هل يكون نظام مجلس النقد مرتَكَزاً صالحاً لحلّ أزمة الاقتصاد اللبناني؟

22 تموز 2020 | 18:23

المصدر: "النهار"

نقود.

يعاني لبنان أزمة مالية من جراء عجز مستدام في الموازنة العامة نتج عنه دين عام متضخم. كما أن العجز في ميزان المدفوعات وتثبيت سعر الصرف شكّل عامل ضغط على احتياطي المصرف المركزي من النقد الأجنبي. ومن أجل تمويل هذا العجز لجأ المصرف المركزي إلى هندسات مالية أشبه بمخطط بونزي (مخطط استثماري احتياليّ يَعِد المستثمرين والعملاء بتقديم معدّلات مرتفعة من العوائد ونسبة قليلة من المخاطر. يعمل هذا المخطط على توليد العوائد للمستثمرين القُدامى عبر جذب المستثمرين الجدد)، كان وقودها أموال المودعين بالنقد الإجنبي في المصارف التجارية. وعلى هذه الحال بات المصرف المركزي غير قادر على إعطاء المصارف التجارية أموالها لكي تعيد للناس ودائعها، ما خلق شحّاً في السوق النقد الأجنبي ورفع من سعره، وأصبح هناك أزمتان متلازمتان، واحدة مالية وأخرى مصرفية.

مع تعثر الوضع المالي وانخفاض سعر صرف الليرة وما نتج عنه من تضخم في أسعار السلع، كثر الحديث عن أهمية التحول من نظام سعر صرف ثابت إلى نظام مجلس النقد. فما هو نظام مجلس النقد؟ ماذا عن تجارب الدول التي اعتمدت هذا النظام؟ وما هي نتائج ترتيبات نظام مجلس النقد على الاقتصاد اللبناني؟

ما هو نظام مجلس النقد؟

يجمع نظام مجلس النقد بين ثلاثة عناصر:1- سعر صرف ثابت، 2- قابلية التحويل التلقائية (أي الحق في صرف العملة المحلية بهذا السعر الثابت كلما رغبت في ذلك)، 3- الالتزام طويل الأجل بالنظام الذي غالباً ما يتم تحديده صراحة في قانون المصرف المركزي.

وتتمحور ترتيبات هذا النظام حول التزام صريح للمصرف المركزي بعدم إصدار العملة المحلية (المطلوبات النقدية للمصرف المركزي) إلا بقدر ما تغطيها حيازاته من النقد الاجنبي. وهكذا تكون النقود المعروضة بالعملة الوطنية محدودة، ما يضمن التحويل التلقائي للعملة المحلية إلى النقد الأجنبي حسب سعر صرف ثابت في مقابل العملة المرساة (anchor). ويتم اختيار العملة المرساة من ضمن العملات الأجنبية قليلة التقلبات ويفضل أن تكون عملة الشريك التجاري الأول.

فتمنح هذه الترتيبات العملة المحلية مصداقية أكبر في التعاملات الدولية، لكنها تحدّ من قدرة المصرف المركزي على تمويل عجز الدولة وعجز المصارف التجارية، بحيث لا يستطيع المصرف المركزي تبعاً لترتيبات هذا النظام أن يلعب دور المنقذ الأخير (last resort) إلا بقدر ما تسمح به حيازته من النقد الأجنبي.

يستخدم نظام مجلس النقد تقنيات نظام سعر الصرف الثابت، ويوصف بنظام سعر صرف ثابت متطرف. فبهدف الحفاظ على ثبات سعر الصرف، يعمل المصرف المركزي على التدخل في سوق القطع بائعاً أو شارياً العملة المحلية مقابل العملة المرساة.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك علاقة وثيقة في الفارق بين سعر الفائدة على العملة المحلية وسعر الفائدة على العملة المرساة من جهة، وحركة رؤوس الأموال من جهة أخرى. فإذا انخفضت الفائدة على العملة المحلية نسبة إلى العملة المرساة أدى ذلك إلى خروج الأموال ما يضغط لانخفاض قيمة العملة المحلية فيتدخل المصرف المركزي في سوق القطع لمنع انخفاضها مستعملاً احتياطاته من النقد الاجنبي.

وبهدف الحفاظ على احتياطاته من العملة المرساة عليه أن يبقي الفارق بين سعر الفائدة على العملة المحلية وسعر الفائدة على العملة المرساة ثابتاً. وهكذا بما أن المصرف المركزي لا سلطة له على أسعار الفائدة على العملة المرساة فإن أسعار الفائدة المحلية ستكون تابعة لأسعار الفائدة على العملة المرساة. أي أنه يتوجب على المصرف المركزي الحفاظ على معدل فائدة للعملة المحلية يتغير مع تغيرات الفائدة على العملة المرساة، فيفقد المصرف المركزي السيطرة على سعر الفائدة قصيرة الأجل، ويفقد بالتالي استقلاليته في ما يتعلق بالسياسة النقدية.

ومن ناحية أخرى، إذا لم يكن النظام المصرفي قادراً على تحمل التغيرات بأسعار الفائدة فإنه سيواجه صعوبات بل سينهار إذا لم يلبِّ طلبات السيولة لأن المصرف المركزي لا يستطيع أن يعمل كالمنقذ الأخير بالنسبة للمصارف إذا كانت احتياطاته من النقد الأجنبي لا تكفي لتغطية إصدار نقد محلي ودعم المصارف التجارية.

وهكذا، فإن نظام مجلس النقد يعزز مصداقية النقد المحلي ومكافحة التضخم إلا أنه يحد من قدرة المصرف المركزي على التمويل النقدي للعجز العام، وكذلك عجز القطاع المصرفي. كما أن تطبيق هذا النظام يعني التخلي الكامل تقريباً عن جميع السيادة النقدية ملغياً إمكانية استخدام السياسة النقدية لتحفيز الاقتصاد.

تجارب لبعض الدول التي اعتمدت نظام مجلس النقد

يعتبر نظام النقد من العهود التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية، حيث كانت المستعمرات البريطانية والفرنسية تتبع هذا النظام. وفي عام 1960، كان 38 بلداً أو إقليماً تعمل تحت نظام النقد، وبحلول عام 1970 بقي 20، وبحلول أواخر الثمانينيات، لم يكن هناك سوى 9.

ويُنظر إلى نظام مجلس النقد على أنه مرغوب، بل وقابل للتطبيق، في ظروف خاصة للغاية، مثل الاقتصادات الصغيرة المفتوحة أو التي تريد أن تنتمي إلى تكتلات نقدية. ويعتبر نظام النقد غير ملائم للاقتصادات المتنوعة التي طورت السلطات فيها الكثير من المهارات في مجال الإدارة النقدية. بالمقابل يتطلب تطبيق نظام مجلس النقد نظاماً مصرفياً قوياً، تتحمل فيه البنوك تقلبات أسعار الفائدة ومتطلبات السيولة.

وقد اعتمدت هونغ كونغ (اقتصاد غير متنوع قائم على الخدمات) في عام 1982 نظام مجلس النقد، مع اعتبار الدولار الأميركي كعملة مرساة للتخفيف من حدة أزمة الثقة في عملتها المحلية. وتجدد الاهتمام بهذا النظام بعد النجاح في تحقيق الاستقرار في الاقتصاد في أعقاب التضخم المفرط في الأرجنتين في عام 1991، مما رفع عدد البلدان التي تستخدمه حالياً إلى 14 بلداً. فقد اعتمدت الأرجنتين على الدولار الأميركي لتثبيت عملتها ومنحها مصداقية أكبر. لكن هذا النظام أنتج أزمة لصادرات الأرجنتين حين ارتفعت قيمة عملتها نسبة لعملة أكبر شركائها التجاريين، البرازيل. وأدت هذه الأزمة إلى انهيار النظام المصرفي عام 1995.

من ناحية أخرى، كان نظام مجلس النقد مجدياً بالنسبة لاقتصادين يمران بمرحلة انتقالية - إستونيا وليتوانيا- لتحقيق المصداقية بسرعة لعملتيهما المنشأتين حديثاً، بحيث شكل الدولار الأميركي العملة المرساة لليتوانيا، أما إستونيا فقد أرست عملتها على المارك الألماني. وفي عام 1997، تم إنشاء مجلس النقد مع اعتماد المارك الألماني كعملة مرساة لإنهاء الفوضى الاقتصادية في بلغاريا.

وتبعاً للباحثتين Ghosh, Gulde, Wolf (1998) وبعد دراسة بيانات البلدان الأعضاء في صندوق النقد الدولي على مدى 25 عاماً، ومن ضمنها اقتصاديات تعاني من التضخم المفرط مثل الأرجنتين، وأخرى تواجه التحول إلى اقتصاد السوق مثل بلغاريا - إستونيا- ليتوانيا، إضافة إلى مواجهة تبعات مركز مالي عالمي مثل هونغ كونغ تبين أن اعتماد نظام مجلس النقد قد خفض التضخم بين 3 و5 نقاط. كما أنه كان له تأثير إيجابي على الثقة بالعملة المحلية وذلك بزيادة الطلب عليها. وعلى النقيض من المخاوف التي أثارها في كثير من الأحيان معارضو مجالس النقد، لم يجد الباحثون أن مجالس النقد القائمة كان لها أي آثار سلبية على النمو الاقتصادي.

ويبقى أن نشير إلى أنه في أي من البلدان التي اعتمدت نظام مجلس النقد، لم يتم العمل به في شكله النقي ولكنه اكتسب تدريجياً ميزات مختلفة متعلقة بخصائص وميزات الاقتصادات الوطنية التي اعتمدته.

ترتيبات نظام النقد في لبنان

إن ترتيبات مجلس النقد تعتبر ترتيبات لا رجعة فيها، وهي تتطلب تعديلاً في قانون المصرف المركزي، صادراً عن المجلس النيابي، لتقيد حقه السيادي في إصدار النقد المحلي، إذ يتضمن التعديلُ النصَّ صراحةً على ألا تتجاوز كمية النقود التي يصدرها المصرف المركزي احتياطاته من النقد الأجنبي والالتزام بسعر صرف ثابت على المدى الطويل. فما هو سعر الصرف المناسب الذي يمكن أن يلتزم به لبنان؟

حسب ترتيبات مجلس النقد، فإن الكتلة النقدية بمعناها الضيقM0 (البنكنوت التي أصدرها المصرف المركزي أي القاعدة المالية) يجب أن تكون مغطاة بشكل كامل بالاحتياطي من النقد الأجنبي.

وبما أن الاحتياطي من النقد الأجنبي المعلن من قبل مصرف لبنان يوازي 20 مليار دولار، وإذا اعتبرنا حاجة لبنان للاستيراد لمدة عشر سنوات 10 مليارات دولار، يتبقى عشرة مليارات دولار لتغطية الكتلة النقدية. أما إذا أخذنا بالاعتبار إمكانية التحويل التلقائي للعملة الوطنية، فإن الاحتياطي من النقد الأجنبي يجب ان يغطي (مجموع النقود في التداول إضافة إلى الحسابات الجارية، بالعملة المحلية) M1والتي يبلغ حجمها في نيسان من العام 2020، ما يقارب 25 ترليون ليرة لبنانية، فيكون سعر الصرف بحده الأدنى 2500 ليرة للدولار الواحد. وكلما ازدادت الكتلة النقدية أو انخفضت كمية الاحتياطي من النقد الأجنبي كلما انخفضت قيمة الليرة اللبنانية.

وهكذا، من أجل الحفاظ على سعر صرف ثابت على المدى الطويل يمكن اعتماد سعر صرف ثابت على 4000 ليرة لبنانية مع السماح أن تكبر الكتلة النقدية بمعناها الضيق بنسبة 4% سنوياً ما يعني أن M1 تزداد نظراً للعلاقة الطردية بين M و M0 (المضاعف النقدي* M1=M0). أما قيمة المضاعف النقدي فتبلغ 1.5 . وعليه إذا لم ينخفض حجم الاحتياطي الأجنبي يستطيع المصرف المركزي المحافظة على سعر الصرف على مستوى 4000 ليرة لمدة 11 سنة.

وهكذا، فإن الاحتياطي الأجنبي للمصرف المركزي، إذا اتخذت التدابير اللازمة، قادر أن يضمن سعر صرف ثابت للدولار على مدى 11 سنة. ولكن بما أن هذا الإجراء لا رجعة فيه، ونظراً للمخاطر السياسية التي يمكن ان تحيط باستخدام الدولار الأميركي، ونظراً لأن تجارة لبنان مع أوروبا تفوق بكثير تجارته مع أميركا يستحسن التثبيت على الأورو وليس الدولار.

ولكي يضمن المصرف المركزي عدم انخفاض احتياطه من النقد الأجنبي عليه أن يحافظ على ألا ينخفض الفارق بين الفائدة على العملة المحلية والعملة المرساة، ما يستدعي رفع الفائدة على العملة المحلية بالتوازي مع أي ارتفاع لمعدلات الفائدة على العملة المرساة. ولكن التقلبات في مستوى الفائدة يمكن أن تزيد من هشاشة القطاع المصرفي. أضف إلى ذلك أزمة السيولة التي تحول دون حصول المودعين على أموالهم وتثير القلق من الاحتمال الكبير من تحول أزمة السيولة في المصارف إلى إفلاس لبعض المصارف لأن احتياطي النقد الأجنبي لن يكفي المصرف المركزي لكي يلعب دور المنقذ الأخير.

فالودائع، كما أعلن المصرف المركزي على لسان رئيسه، "محفوظة وموجودة بالاقتصاد"، ما يعني أن تحويلها من أموال دفترية إلى بنكنوت ولو بالعملة الوطنية من شأنه أن يزيد الكتلة النقدية ويضغط على سعر الصرف وبالتالي يستنفد احتياطي المصرف المركزي من النقد الأجنبي. ومن ناحية أخرى يمكن لأزمة السيولة التي تواجهها المصارف أن تتحول إلى إفلاس؛ من هنا ضرورة زيادة رسملة المصارف وتحسين ملفاتها وصولاً إلى إعادة هيكلية القطاع المصرفي مع ما يمكن أن ينجم عنه من دمج لبعض المصارف.

وهكذا وفي أحسن الأحوال يمكن للبنانيين الحصول على ودائعهم مع مرور الوقت، بتمويل من أرباح البنك المركزي أو بعد تدفق الأموال من الخارج بسبب زيادة المصداقية الناتجة عن نظام مجلس النقد.

وعلى صعيد آخر، فإن ترتيبات نظام مجلس النقد يمكن أن تؤدي إلى تخفيض العجز وربما إلى التخفيف من الهدر والفساد وذلك لأنها تحد من قدرة المصرف المركزي على تمويل عجز الخزينة. ولكن تفقد السياسة النقدية أي قدرة تخفيض البطالة وتحفيز الاقتصاد.

وتبقى إشكالية ارتفاع قيمة العملة المرساة التي من شأنها أن ترفع من قيمة العملة المحلية المرتبطة بها. وبالتالي فإن كلفة الإنتاج المحلي سترتفع، ما يجعل السلع المصنعة محلياً باهظة ويقلل من حظوظ التصدير. فعلى الرغم من أن ارتفاع قيمة العملة المحلية يمكن أن يساعد، على المدى القصير، في مشكلة التهريب لبعض السلع المدعومة، إلا أنه يحرم الاقتصاد وعلى المدى الطويل من دخول أموال أجنبية من التصدير ويضرب الاقتصاد الحقيقي من زراعة وصناعة في حال لم تؤخذ التدابير اللازمة لدعم الصادرات.

الخلاصة

إن المصداقية للعملة المحلية والتضخم المنخفض، هما الميزتان الواضحتان على الفور لمجلس النقد. ولكن تكلفة أخرى مؤلمة تتمثل بإفلاس بعض المصارف وعدم قدرة السلطات الوطنية على استخدام السياسات النقدية، مثل تعديل أسعار الفائدة المحلية أو أسعار الصرف، لتنشيط الاقتصاد. لذلك يجب إعادة هيكلة القطاع المصرفي قبل اعتماد نظام النقد، وابتكار حلول لتنشيط سوق العمل وكذلك لدعم الزراعة والصناعة بالتوازي مع تطبيق نظام مجلس النقد. فليس هناك وصفة واحدة لنظام موحد يطبق في كل الاقتصادات، ولكن لكل دولة ميزاتها وخصوصيتها.

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard