أدال الحوراني في كتاب "قبلة مؤجلة": نصوص في زمن القحط

28 تموز 2020 | 10:38

المصدر: النهار

نصوص في زمن القحط

ليس عنوان كتاب أدال الحوراني "قبلة مؤجلة" مجرّد استعارة تضفي نوعاً من الروحية على معدن ثمين، بل إن هذا التركيب يربط بين التوحد والندرة على غير مستوى مما يعطي للديوان كلّه ذلك الطابع الحلمي الغامض الشفيف بما له من إيحاءات وظلال تمتد إلى خارج مشهد النوم أو الرؤيا أو اليقظة الشاردة.

ثمة شخص ما، في حفل تنكّري ما، يعيد أداء فعل ما، وتبدو المفارقة بين الوجه والقناع جزءاً من حضور أسطوري ينطق به الغياب ويستنطقه في آن. كأن لوناً من التحولات يعتري مظهر الواقع حين تلمسه أنامل الرائية أو العرّافة فيصبح له من الضوء ما يخطف البصر نحو ما لا قرارة له، حيث النأي والتفرّد والاكتفاء باستدارة الذات حول نفسها في لذّة طاغية.

التداخل الملتبس بين كل غياب وحضور، للأنا والآخر والأشياء، يضيف مكاناً وزماناً جديدين إلى المكان الأول والزمان الأول، بل ربما كان يستبدلهما معاً "بزمكانية" خاصة من صنعه، وبقدر ما يتمّ التعرف على الموجودات نفسها في ضوء "الزمكان" المختلف تكتسب هذه الموجودات – عن جدارة – حيوية مختلفة تجعلها – على رغم فعل التعرف – تغتني أكثر فأكثر بوحدتها وندرتها واكتمالها المفارق.

تتردد اللغة وتتذبذب بين ما قبل الأنا والهنا، وما بعدهما، كي تشي دوماً بالمسافة التي تفصل بين الذاكرة والحدس بيد أنها كذلك تجتاز تلك المسافة عادة عن طريق الحضور الفانتازي الذي يعوّض غياب الزمن والمكان والأشخاص. إنها تخلق خيال الحضور وتمثله وتؤديه وتنفجر احتمالات الواقع كلها من خلاله.

على حين تتجسد الذاكرة هنا، يتجسد الحدس، والمسافة الطويلة بين الطفولة واللحظة التي تلي الآن تظلّ مسكونة بغياب مؤرق لا يقطعه الا المدى الحالم. هنا فقط يتحد ماء الماضي بماء الآتي حيث الطفولة نبع، والمستقبل القريب راية تتحد بالبحر نفسه لتبدأ الحركة من جديد.

صحيح أني وصلت متأخراً إلى إصدار أدال الحوراني الصادر عن دار نلسن في بيروت، الا أن الزبد كان يتقدمني ذاك الذي يقتفي أثر الموتى في الرمل.

نطل على تجسدات الحدس، وفي احتفالات تنكّرية يولد فيها الغسق لزجاً على عتبات المنازل، وإذ يهتدي البحر، ترفع الصواري. وبين الذاكرة والحدس يتمثل الحضور.

والعجيب أن الفعل الماضي الذي يشير إلى الذاكرة، والفعل المستقبل (سوف يكون كذا) الذي يشير إلى الحدس، يكادان يتقلصان تماماً أمام الفعل المضارع والفعل الأمر مما يدلّ على استحضار الماضي دوماً في الآن وتمثيله أو عرضه بوصفه حاضراً، والشيء نفسه يمكن أن يقال بالنسبة إلى الآتي المتنبأ به، كأن الغياب (الماضي والآتي) ينطق الحضور بصورة دائبة، ويبلوره، ويعدد من أبعاده عبر كلّ الأزمنة.

إن اللغة في "قبلة مؤجلة" تنوس بين ما "كان" وما "سيكون" من خلال استقطابهما معاً، إلى ما تكونه هذه اللغة الآن، في لحظة اتحاد تشكيلها بتشكل المشهد الفريد لواقع يؤدى على مسرح الكون الشاغر الممتلئ.

يتجلى نموذج التغريب الأدائي فيما يعرف باسم "التصدير" حيث يتمّ إبراز الأشياء المألوفة بصورة غير مألوفة عادة لتصبح في ذاتها علامات مستقلة دالة.

إن ابتعاد الشيء عن مجرى توقعاته، وعن وظيفته المعتادة، يسلبه كل آلية معهودة ليجعل منه نتوءاً بارزاً في بنية العرض، ومن ثم فإن الوجود المادي للشيء يزداد كثافة وحضوراً.

وفي هذا الكتاب، يتبدى التصدر واضحا،ً أيما وضوح، في ظاهرتين أسلوبيتين: التوازي والتكرار، في تركيب الجملة الشعرية، والمقلوب في نوعه الذي يتصل بموقع الألفاظ في التراكيب (استبدال الكلمة بأخرى ليست من حقلها الدلالي، والتقديم والتأخير).

وعلى حين تؤدي الظاهرة الأولى إلى شكل من أشكال التوكيد الدلالي الناتج عن الإثارة الانفعالية المضاعفة، فإن الظاهرة الثانية تؤدي إلى تبادل الأدوار بين المسند إليهم قادحة شرارة الدهشة والعجب.

إننا هنا بإزاء أداة تفصل بين الشيء ونفسه، فيما توحد بين الشيء ونفسه، وهذه هي الفلسفة الدرامية للتغريب، حيث يظل الوعي يقظاً دائماً في مواجهة ما يتوق توقاً إلى احتوائه داخل مجاله، بيد أن ذلك يتخلق عبر إثارة انفعالية مضاعفة في اتجاهين بهدف توكيد ما يقع في كل اتجاه على حدة. إنها "قبلة مؤجلة" مرة أخرى حيث الاتصال/الانفصال الذي يلوذ بقانونه كل ما يجري تحت سطح الواقع المرئي.

هكذا يتم التبادل في الأدوار بين المرافئ وهو أو بين العصافير والشجر أو بين الغصون والطيور فيحدث انقلاب وظيفي مدهش يجدد فاعلية الكون على نحو لم نعتده قبل ذلك، ويجاوز ضرورة الأشياء إلى إمكاناتها، وهذا هو البعد الأصيل في تركيب الصورة الشعرية، حيث يصبح المجاز والحقيقة شيئاً واحداً في كل استعارة.

"القبلة المؤجلة" محاولة جمالية فريدة في البحث عن إيقاع أسطوري صاف يحتوي الغياب بوصفه حضوراً والحضور بوصفه غياباً. وذلك عن طريق إبداع الزمان والمكان من جديد، وصهر الواقع في جسد المنام. الشاعرة تشي برغبتها الكامنة في ابتكار ما يملأ فراغ الأبعاد حين يغلب ظنها على يأسها أو يحدوها الأمل أكثر مما يحدوها اليقين. في نهاية الرحلة، هي وحدها اليقين وكل ما تبقى سراب.


والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard