بداية المواطنة أو في أن تكون حرًّا حتّى من التّاريخ

26 تموز 2020 | 19:19

المصدر: "النهار"

من تحركات انتفاضة تشرين.

هناك فرق بين كيان منفتح وبين كيان مصدّع ومتراخ امام إغراءات تأتيه من الشرق كما من الغرب . إن خيار الحريّة لا يتموضع إلاّ في إطار ما يخدم استقلاليّة الكيان اللّبناني، أي بما ينسجم مع مقاربة عمق الحريةّ كواقعة طبيعيّة قبل ان تتحوّل الى صراع عقائديّ ... لكن لا كيان حرّ للبنان من دون إرادة شعبية حرّة من التبعيّات الايديولوجية. وطالما ، لا زالت الايديولوجيا أقوى من كرامة شعب كمصدر للسلطات أي لا زلنا شعبًا لا يفقه معنى الحريّة المطلقة الّتي يملكها . ولن ينطلق مشوار الحريّة الطّبيعية في لبنان إلاّ من خلال اعتبار سيادتنا المواطنيّة اي ربطًا بميثاقية حقوق الانسان الّتي وحدها الحصانة والضّمانة لمفهوم الدّولة المدنيّة. كما وأنّنا لا نحتاج إلى مرجعيّات دينيّة لتثبيت إيماننا بوطنيّتنا الحرّة من أيّ قيد طائفي. إنّ مفتاح الحلّ في لبنان باتّجاه الحياد، هو اوّلاً بيد شعبه، ولا يمكن أن يبقى بيد السّباق الّذي يقوده بحّارة السّفن الدّينيّة ... إنّ أداء السّلطات الدّينية هو السّبب العميق وراء الافلاس الّذي وصلنا إليه. وكلّما قارب رجال الدّين حرّية لبنان وسيادته بعيدًا عن أمجادهم في سياق التّاريخ والمقاربات القروسطية، كلّما اقتربنا من مشروع تأسيس كيان الدّولة المدنيّة ، لكن طالما أنّ الشّعب اللّبناني لم تكن له وقفة رأي عام حرّة وحقيقيّة من أيّ سطوة دينيّة ، فلن يتمكّن لبنان من فرض حياده عن تحالفات المحاور الغربيّة والعربيّة كما تزعم فلسفة الحياد التي أطلقها البطريرك بشارة الراعي، وسيبقى لبنان يناقض هويته الكيانية المنفتحة التي يتوق إلى ترجتمها، وبالتّالي سيدخل في عزلة غير بنّاءة ومدمّرة من جديد ، لأنّ شعبه لم يَصحُ كما يجب من سباته الدّوغمائيّ ، وسيبقى لبنان بالتّالي غائبًا عن أيّ دور فاعل يمكن أن يكون دور فيه على مستوى مشروع التّلاقي العربيّ- الغربيّ.

إنّ الحياد ، كما عرّفه بعض المواطنين ، وأوافقهم الرّأي ، هو جسر العبور باتّجاه مشروع الحرّية، ومن دون أيّ تبعية لأيّ محور، ونضيف ايضًا ، أنّه لا سلام ممكن من دون استقرار معنى الحرّية في نفس روحية الشعب اللبنانيّ، كي تفرض احترام هذه الكيانيّة الحرّة المعاصرة الّتي نحتاجها لكي يصير لبنان حقًّا مركزًا للتّثاقف ولحوار الحضارات بين الشّرق والغرب. لكن برأيي، إنّ لبنان "مشروع كيان" ، وهذا الكيان لا زال في طور التأسيس .... وهل حقًا نحتاج دائما أن ننظر إلى أمجاد الوراء التي قد تشكل نقطة التباس وخلاف مع الآخر المختلف، من أجل ترسيم كيان معاصر؟؟؟

إنّ المواطنة الحرة تفصل بين الدولة وبين السلطة وتعي أنّ السلطات الداخلية الفاسدة ستستمر بسياساتها الغنائمية. كما وإننا غير محكومين إلّا بالدستور و لا نتحرر ونتحصّن إلا به وحده لنؤكّد على سيادتنا ونستعيد كرامتنا وإرادتنا الشّعبية إذا هي حقاًّ قائمة على العيش معًا انطلاقا من روحيّة مدنية أوّلاً ...

إنّ مقدمة الدّستور هي الرّوحية المطلوبة لنذهب باتّجاه الدّولة التّنمويّة . لكن هل يعقل ان تكون إشكالية عدم تحقّق ميثاقية العيش معاً في لبنان، على اتّصال سببي بالاحتجاز السياسي من قبل مرجعيات دينية متمسكة بإبقاء البلد منقسما ؟؟؟ ... أليس الايمان شأن خاص يجب تحييده عن الفضاء السّياسيّ العام؟

إنّ معنى الحريّة الّذي تعلّمناه في الجامعة، يركّز على ضرورة الفصل بين فكر ملتزم بحرّيته الطّبيعية والخارجة عن أيّ قيد طائفيّ وبين الحرّية الملتزمة فقط بقيدها الطّائفي . لا يجب أن تكون الطّائفة أو الانتمائيّة الى حزب من العوائق التي تحول دون التّجرّؤ على ممارسة حريّة النّقد البنّاء والتّعبير الحرّ . فهل فلسفة الحياد تعني بشكل غير معلن إخراج لبنان من عزلته ولو على حساب عزله ضمن العصب السّياسي التّقليدي السّابق وتوابعه مقابل خصمه السياسيّ في الحكومة الحاليّة ؟؟؟؟ ليس من حقّنا أن نمنع رجال الدّين من حرية التّعبير خاصة انهم في النهاية ككلّ مواطن يتمتّعون بكامل حقوقهم السّياسية ...لكن في المقابل يعود لنا خيار تبنّي أو رفض مواقفهم.

إذًا، نحتاج أوّلا إلى ترسيم الحدود الدّاخلية للبنان الكيان انطلاقاً من المقاربة الطّبيعية للفكر المدنيّ الّذي وحده يضمن إدارة التّنوع بعيدًا عن أيّ تجاذبات، لأنّ أركان الدولة القوية تتأسس على العمق الانتوبولوجي لمعنى الكيان الانسانيّ وليس على تمركزات الفكر الايديولوجيّ .

ومن جهة ثانية، من المثاليّة أن نراهن على قدرة شعب جائع ومنهك أن يقاوم السلطة السياسية المستميتة للمحافظة على منظومتها... ونخشى أن تأتي زيارة جان- إيف لودريان للبنان هذا الاسبوع لتمهّد من أجل عودة تلك السّلطة الّتي ستأسر على طريقتها سيادة وحرية واقتصاد البلد. الخارج غير بريء وهو من يمنع سيادة شعب عندما تتعاظم، لكن ورغم أنّ فوقية التدخلات الخارجية بشؤوننا لا يضع حدًّا لها الاّ شعب وطني، متماسك ويشكّل حقًّا حركة رأي عام شريك فعلا بصياغة مستقبله السّياسيّ السّيّد والحرّ والمستقلّ ، إلّا أنّه نادرًا ما نجد شعبًا بحسب علم التّاريخ على مستوى حركة رأي عام يتمسّك حقًّا بسيادته الوطنيّة بمعناها العميق الّذي نرجوه ، أي انطلاقًا من ابعاد الحرّية المدنيّة بمنظورها الشّامل.

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard