جوسلين خويري: الأسلحة التي كنّا نحملها عندما نلتقي

1 آب 2020 | 17:45

المصدر: "النهار

جوسلين خويري


قبل أيام عندما دخلت جوسلين خويري في غيبوبة، وانتشر هذا النبأ، قفزت الى الذاكرة أحداث وقعت قبل 45 عاماً. في ذلك الزمن كانت خويري التي وافتها المنية تحمل في جعبتها سلاحاً، هو السلاح نفسه الذي حمله زملاؤها عندما كان يلتقون سوية ومن بينهن وبينهم كاتب هذه السطور. ولمن سيتابع القراءة سيستمع الى القصة بكاملها:

البداية في كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية عام 1975. لم يكن هناك فروع لهذه الكلية في ذلك التاريخ وما قبله، بل كان هناك مقرّ واحد يؤمه الطلبة من شتى المناطق فيجتمعون معاً على مقاعد الدراسة في ذلك المبنى الذي يقع على مقربة من ثكنة الحلو على كورنيش المزرعة والتي ما زالت باقية حتى اليوم. وعندما نقول ان طلاب الكلية يأتون الى مقر واحد، كما كان حال سائر كليات الجامعة اللبنانية في ذلك الزمن، يعني ان كل أبناء الطوائف والاحزاب والاتجاهات يلتقون معاً وجهاً لوجه وكأنهم أبناء أسرة واحدة. أن تكون أسرة واحدة، لا يعني ذلك ان يكون افرادها على وئام دوماً، يشبهون في ذلك احوال الاسرة البيولوجية.

هي أشهر مرّت بعدما نشبت الحرب الشهيرة بدءاً من 13 نيسان 1975. وعلى رغم انها كانت بضعة شهور فقط، فإن لبنان الذي عرفناه في بداية الحرب، كان غير لبنان الذي صار بعدها. وخلالها كانت جوسلين خويري تأتي حاملة حقيبة الدراسة الى الكلية وفي الكافتيريا التقيتها وليس في الصف لأنها كانت في صف آخر تبعاً للاختصاص. وما زال في الذاكرة طيف من هذا اللقاء بقي حتى اليوم. وبدت الفتاة مغرقة بالصمت إلا في ما ندر مرتدية ثياباً لا تمت الى التبرّج بصلة، فكان تعارف عابر حول آلام ما بعد الجامعة. لكن محدثتي لم تستغرق في هذه الاحلام، لعله طبع الصمت فيها، ما حال دون الافاضة. لكن الصمت والمظهر المتواضع بقيت آثاره في ذاكرة تحمل الجمال الذي اجتاحه العنف من كل حدب وصوب.

في ذلك الزمن كانت كلية الإعلام قبل تقسيمها على غرار تقسيم الوطن بدءاً من بيروت الغربية وبيروت الشرقية، معقلاً طلابياً لليمين اللبناني. هكذا قال لنا الرفاق في الأحزاب اليسارية التي كنت وكان آخرون ينتمون اليها. وجرى إعداد خطة لانتساب الطلبة اليساريين بكثافة الى الكلية لترجيح الكفة لمصلحتهم على مستوى اتحاد الطلاب في الجامعة. وهكذا كان، فكنت على رغم انني على مقاعد الدراسة في كلية التربية في منطقة الاونيسكو، من بين الذين خضعوا لامتحان دخول الى كلية الاعلام وفق الشروط الخاصة بالانتساب اليها ونجحت مع عدد من الطلبة اليساريين الذي كان هدفهم تأسيس موطئ قدم في احد معاقل اليمين في الجامعة الوطنية. إذاً، لم يكن الهدف تربوياً، بل كان سياسياً بامتياز.

الدخول الى الإعلام، معقل اليمين الذي كان في أوجه: كتلة وطنية وكتائب واحرار وحراس ارز وغيرها، يعني الاستعداد لمعارك كلامية وتوزيع منشورات وإنشاء خلايا. في البداية كان التوتر سيد الموقف. وما زلت أذكر كيف كانت ردة فعل زميلة في السنة الثالثة عندما رمت أرضاً بمنشور وضعته على الطاولة امامها، يحمل مطالب اليسار في الجامعة. لن أذكر اسمها على رغم كل المودة التي أكنّها لها اليوم وهي صارت مذيعة ذائعة الصيت في لبنان والعالم. لكن الأنباء حول حادثة المنشور لم تكن طيبة، بعدما ظهرت في الحادثة خشونة كلامية وصلت اصداؤها الى اتحاد الطلاب فتقرر إثرها التدخل لتهدئة الموقف.

في ذلك العام كانت جوسلين ونحن نلتقي يومياً في الكلية. هي بقيت على انطوائها ما أبعدها عن أية مناسبات يلتقي فيها الطلاب. وللمفارقة، فإنه بعد مضي أسابيع على بدء مرحلة الدخول الى معقل اليمين، انقلب المشهد الى نقيض لما قرره الرفاق في قيادة اليسار الطلابي. ووجدت نفسي كما وجد غيري في لقاءات مع زملاء وزميلات من كل احزاب اليمين نتبادل الكلام كأننا في أسرة واحدة يعمّها الوئام. الى درجة اننا رتبنا رحلات ما ازال أذكر منها واحدة الى جبيل بترتيب من زميلنا في الكتلة الوطنية، فكانت فرصة لدفن اليسار واليمين موقتاً وإحياء دفء لبنان الذي أبصرنا فيه النور.

لهيب الحرب الذي بدأ اشتعاله للتو جعل من احزاب المعسكرين اليمين واليسار يتصرفان على انها آتية، وهي كانت كذلك. فخضع كثيرون لدورات تدريب على السلاح. اليمين كانت له معسكراته واليسار كانت المقاومة الفلسطينية معسكره. معسكران وقف أحدهما قبالة الآخر وراء المتاريس. في فسحة الشهور التي كنا على مقاعد الدراسة مع جوسلين خويري كنا في معكسر واحد نأتي اليه يومياً بسلاح واحد هو القلم والكتاب والدفتر. هذا ما زلت اتذكره في جوسلين خويري التي شعرت بالحزن وانا أتابع أنباء غيبوبتها ثم وفاتها.

لا بد من الاشارة الى ان المبنى الذي تخرجّت منه بشهادة الصحافة ووكلات الانباء في 28-6-1979 وبإفادة ممهورة بتوقيع الدكتور حسن صعب، إنهار في اليوم التالي بسبب عيوب في أساسات البناء. كانت معجزة حقاً لو ان المبنى انهار في احتفال التخرّج حيث كان هناك المئات من الطلاب وذويهم حاضرين. لم تكن جوسلين وسائر زملائنا من اليمين في الكلية التي صار لها فرعاً في الضفة الشرقية بعد اضطرام نار الحرب.

نجونا ونجوا، أكنا من اليمين أم من اليسار، لكن مبنى الفصل الجميل من ذاكرتنا انهار. وداعاً جوسلين خويري والعزاء لأسرتها ولكل من يحبها.

[email protected]

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard