير.." تفاجأت سامية، فهي كانت تدفع تكلفة تسريحة شعرها، لتتدارك نفسها وتفهمَ أن "الكوافور" اعتقد أنها تقدّم له بقشيشاً، وتوضح قائلةً: "لم أكن أعرف أن البقشيش صار يشمل مصفّفي الشعر أيضاً! عادةَ أدفع البقشيش فقط في المطاعم."

 

 


البقشيش اللبناني: 10% إلى 15% من مجموع الفاتورة

أضحى البقشيش ملازماً للعديد من الخدمات في لبنان، ليصبح عُرفاً اجتماعياً وما يتوقّع العاملون الحصول عليه من الزبائن. هو ظهر في القرن السابع عشر في إنكلترا وويلز خلال فترة حكم أسرة تيودور، حيث كان الضيوف في المنازل الخاصة يقدّمون مبالغاً من المال امتناناً لخدمة أصحاب البيت، ثم انتقلت هذه العادة إلى مقاهي لندن، لتنتشر عالمياً. فالبقشيش في لبنان يُعتبَر أساسياً في مدخول من يعملون في المطاعم والملاهي، إذ يعوّلون عليه "للتعويض عن المدخول الضئيل أو العادي الذي نحصل عليه من إدارة المطعم" كما يقول الشاب فيكين الذي يعمل نادلاً في مطعم في ضبيه. من يأخذ البقشيش في معظم الأحيان هو النادلُ نفسه بما أنه انعكاسٌ لرضى الزبون عن الخدمة التي قدّمها له، لكن العديد من المطاعم والمقاهي تفرض تقاسم البقشيش بين العاملين جميعاً، معتبرةً أن جميع الموظفين يشتركون في تأمين الخدمة التي تصل إلى الزبون.

"عُرف" البقشيش في لبنان يتراوح بين الـ10% إلى الـ15% من مجموع الفاتورة، لكن المفارقة أن البعض يقوم به فقط لأنه مجبرٌ على ذلك، إذ يقول أحد المواطنين إنه "عيب ألا تترك فراطة، حتى لو كانت الخدمة عادية"، فيما يجزم البعض الآخر بأن بقشيشهم يزيد أو ينقص بحسب الخدمة، ويوضح أحدهم أنه "لا داعي للخجل إذا لم أترك بقشيشاً، فإذا كانت الخدمة سيئة، هل يتوجّب عليّ أن أُكرِم العاملين؟!" أما رانيا التي تعمل مضيفة في أحد المقاهي في الحمرا، فتشير إلى أنها تحصل على البقشيش أحياناً منذ دخول الزبون، "وذلك حرصاً منهم على أن "نعتني" بهم أكثر ونؤمّن لهم خدمة أسرع"، وتجيب أن من لا يقدّم بقشيشاً "هو شخصٌ بخيل برأيي."


البقشيش أينما كان!

الهرب من صفة البخل هو ما يدفع اللبنانيين إجمالاً لدفع البقشيش أكثر من مسألة رضاهم عن الخدمة، فاللبنانيون يسدّدون الـTips تلقائياً لمن يسلّم الــDelivery، وللعاملين في محطات الوقود، وللبوّابين، وللـValet Parking، ويمتد كرمُ اللبنانيين هذا ليشملَ الحمّالين في المطار، موضّبي المشتريات في الأكياس في السوبرماركت، ومصفّفي الشعر خصوصاً إذا تطلّبت التسريحة الكثير من الجهد والوقت. المواطن م.ب. من ناحيته، يؤكد أنه لا يقدّم بقشيشاً أبداً، ويوضح أنه لا يخجل من الأمر "فالعامل في المطعم أو في السوبرماركت أو في محطة الوقود يقبض مدخولاً، وإذا كان هذا المدخول غيرَ مرضٍ له، هذه ليست مشكلتي، فليترك عمله!"

أما وجهة نظر متلقي البقشيش فمختلفة، إذ يعتبر مصفّف الشعر زياد الذي يعمل في صالون للنساء في الزلقا أنه يستحق الحصول على بقشيش في الكثير من الأحيان، "إذ تأتي كل سيدة وتطلب تعديلاتٍ كثيرة على تسريحتها، وهذا يعني إعادة العمل برمّته، ويتطلب الأمر صبراً كبيراً من قِبَلنا"، كذلك الأمر بالنسبة الى النادلة ليدا التي تعمل في مطعم في ضبيه، إذ تجيب أنها تقف طوال اليوم "وفقط هذه الوقفة تستحق بقشيشاً ما من الزبائن، خصوصاً أنهم يعلمون أني في مرحلة الجامعة." أما عند طرح مسألة الخدمة السيئة، فتجيب أن البقشيش هو أصلاً تقديرٌ لفضيلة العمل بشكلٍ عام وهو يدلّ على أخلاق و"ذَوق" الشخص، الأمر الذي يؤكده أحمد وهو عاملٌ مصري في محطة وقود في سن الفيل، إذ يجيب أن من يقدّم له البقشيش "هو صاحب أخلاق عالية، فالـ1000 ليرة التي يتخلى عنها الزبون تعني لي الكثير" ويضيف ضاحكاً أنه يغسل سيارات الآنسات اللبنانيات بتأنٍّ "فيركّزن على وسامتي ويقدّمن لي بقشيشاً أكبر!"

 

البقشيش يختلف خارج لبنان

لا يتأثر اختلاف البقشيش بالشخص ونوعية الخدمة فقط، بل في الدولة التي يُسَدّد فيها، فما هو مقبول في لبنان لا يجوز في مكانٍ آخر، كاليابان وسنغافورة مثلاً، حيث يُعتبَر البقشيش إهانة في أغلب الأحيان أو محاولةً للرشوة. أما البقشيش اللبناني إذا ما سُدّد في الدول الأوروبية مثل كرواتيا، النمسا، وألمانيا فيُعتبَر تصرّفاً كريماً جدّاً، بما أن البقشيش هناك يبلغ 5% فقط من إجمالي الفاتورة، أي نصف البقشيش المتوَقّع في لبنان. الولايات المتحدة الأميركية من جهتها تتوقّع بقشيشاً أكبر، يتراوح بين الـ15% والـ20%، ويعرّف "قانون معايير العمل العادلة" في وزارة العمل الأميركية أن من يتلقَّون البقشيش هم من يجنون 30 دولاراً أو أكثر شهرياً عدا عن مدخولهم.


البقشيش يزداد وينقص حسب الأوضاع الإقتصادية

يتأثّر البقشيش بالأوضاع الاقتصادية والأمنية ويختلف بحسب المدخول الشخصي للزبون، إذ تشير الطالبة رنا أنها لا تعطي البقشيش لأن "مدخولي ع قدي" معوّلةً على والديها في حال تطلّب الأمر بقشيشاً، أما توفيق أ. صاحب مطعم في ساحل علما فيشير إلى أن عماله "بدأوا بالتذمر منذ مطلع السنة كي أرفع من مداخليهم بما أن البقشيش المعوّلين عليه لم يعد متوفّراً كالسابق" معللاً الأمر بالوضع الاقتصادي المتردي وضغط اللاجئين السوريين. من ناحيته، يؤكد جورج ج. المسؤول عن شبكة مطاعم في لبنان أن "البقشيش تراجع عن السنوات الماضية، إذ كان موظفونا يتمتعون ببقشيش "حرزان" يساوي تقريباً مدخولهم، أما اليوم فلا يلامس نصف مدخولهم" متأمّلاً بأن يكون موسم الصيف أفضل اقتصادياً عليه وعليهم أيضاً.

 

 clauda.tanios@annahar.com.lb / Twitter: @claudatanios

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard