عن الحاجة لإصلاح المنظومة الشرطية السودانية

23 تموز 2020 | 17:18

الشرطة السودانية.

كانت حالة السخط والغضب إزاء العديد من ممارسات المنظومة الشرطية، هي العامل المشترك بين كافة الانتفاضات التي اندلعت في ربوع الوطن العربي منذ عام 2011 وحتى اليوم، بما في ذلك انتفاضة كانون الاول/ديسمبر في السودان، وقد عزز هذه الحالة وهذا الشعور غياب مفاهيم حقوق الإنسان والرقابة والمساءلة عن بنية وتكوين هذه المؤسسة على مدار عقود، وهو ما جعل مسألة إصلاح المنظومة الشرطية تشغل حيزًا كبيرًا من اهتمام كافة الدوائر سواء "النخبوية" أو "المجتمعية"، وهو الأمر الذي أثير بكثرة في سودان ما بعد البشير، خصوصًا في ضوء ارتباط مستقبل عملية التحول الديموقراطي ككل بهذا الهدف.

في السودان وحتى يومنا هذا تمسك السودانيون - خصوصًا قوى الثورة - بمطالبهم في ما يتعلق بإصلاح المنظومة الشرطية، وإقالة قياداتها، ورموز النظام القديم، وهو المطلب الذي يعززه شعور بعض القطاعات في السودان أنَّ الجهاز الشرطي بتشكيلته الحالية معوق كبير للثورة، يحول دون تحقيق مقاصدها وأهدافها، وهو المطلب الذي عبّرت عنه تظاهرات الثلاثين من حزيران/يونيو – تلك التي خرجت في الذكرى الأولى للثورة السودانية – حيث طالب المتظاهرون بتنفيذ عدد من الإصلاحات وإكمال هياكل السلطة الانتقالية، وإجراء هيكلة الأجهزة الأمنية، وإقالة مدير عام الشرطة.

فضلًا عن بعض التحركات الأخرى التي أكدت على المطلب ذاته مثل: ورشة التحولات الاجتماعية ومستقبل القطاعات الأمنية في "السودان" والتي عقدت بمبادرة من أساتذة جامعة "الخرطوم" بمشاركة خبراء ومختصين، خرجت بتوصيات مهمة من أبرزها: التأكيد على ضمان قومية ومهنية واحترافية الجهاز في لعب دوره المنوط به؛ لحماية الأمن القومي، بخاصة في ظل التحولات الجارية ومتطلبات فترة انتقالية مستقرة، تحضيرًا لمرحلة الديموقراطية وإجراء الانتخابات، مع الوضع في الاعتبار كافة المخاطر المحدقة من المؤثرات السلبية الداخلية والإقليمية والدولية، وهذا يتطلب الولوج إلى رؤية موضوعية، ولكنها لا تغفل المخاطر والمهددات لمواكبة المرحلة الدقيقة الراهنة، بالاستفادة من تراكم تجارب الدول، فضلاً عن التجارب الثرة لأجهزة الأمن والمخابرات السودانية.

وعلى ما يبدو أنه استجابة لهذه التحركات أصدر حمدوك قرارًا بإقالة مدير عام الشرطة الفريق أول شرطة عادل محمد أحمد بشائر، وهو الذي تولى رئاسة الجهاز في أيار/مايو 2019، أي قبل تشكيل الحكومة الانتقالية التي تسلمت مهامها في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، في أعقاب الإطاحة بنظام المعزول عمر البشير، وهو كذلك الرجل الذي طالما نادت قوى الحرية والتغيير بضرورة إقالته، وتم تعيين الفريق شرطة عز الدين الشيخ علي"مديرًا عامًا لقوات الشرطة بديلًا له، هذا فضلًا عن التعديلات التي أجريت أخيراً في الأجهزة الأمنية، حيث تم دمج الشرطة الأمنية والاحتياطي المركزي تحت مسمى "الأمن الداخلي"، ودمج الشرطة الشعبية ودائرة القوة الخاصة بالشرطة الأمنية إلى قيادة قوات الاحتياطي المركزي، وتم ضم دائرة الإرهاب والتجسس بالشرطة الأمنية إلى المباحث المركزية.

في هذا السياق، فقد طرحت التطورات السابقة العديد من التساؤلات المرتبطة بملف إصلاح المنظومة الشرطية السودانية، وما إن كانت تحركات حمدوك الأخيرة تحركات جادة تستهدف البدء في إصلاحات حقيقية تماشيًا مع مساعي التحول الديموقراطي، أم أنها فقط محاولة لامتصاص غضب الشارع، فالخطورة كل الخطورة في النظر إلى ملف إصلاح القطاع الأمني من منظور - أو عبر - تغيير القيادات والإتيان بقيادات يُضمن ولاؤها؛ لأن الأساس لا بد وأن يكون تغيير السياسات وتحديد السلطات بوضوح وشفافية.

فالحقيقة أنَّنا عندما نتحدث عن إصلاح المنظومة الشرطية، فإنَّنا نقصد ذلك النهج الذي يتبنى آليات من شأنها معالجة كافة الإشكاليات المرتبطة بهذه المنظومة، بما يضمن إدارتها بشكل يتفق والقيم والثقافة الديموقراطية ومبادئ الحكم الرشيد وصيانة حقوق الإنسان والحفاظ على دولة القانون.

وهذه النظرة لفكرة الإصلاح تنطلق من حقيقة كون الجهاز الشرطي جزءاً من كل، فالقطاع الأمني لا بد وأن يكون جزءًا من منظومة سياسية تجعل من النهج الديموقراطي هدفًا، ومن السياسات الديموقراطية آلية، وهو ما يقتضي ويحتم تبني سياسات تجعل من المنظومة الشرطية ركيزة وعمادًا؛ لمساعي التحول الديموقراطي، لا آلية لهدم وإفشال هذه التجربة.

كما يقتضي هذا التصور تبني سياسات تجعل القطاع الشرطي في خدمة المواطن، وليس النظام السياسي، خصوصًا أنَّ نظام "البشير" كان يستغل المنظومة الأمنية بما يعزز ويخدم سلطويته واستبداده، فالمسألة هنا تكمن في إبعاد المنظومة الشرطية عن التسييس، بحيث تكون منظومة وطنية محايدة، منظومة مرجعيتها مهنية لا سياسية، أيضًا يقتضي هذا التصور الخاص بإصلاح المنظومة الشرطية تعزيز الرقابة والمساءلة السياسية على جهاز الشرطة والأمن الداخلي.

إجمالًا يمكن القول إنَّ إصلاح المنظومة الشرطية محدد رئيسي حاكم لمسألة التحول الديموقراطي في السودان، وهذه المسألة بلا شك تواجهها صعوبات وتحديات كثيرة، تبدأ هذه الصعوبات بأبعاد إدارية وتنظيمية واقتصادية، ووصولًا إلى الصعوبات المرتبطة بكون عملية الإصلاح سياسية بامتياز، وهو البعد المرتبط بمحاولات فلول نظام "البشير" والقوى البيروقراطية الوقوف أمام هذه المساعي، وهو ما يقتضي العمل من أجل التوفيق بين كافة الفرقاء السودانيين، من أجل وضع استراتيجية وطنية تتبنى آليات دستورية وتشريعية تمهد الطريق لإصلاحات مؤسسية، هذه الإصلاحات تضمن تبني الشرطة السودانية لسياسات ونهج يتفق والمتغيرات التي طرأت على سودان ما بعد البشير.

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard