أي أمن غذائي في ظلّ تلوّث المياه وتآكل الأراضي الزراعية؟

29 تموز 2020 | 16:03

المصدر: "النهار"

الصخور اللبنانية، مشهد في فقرا (تعبيرية- أ ف ب).

برزت في الآونة الأخيرة الاستفاقة المتأخرة – كثيراً – حول البحث عن الأمن الغذائي من خلال استصلاح وزراعة الاراضي، من دون أن تشمل تلك الاستفاقة البحث عن مياه الري، وقد شملت بالمناسبة استصلاح أراضٍ زراعية من دون حماية الحيزات الزراعية القائمة والمساحات المروية، لا بل قد ترافقت مع استمرار تجهيل اهمية مشاريع الري القائمة، ويمكن من خلال استقراء واقع مشاريع الري الحالية والمستقبلية الواقعة في نطاق استثمار المصلحة الوطنية لنهر الليطاني الاضاءة على ابرز التحديات التي تواجهها (المشاريع والمصلحة) لجهة التعدي الجائر وبالمال العام على نوعية المياه والتعدي الصارخ بقرارات وتراخيص إدارية على كميات المياه والحيزات الزراعية والمساحات المروية لتمكين الباحثين عن الأمن الغذائي من تلمس الطريق نحو الأمن الغذائي المنشود.

تستثمر المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ثلاث منظومات ري على نطاق واسع بواسطة أقنية مكشوفة وشبكات مياه مضغوطة وهي:

مشروع ري القاسمية: الذي يروي نحو 4000 هكتار من المساحات المروية والتي تقع ضمن مساحة إجمالية للمنطقة تبلغ 212 كيلومتراً مربعاً تقع في 36 بلدة ويضم المشروع 1450 مشتركاً وتجدر الإشارة إلى أنّ المياه المستخدمة في مشروع ري القاسمية هي من نبع غلة ونبع علمان وينابيع عين ابو عبد الله الموجودة على مجرى نهر الليطاني في الحوض الأوسط والأدنى، إضافة الى المياه المتدفقة من نبع الصفصاف من برك راس العين والذي يخصص لري مشروع راس العين بفرعيه الجنوبي والشمالي، ولتأمين المياه المطلوبة في فترات الذروة خلال فصل الصيف يتمّ تحويل مياه عين الزرقاء ولا يستفيد المشروع حالياً من مياه بحيرة القرعون بسبب تلوث المياه وللحفاظ على نوعية مياه الري وقد أزيلت التعديات إذ كان يصب نحو 4 ملايين متر مكعب من الصرف الصحي في القناة بعد حملة استمرت سنتين.

مشروع ري صيدا – جزين: تستثمر المصلحة مشروع ري صيدا - جزين النموذجي المغذى من مياه نهر الليطاني عبر حوض أنان، والذي يروي مناطق شرق صيدا وجزين في الجنوب اللبناني ويضم 26 قرية وتضم 1280 مشتركاً (إضافة الى نحو 200 مشترك جديد نتيجة رفع التعديات عن الشبكة خلال العام 2019 والفصل الاول من 2020) ويروي حوالى 430 هكتاراً من المساحات المروية، وفق نظام الري بواسطة شبكات المياه المضغوطة.

مشروع ري البقاع الجنوبي: قسمت رقعة المشروع الى ثلاث مناطق ري متجانسة ومستقلة عن بعضها البعض لجهة كفاية مصادر المياه وهي التالية:

1- المنطقة الشمالية: شمالي طريق الشام حتى مطار رياق على الضفة اليسرى لنهر الليطاني بمساحة 5600 هكتار.

2- منطقة الضفة اليمنى لنهر الليطاني: من قب الياس الى تل دنوب بمساحة 9200 هكتار.

3- منطقة الضفة اليسرى لنهر الليطاني: جنوب طريق الشام من بر الياس الى القرعون بمساحة 8612 هكتاراً.

وفي عام 1996 أنجزت المصلحة بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار والبنك الدولي دراسات اعادة تجهيز واستكمال مشروع الألفي هكتار الذي توقف سابقاً بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وتم تلزيم الأشغال التي نفذت ما بين عامي 1997 و 2000، حيث أعيد التجهيز واستكملت القناة 900 حتى جب جنين وبنيت محطة جب جنين وتجهيز هذا القطاع بخزان وشبكات مياه مضغوطة وقد توقف هذا المشروع في العام 2016 بسبب تلوث بحيرة القرعون، كما تم تجهيز 6 آبار جوفية في منطقة كامد اللوز (بقدرة ضخ سنوية تبلغ 14 مليون مكعب) تحضيراً للمرحلة الثانية من المشروع أي تجهيز 6700 هكتار الباقية من مشروع ري الجهة اليسرى لنهر الليطاني حتى بر الياس.

أما المرحلة الثانية من المشروع، أي تجهيز 6700 هكتار الباقية من مشروع ري الجهة اليسرى لنهر الليطاني حتى طريق الشام، فقد قامت المصلحة بتلزيم دراستها الأولية التفصيلية الى المكتب الاستشاري CADRES، وقد سلّمت كافة الدراسات والخرائط الأولية للتجهيز عام 1995،

وهذه المرحلة تشمل البلدات التالية: غزة، لخيارة، المنصورة، شبرقية عميق، حوش الحريمة، الإسطبل، المرج ولتغذية هذه المناطق بمياه الري المضغوطة، فإن الدراسة تشير الى انشاء 3 محطات ضخ ولم تُنفّذ سائر مراحل من المشروع وتُستكمل.

وبالنسبة للمشاريع المستقبلية، يتابع مجلس الإنماء والإعمار مشروع ري الجنوب على منسوب 800 (مشروع القناة 800) بناء على القانونين رقم 415 ورقم 416 تاريخ 5/6/2002 الاجازة للحكومة ابرام اتفاقيتي قرض بين الجمهورية اللبنانية والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بشأن مشروع نقل مياه الليطاني الى الجنوب اللبناني لأغراض الري والشرب (منسوب 800 متر) والقانونين رقم 49 ورقم 50 تاريخ 24/10/2015 الموافقة على إبرام اتفاقيتي قرض اضافيين للقرضين السابقين، حيث تنفّذ اشغال الناقل الرئيسي للمياه من بحيرة القرعون الى جنوب لبنان مع 20 خزاناً ومعملاً لتوليد الطاقة الكهرومائية (5 MW) و 4 محطات ضخ، ومن المتوقع انتهاء التنفيذ خلال عام 2021، كما لزّم المجلس الدراسات التنفيذية للمرحلة الثانية (استصلاح الاراضي ودراسة الشبكات الثانوية والفرعية واعداد دفاتر الشروط لتنفيذ الأشغال)، علماً بأن هذا المشروع سيروي نحو 13 ألف هكتار.

وتواجه مشاريع الري القائمة والمستقبلية تحديات خطيرة اضافة الى مشكلة نوعية المياه الناجمة عن تلوث بحيرة القرعون بأكثر من 46 مليون متر مكعب من الصرف الصحي من 69 بلدة.

ومن اهم هذه التحديات تأمين ضرورة مراعاة تأمين كميات المياه، الامر الذي دفع المصلحة الى التشديد بوجوب مراعاة الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه للإدارة المتكاملة لحوض نهر الليطاني ومبادئ المشاركة والشفافية والمساءلة في إدارة الموارد المائية، حيث طلبت وجوب فرض تطبيق واحترام المرسوم رقم 14522 الصادر في 16 أيار سنة 1970 الذي نظم توزيع مياه نهر الليطاني والمياه الاخرى المتوافرة من مختلف مصادر المياه بين طريق بيروت -دمشق وبين ينابيع عنجر - شمسين والمياه الجوفية في منطقة تربل شمالي هذه الطريق في البقاع الاوسط وذلك لأغراض الري، بحيث إن المرسوم المذكور قد حدّد كميات المياه التي يمكن توفيرها سنوياً خلال فترة الري بين منتصف شهر نيسان وآخر تشرين الاول من كل سنة من مختلف مصادر مياه بين طريق بيروت -دمشق والحدود الجنوبية وبين ينابيع عنجر - شمسين والمياه الجوفية في تربل شمالي هذا الطريق في البقاع الأوسط وهي تبلغ 510 ملايين متر مكعب.

كما ان الأراضي المستهدفة من مشاريع الري الحالية والمستقبلية في تآكل مستمر نتيجة الفوضى العمرانية وغياب المعايير التنظيمية والقانونية عن التراخيص وفي بعض الأحيان البناء دون ترخيص، بخاصة بعدما تمّ ترخيص الأبنية من البلديات دون الرجوع إلى مكاتب التنظيم المدني في الأقضية، مما يحول الأراضي الزراعية والتي تنفق ملايين الدولارات لريها الى أراضي مدينية وعمرانية، مما يتسبب في إهدار المال العام وإهدار الخطة الوطنية للتنمية الشاملة والمتوازنة، مما يوجب فرض تطبيق القرار رقم 22/2019 تاريخ 12/6/2019 الصادر عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني والذي حدد نظام البناء في المناطق غير المنظمة وغير الموضوعة تحت الدرس وقد طلبت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني مراعاة حماية الأراضي الزراعية بموجب كتب وجهت الى التنظيم المدني والوزارات والإدارات المعنية.

كما إن واقع التعديات هو واقع واجهه ويواجهه مشروع القناة 800 ليس فقط بسبب الاعتراض غير المحق على تخمين الاستملاكات من دون النظر إلى المردود الاقتصادي للمواطن قبل الدولة، ولكن أيضاً لأن البعض ارتأى استثمار مقالع على مسار القناة ممّا اضطر الاستشاري بإيعاز من مجلس الإنماء والإعمار الى تحوير مسار القناة بواسطة سيفونات كلّفت المشروع أعباء جمّة تمثلت بالكلفة الإضافية والتأخير في التنفيذ وكذلك التأخير في التشغيل.

مع العلم أن مواكبة المشروع وحتى في مرحلته الثانية كانت تستوجب انهاء ظاهرة الأراضي غير الممسوحة، واستكمال أعمال التحديد والتحرير لتحرير المشروع والمواطن والمزارع من جور مختار من هنا وجهل بلدية من هناك، وجشع مالك وطمع وريث.

وتبدو ظاهرة تغيير تصنيف الأراضي الزراعية وغياب حماية الأرض الخصبة وعدم تخصيصها للزراعة والسماح فرزها إلى قطع صغيرة واستعمالها للبناء، حيث خسرت مشاريع الري التابعة للمصلحة مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية الجيدة استعملت للبناء وكمواقف للسيارات نتيجة امتداد العمران بخاصة في المنطقة الساحلية. علما أن هذه الخسارة هي بازدياد مستمر وقد بدأت بالتمدّد إلى مناطق جديدة في الجنوب اللبناني.

رئيس مجلس إدارة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وأستاذ محاضر في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard