عندما تغيب الرئاسة تحضر بكركي

24 تموز 2020 | 20:41

"الرئاسة مدعوّة للحفاظ على الصيغة لتبقى في صلبها".

جهد اللبنانيّون لتطبيق نظريّة الرئيس القوي. ودفع لبنان كلّه ثمن ذلك تعطيلاً بلغ نيّفًا وسنتين. وبعدما تحقّق ذلك تبيّن مدى ارتباط من أفرزته الانتخابات قويًّا بمحور إيران. وهذا ما أفقده قوّته اللبنانيّة، وما وضع لبنان في موضع حرج جدًّا لم نشهد له مثيلاً منذ ولادته في 1 أيلول 1920. فهل ستستعيد الرئاسة هالتها من بوّابة بكركي؟ أم أنّ لبنان قادم على صيغة جديدة لا دور للرئاسة فيها؟

من البديهي في هذه الحالة الحديث عن صلاحيّات الرّئيس التي تمّ سحبها منه بتعديلات الطائف ووضعها في مجلس الوزراء مجتمعًا. لكنّ الواقع السياسي غير ذلك كليًّا. فصفات الرئيس القوي لم تعد محصورة بشخصه أو بكاريزماه وحضوره بل تعدّت ذلك إلى قدرته على نسج مروحة واسعة من التحالفات، ليحقّق بذلك كتلة نيابيّة وازنة. وهذا واقع الحال اليوم. فلفخامة الرّئيس تكتّل نيابيّ يمثّل تطلّعاته السياسيّة في الدّولة، إضافة إلى تحالفات خاصّة به، أمّنت له أكثريّة نيابيّة مطلقة. ناهيك عمّا حقّقه من دخوله في صلب محور إقليميّ أمّن له عناصر القوّة كافّة.

من هذا المنطلق، بتنا أمام حقيقة وجوديّة وهي أنّ الرّئيس اللبناني قد فرض قوّته بسياسة الأمر الواقع. ولقد استطاع خلال مرحلة نضاله إقناع الغرب بأنّ التحالف مع السلاح غير الشرعي هو المدخل لتشريعه؛ ليتبيّن بعد 14 سنة على تفاهم مار مخايل بأنّ السلاح غير الشرعي قد حوّل وجوديّة الدّولة اللبنانيّة بأسرها إلى غير شرعيّة. وعوض أن تلعب الرّئاسة دورها الحكم، باتت الطّرف الملتزم بأجندات إقليميّة مراعاة لتحالفاتها.

من هنا، فقدت عنصر قوّتها الوحيد أي لبنانيّتها. وعوض أن تطرح الحلّ للأزمة اللبنانيّة وتفرض تطبيقه بعناصر قوّتها، ها هي تجرّ البلاد والعباد إلى واقع بات سورّياليًّا حيث وضعت لبنان في مواجهة العالم: عربيًّا ودوليًّا. لذلك كلّه، وجدت بكركي نفسها أمام مسؤوليّة تاريخيّة، إمّا أن نكون أو لا نكون. فأتى طرح الحياد ليطوّر الصيغة اللبنانيّة وليكرّر سنوات الازدهار التي عاشها لبنان بين العامين 1943 و 1969 قبل توقيعه اتّفاق القاهرة، والانخراط رسميًّا في المواجهة الاقليميّة التي يعرف القاصي والداني ما فعلته بلبنان سويسرا الشرق.

وتسمية سويسرا الشرق لم تأتِ من العدم؛ فسويسرا مشهود لها بتاريخها الحيادي الذي جعلها قبلة أنظار العالم. ولبنان اختبر تجربة الحياد كما سبق وذكرنا، لذلك أطلقت عليه هذه التسمية. وأيّ عاقل اليوم يدرك بأنّ الحياد وحده هو الذي سيؤمّن ديمومة هذا الوطن الصغير بجغرافيّته والكبير بتاريخه.

لذلك كلّه، على الرئاسة تلقّف مبادرة بركي، لتستعيد هيبتها فترجع المجد للبنان كلّه. ولا بدّ من أن تأخذ زمام المبادرة، وتدعو إلى حوار سياسي وليس استعراضيًّا، لمناقشة هذا الطرح بعد تبنيه. لا بل أكثر من ذلك، إغفال دور بكركي التاريخي سيسيء أكثر فأكثر إلى مقام الرئاسة، وهذا ليس من مصلحة أيّ طرف لبناني. وإذا لم تستطع الرئاسة أخذ هذه المسألة على عاتقها، لن تتراجع بكركي عن المضي قدمًا بطرح الحياد. وعندها سيصبح مسرحها العالم. وما لن تستطيع تحقيقه بإجماع اللبنانيين كلّهم، ستحقّقه بإجماع المجتمع الدّولي الذي على ما يبدو أنّه يسير بخطى حثيثة للبننة مَن فقد من اللبنانيين هويّته الكيانيّة.

فالرئاسة مدعوّة للحفاظ على الصيغة لتبقى في صلبها. وحذارِ أن تخرج نفسها بنفسها منها فيكون بذلك آخر عهد فيه رئيس للجمهوريّة، لننتقل بعدها ربّما إلى حكم لامركزيّ موسّع، إداريًّا وسياسيًّا ومجلِسيًّا، تحقّق فيه كلّ مجموعة حضاريّة هويّتها الكيانيّة الذاتيّة على حساب الهويّة الكيانيّة اللبنانيّة. وما لم تستطع الحرب تحقيقه يحقّقه تموضع الرئاسة الاستراتيجي في عهد الرئيس القوي الذي ربّما قد يكون ... الأخير!

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard