النيل مُلك للجميع: على مصر أن تتعامل بشكل عادل ونزيه

22 تموز 2020 | 17:19

أزمة النيل (تعبيرية- أ ف ب).

أولاً ، اتهمت مصر إثيوبيا بـ"عزمها على ممارسة الهيمنة المائية" على مياه النيل. والآن، على الرغم من المفاوضات الجارية، بعثت مصر برسالة إلى مجلس الأمن الدولي تتهم فيها أديس أبابا بالفشل في التوصل إلى اتفاق بشأن عملية المفاوضات حول سد النهضة الإثيوبي.

ومنذ أن أعلنت إثيوبيا عن خطتها لبناء سد على نهر النيل، حارب المسؤولون المصريون بكل الوسائل لمنع بنائه، على الرغم من أن إثيوبيا كانت شفافة ودعت مصر والسودان لمراجعة وثائق التصميم والبناء.

وهناك تقارير تفيد بأن القاهرة تعارض بناء سد النهضة إلى حد أنه في اجتماع برئاسة الرئيس الراحل مرسي، فكر المصريون في كيفية تخريب البناء وحتى استخدام التوغل العسكري. هذا على الرغم من أن إثيوبيا ظلت ولا زالت توضح باستمرار أنها تعتبر السد منصة للتعاون وجانبًا حاسمًا من أجندة التنمية الوطنية ووسيلة للتخفيف من حدة الفقر.

بدأ العمل في السد في عام 2011 و أعلن رئيس الوزراء أبي أحمد هذا العام أنه على الرغم من تحديات فيروس كورونا، فان أعمال البناء على السد جارية وفقاً للموعد المحدد له، مع ملء الخزان خلال موسم الأمطار الذي يبدأ في يونيو حيث خاطب أبي الإثيوبيين قائلاً: "إن إنقاذ الأرواح هو من أولويتنا، والأولوية الثانية هي عملية بناء سد النهضة".

وفي حين ترى إثيوبيا أن عملية بناء السد ضرورية للبنية التحتية من أجل أن تصبح البلاد معتمدة على الذات في ما يتعلق باحتياجات الطاقة (الوصول إلى الكهرباء في مصر وإثيوبيا هو 100 و 45 في المائة على التوالي - لذا فإن الوصول في إثيوبيا أقل من النصف)، ومصر ظلت تعتقد لفترة طويلة أن بناء السد من المرجح سيعطّش سكانها.

وقد تفاقم هذا التقييم الضيق أيضًا بسبب تصور مصر للنيل كمسألة تتعلق بالأمن القومي. ومصر تعمل من خلال اعتمادها على اتفاقيتين ــ واحدة وقّعت في عام 1929 بين بريطانيا العظمى ومصر. وأخرى في عام 1959 مع السودان ـــ على اتخاذ نهج عدواني في الأمور المتعلقة باستخدام مياه النيل.

ولسنوات، كانت مصر قادرة على الاعتماد على هذه الاتفاقات القديمة من جانب واحد والتي تم التوصل إليها بينها وبين البريطانيين، دون أي مساهمة من إثيوبيا، لتحديد كيفية استخدام مياه النيل. وغالبًا ما تفشل مصر في الاعتراف بحقيقة أن أوغندا لديها سد أوين فولز والسودان لديه سد مروي - وكلاهما مبني على النيل. وعلى الرغم من ذلك، فإن مصر تراقب مستويات المياه وتقدم تقارير إلى القاهرة، وهو ما يعد تدخلًا في الأمن القومي لدول ذات سيادة.

هناك بالطبع أسباب مختلفة لقلق مصر بشأن بناء سد النهضة. ومن الحجج التي تذكرها مصر في كثير من الأحيان حول السد، أنه سيقلل إلى حد كبير من إمدادات المياه في بلدها، كما ذكر أعلاه، حيث إن البلاد تعتمد على 90 في المائة على مياه النيل. هذا أمر مفهوم. ومع ذلك، فإن النظر بعناية في الخلاف يظهر أن شيئًا آخر قد يكون وراء معارضة مصر المستمرة لعملية بناء سد النهضة الإثيوبي العظيم.

*الدكتور لؤل سجد ابب ([email protected]) باحث مستقل، استشاري . خبير سلام وأمن مع أكثر من 30 عاماً من الخبرة والعمل في أفريقيا وحولها مع الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي على التنمية والمساعدات الإنسانية والمصالحة والحكم الرشيد.

ومنذ بداية عملية البناء، أعطت إثيوبيا تأكيدات بأنها ستتخذ جميع الخطوات اللازمة لضمان حماية المصالح المصرية والسودانية. وفي كل مفاوضات بين السودان ومصر وإثيوبيا، خصص المسؤولون الإثيوبيون قدرًا كبيرًا من الوقت لإعطاء ضمانات قوية بالوفاء بهذا الوعد. ولقد أوضحوا الحاجة إلى السد وحرصوا طوال الوقت على معالجة أي شكوك للمصريين.

وعندما اجتمع وزراء خارجية الدول الثلاث في واشنطن العاصمة في 13 يناير 2020، أوضح المسؤولون الإثيوبيون أن ملء السد سيوفر تدابير التخفيف المناسبة لمصر والسودان. كانت إثيوبيا أيضًا قابلة للاقتراح القائل بوجوب تنفيذ المراحل اللاحقة من التعبئة وفقًا لآلية متفق عليها لا يتم تحديدها فقط من خلال الظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق ومستوى السد الذي يعالج أهداف الملء في إثيوبيا.

فلماذا اختارت إثيوبيا عدم حضور اجتماع لاحق بعد الاجتماع الذي عقد في 13 يناير؟ وفقًا لوزارة الخارجية الإثيوبية، فإن إثيوبيا بحاجة إلى الوقت للتشاور مع أصحاب المصلحة حول مسودة اتفاقية أعدتها الولايات المتحدة الأميركية دون موافقة الدول الثلاث. ومن المهم ملاحظة أنه بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة توسطت في 13 كانون الثاني والاجتماعات اللاحقة في العاصمة الأميركية واشنطن، فقد حضر أيضا وزير الخزانة الأميركي ورئيس البنك الدولي كمراقبين.

واتضح أن الولايات المتحدة تدخلت بعد أن اتصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس دونالد ترامب، الحليف المقرب، للمساعدة في حل الوضع مع إثيوبيا. وربما لم يكن تدخل الولايات المتحدة في النزاع غير مسبوق، خاصة بالنظر إلى دور أميركا بصفتها شرطي العالم. ومع ذلك، فإن حقيقة أن الرئيس السيسي، الذي يعتبر أحد أطراف المفاوضات، كان هو الشخص الذي تواصل مع الرئيس ترامب قبل ان يتفق مع إثيوبيا والسودان على ذلك. فهو بذلك يخالف المادة 10 من اتفاقية اعلان المبادئ التي تؤكد أن على البلدان الثلاثة الاتفاق معاً على الوسيط، وذلك قد أزال أي مظهر من مظاهر الحياد في المفاوضات.

وأصبح من الواضح أن الرئيس ترامب يرغب في الحصول على الفضل في المساعدة على حل النزاع. ولكن ما لم يطّلع بشكل كامل على التطورات حتى الآن، فمن المؤكد أنه يجب أن يدرك أنه لا يمكنه أن يضغط على أحد أطراف المفاوضات. وكما قال جيدو أندارجاشيو ، وزير خارجية إثيوبيا مؤخرًا: " هناك قضايا معلقة تحتاج إلى مفاوضات". وكدولة ذات سيادة، فإن إثيوبيا لديها كل الحق في تحديد جدول أعمالها الاقتصادي بما يتناسب مع مصلحتها الوطنية، ولن يغير هذا أي قدر من الضغط الأجنبي.

قد تظل المعاهدة الأنجلو المصرية لعام 1929 ونسختها المعدلة، اتفاقية 1959، صالحة للمسؤولين المصريين. ومع ذلك، لم تأخذ أي من هذه الاتفاقيات في الاعتبار احتياجات البلدان المشاطئة الأخرى - لا سيما إثيوبيا، التي تزود 80 في المائة من مياه النيل.

يجب ألا ننسى أن مصر رفضت اتفاقية الإطار التعاوني التي وقعت عليها أربع دول حوض النيل في عام 2010. حتى الآن، لقد وقعت ست دول على اتفاقية وقف إطلاق النار ، من بينها إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا التي صدقت على الوثيقة، بينما يقال إن كينيا وبوروندي وجنوب السودان قد بدأت عملية التصديق. لقد سعت تلك المعاهدة إلى إنشاء إطار عمل "لتعزيز الإدارة المتكاملة والتنمية المستدامة والاستخدام المتناسق لموارد الحوض، وكذلك لحفظ وحماية مصالح الأجيال الحالية والمقبلة". ولذلك، فإنه غني عن القول بعض الشيء أن تتهم نفس الدولة إثيوبيا بالفشل في التوصل إلى اتفاق بشأن تشغيل سد النهضة.

لقد انتهت أيام استخدام القوة المهددة، وإثيوبيا، مثل جميع دول الحوض الأخرى، لها الحق في مياه النيل مثل مصر. إثيوبيا بحاجة إلى النيل من أجل تنميتها مثلما تحتاجه مصر من أجل بقائها ستكون التسوية أساسية - لكن مصر يجب أن تكون عادلة.

[email protected]

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard