صفقات الشراء العام والمرافق العامة... رهينة السوق السوداء

22 تموز 2020 | 12:21

عملة الدولار. (تصوير مارك فياض)

باتت مشكلة هلاك الحد الأقصى لعقد النفقات وتنفيذ موازنات المؤسسات العامة وفقاً للأصول المحددة في قانون المحاسبة العمومية والأنظمة المالية لتلك المؤسسات، بالإضافة الى هلاك قيمة الاعتمادات المرصودة في الموازنات المستقلة والمخصصة للصيانة والمواد واللوازم والأشغال؛ بسبب تآكل القيمة الشرائية وتدهور سعر الصرف الرسمي يومياً؛ باتت تشكل تهديداً حقيقياً لسير وانتظام المرافق العامة.

خاصة في ظل غياب التدابير التنظيمية من قبل مجلس الوزراء لإعادة النظر بكافة السقوف المالية لعقد النفقات وتسهيل نقل الاعتمادات في الموازنات المستقلة للمؤسسات العامة لتأمين استمرارية سير المرافق العامة واستدامة تأمين اللوازم والأشغال الضرورية لتسيير المرفق العام.

فعلي سبيل المثال في المؤسسات العامة يمكن عقد الصفقات بموجب بيان أو فاتورة، إذا كانت قيمتها لا تتجاوز عشرة ملايين ليرة لبنانية، على ان يجيز الشراء بموجب بيان أو فاتورة الرئيس/ المدير العام، إذا كانت قيمة الصفقة لا تتجاوز ثلاثة ملايين ليرة لبنانية، ومجلس الإدارة في الحالات الأخرى؛ شرط ان تستحصل لجنة الشراء على ثلاثة عروض على الأقل بمواصفات وشروط موحدة يتقيد المرجع الصالح لعقد النفقة بالسعر الأدنى المعروض إلا في الحالات التي تستوجب وضع عناصر المفاضلة لصالح المصلحة بموجب تقرير مفصل يبرر ويثبت صحة الاختيار الاستثنائي.

وحيث إن السقف المذكور أعلاه والبالغ من جهة أولى ثلاثة ملايين ليرة لبنانية ومن جهة أخرى عشرة ملايين ليرة لبنانية، بات سقفاً خيالياً – وهمياً فاقداً للقيمة الشرائية، بفعل التعثر الحاصل في الإدارة المالية للبلاد حيث يلامس سعر الصرف في السوق السوداء عشرة آلاف ليرة لبنانية والذي يفاقمه التبعثر في الإدارة الاقتصادية بسبب تفلت الأسعار والاحتكار وتحديد أسعار السلع على أساس سعر الصرف في السوق السوداء، وما يسري على السقوف المالية لعقد النفقات بموجب بيان أو فاتورة ويسري أيضاً على الأحكام المتعلقة بالبت بالصفقات سواء بالتراضي أو الأشغال بالأمانة أو باستدراج العروض، مع ما يفرضه ذلك من وجوب إجراء معظم صفقات الشراء العام بموجب مناقصات عمومية لتأمين مختلف اللوازم والأشغال، مع ما يتطلبه ذلك من تعقيدات إدارية وكلفة مالية وخسائر استثمارية وتعثر للمرفق العام بفعل تأخر جهات الوصاية في تصديق تلك المناقصات، ومن ثم إحجام المتعهدين على التقدم للمشاركة في تلك المناقصات العمومية بفعل القيود المصرفية والتقلب اليومي للأسعار والشروط الإدارية المفروضة لجهة الكفالات المؤقتة والنهائية والتوقيفات وغيرها.

وبالتالي فإن هذا الواقع يُنذر بتداعيات إدارية واستثمارية وينعكس على كافة عمليات الشراء العام ويهدد انتظام سير المرافق العامة ويخل بمبادئ المنافسة والشفافية، ومن ناحية ثانية تبرز مشكلة أهم وأخطر تتمثل في هلاك قيمة الاعتمادات المفتوحة في موازنات المؤسسات العامة وتدني قيمتها الشرائية بنسبة تجاوزت حتى الآن 60%، ما سيوجب نقل الاعتمادات لتأمين تغطية النفقات وتسيير المرفق العام، وهذا ما سيعني انتظار أشهر لتأمين اعتمادات بفعل التأخر في تصديق قرارات مجالس الإدارة الرامية لنقل الاعتمادات، حيث تستغرق المعاملات أشهراً لدراستها من قبل المرجع المختص.

هذه الإشكالية تبدو أكثر تفاقماً بالنسبة للمؤسسات العامة غير المنتجة والتي تنتظر مساهمات أو سلفات من الخزينة أو الموازنة العامة، إذ لا احتياطات لديها لتنقل الاعتمادات منها. هنا تبدو ذروة الخطورة على استمرارية تلك المرافق العامة، ما يوجب بالنسبة للمؤسسات العامة المنتجة إعادة النظر بكافة السقوف المالية لعقد النفقات لتأمين استمرارية سير المرافق العامة واستدامة تأمين اللوازم والأشغال الضرورية لتسيير المرفق بالإضافة الى ضرورة انجاز معاملات نقل الاعتمادات بالسرعة اللازمة من قبل سلطتي الوصاية المالية والإدارية، والسير بتطبيق المادة 43 من القانون رقم 77 الصادر في 18 نيسان سنة 2018 الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2018 التي تنص على إلغاء عدد من المؤسسات العامة والمصالح المستقلة التي تنتفي الجدوى الاقتصادية والخدماتية من استمرارها، ودمج المؤسسات التي تتشابه المهام والخدمات التي تقدمها مع نقل العاملين إلى المؤسسات العامة المستمرة وبالشروط والأجور المحددة للوظائف التي يتم النقل إليها.

_____________


*رئيس مجلس إدارة مدير عام المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وأستاذ محاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية.

.

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard