لتفرحوا بعيدكم العربي!!

31 تموز 2020 | 15:43

المصدر: "النهار"

تعبيرية.

بعدما رسموا لنا حدودنا وقسّموا وطننا دويلات بسياسة "فرّق تسد"، ‏لم يدخل أعداؤنا علينا من حدودنا بل من عقولنا لنصبح تابعين متفرقين نقتل ونُقتل باسم الله.

ونتذكر المتنبي في قصيدته الشهيرة التي يرثي فيها حاله وما وصل إليه ويخاطب كافور الإخشيدي بقوله:

عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمر فيك تجديد

هذا هو حالنا في عيدنا العربي أوطاننا ممزقة وشعوبنا مفرقة وآمالنا بالوحدة ذهبت أدراج الريح.

‏بعض من دولنا يفتخر بأنه علماني وتعددي، لكن الحاكم غير المنظور معمم فكراً وواقعاً ويمثل أجندات دينية لا علمانية وفي تلك البلاد يصطدم رأس المال برأس الفكر وينتصر المال وينهزم الفكر. في صراع المال والفكر في وطننا العربي إما أن يشتري المال الفكر وإما أن يهمشه ويقصيه، في بلادنا العربية تنتهي أحلامنا باسم العقلانية تارة وباسم الدين تارة أخرى.

‏وعلى الرغم من كل ما نمر فيه ونعيشه من مآسٍ، نصر على الفوضى بمسميات دينية حتى في مواجهة كورونا فنحب أن نبين بأننا نحن العارفون في كل العلوم بما فيها العلوم الانسانية وعلوم الطبيعة وما وراء الطبيعة وعلوم الدين والدنيا والاخرة ولا نعلم بأن الفوضى هي مفتاح الشر وبداية نهاية الدول والممالك.

‏نحن العرب ابتلينا بالفوضى وما من أمة ابتليت بالفوضى إلا واستشرى فيها الجهل وكثر فيها الفساد وتهالكت عليها الامم.

‏ومن قلب الفوضى وفي خضم سعينا نحو القوة والسلطة نفقد الحرية والكرامة، ونحاول دوماً لتعزية أنفسنا البحث عن سعادتنا في أدراج الماضي لأننا لا نتأقلم مع واقعنا لأننا لا نجد حلولاً لبعض مشاكلنا فيكون هروبنا بحثاً عن بعض حب وسعادة في دهاليز ماض سحيق نرسمه بأجمل صورة وأبهى حلة ونسقط خيباتنا على غيرنا لا على أنفسنا أو خياراتنا الخاطئة.

‏نتهم غيرنا بالوثنية وعبادة الأصنام والأوثان من عجوة وحجر ومنهم من يعبد البقر، ونحن نقدس في كل يوم الحكام والزعماء ونعبد الدولار وأصحاب رؤوس الأموال المتحكمين بالبشر.

نتقاتل في ما بيننا، ولا نعرف ما الذي يدفعنا الى الاقتتال وليس لدينا تصور بأسباب الاقتتال؟

لا نعرف ولا نسأل ما هي العوامل التي تولد في نفوسنا الرغبة في الاتحاد في الوقت عينه الذي نعيش فيه الفرقة وندعو الى الانفصال؟

نلعن في كل يوم سايكس - بيكو وما تعيشه الأمة من هوان بسبب تلك الاتفاقية ونتمسك بالحدود وندعو للشعوبية ويتعصب كل منا للإقليم الذي يعيش فيه، ويتمسك كل منا في حدود بلده الصغير ونعتبر الحدود بيننا علامات سيادة، ونرفع الرايات والأعلام التي تفرقنا ونعتز بها ونفخر.

‏ نتساءل دوماً عن ضرورة أن تكون بلادنا متطورة وبلاداً منتجة وصناعية، ولا ننتج في أوطاننا سوى الخرافات من الجهل ونصنع من الحمقى ساسة ومشاهير ونواباً وحكاماً علينا.

‏نحن العرب نرى أن مصيبة غيرنا عقوبة من رب العباد سبحانه وتعالى ومصيبتنا ابتلاء من الله لحبه لنا رغم أننا أكثر الناس بعداً في معاملاتنا من تعاليم الله وكتبه السماوية وسنن ووصايا الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام.

فاحذروا التفكير الأسود واحذروا الثقافة والبيئة التي شكّلته فقد تكون البيئة مفسدة للعقول والقلوب، وتأكدوا أن لا وصاية ولا احتكار في الدين ولن يستطيع أحد تطويع الدين لمآربه ولو نجح مع الجهلة لبعض الوقت، ومن أراد احتكار السماء فسوف تحتقره الأرض.

نحن العرب ما زلنا نتشاجر في الغرب بسبب علي ومعاوية وقاضي الافرنج هذا العلج أصدر حكمه بالقبض عليهما لوأد الخلاف بيننا، الا يقرأ التاريخ جيداً، ألا يعلم أنهما قضيا منذ 1300 عام أو يزيد؟ ما أجهله.

‏في بلادنا، وفي هذا العيد ككل عيد وكل عام، مسرحية القتل السخيفة مستمرة والممثلون يقتلون والمشاهدون نائمون أو على القتلى يترحمون، من يقتل باسم الله يفعل، ومن يموت باسم الله يشهد! ولا نعتبر.

ننتظر الفتاوى في كل يوم، وهل نحن بحاجة الفتاوى لنتعامل مع بعضنا بإنسانية ومحبة واخوة وتسامح؟

قيل لسيدنا عيسى عليه السلام: من أدبك؟ قال: "ما أدبني أحد ولكن رأيت جهل الجاهل فجانبته!

‏ صدقت يا نبي الله وحسن قولك وعملك وسعد من أحبك حقاً وأحب تسامحك، فلا تتكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم أعانكم وأعانهم الله.

‏في بلادنا العربية توضع ‏الدساتير سفاحاً وتخُلق عنوة وتطبق على فئة دون أخرى من الشعب، والانتخابات مزورة أو بالإكراه ولا حوار ولا احترام للمواطنين ولا عدالة ومساواة الا لزبانية الحكام والزعماء ومبدأ سيادة القانون نظري وغير قابل للتطبيق إذا تعلق بالزعيم أو العسكر.

في عالمنا العربي يغير الناس وجوههم كل يوم وتتحدد المواقف وفقاً للمصالح ويزداد تملق الناس ونفاقهم لك وفقاً للمناصب والمواقع، فلا تبحث عن قيمتك في وجوه الزعماء ولا عن جاهك في منصب وكرسي يقدم إليك، احفظ نفسك تحفظ قيمتك ومقامك؟

ومع تمنياتي لكم بعيد سعيد، فإنني أتمنى في هذا العيد أن أجلس في مقهى عربي ليس يسارياً فوضوياً ولا يمينياً صاخباً وأفكر بهدوء وأتحدث مع صديق بمنطق ودون صراخ، ونتحدث عن التطور العلمي في عالمنا العربي عن كورونا وما سببه لنا من ويلات، نتحدث عن ما توصل إليه الأطباء من علاج حتى الآن وعن حتمية إيجاد العلاج الفعال قريباً، نتحدث كيف نجح الأطباء في زراعة كل شيء في جسم الإنسان، باستثناء شيء واحد ألا وهو الضمير الإنساني، وهذا ما نحتاج إليه كعرب!

في هذا العيد نحن بحاجة أن نتعلم كيف لا ننقل الشائعات ولا نساهم في قذف المحصنات وإن لم نستطع نحاول أن نكون على الأقل كالببغاوات، الببغاء هو الوحيد الذي لديه ذمة وضمير، ينقل الكلام كما هو من دون أن يزيد عليه، اللهم بغبغ بعض البشر وبغبغ جميع الزعماء والحكام في عالمنا العربي، وكل عام وأنتم بألف خير.

الدكتور علي خشان وزير العدل الفلسطيني الأسبق

[email protected]

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard