مئة يوم حاسمة تحضيراً للسنة الأكاديمية المقبلة: خطوات عمليّة

25 تموز 2020 | 11:31

المصدر: "النهار"

اعتصام أمام وزارة التربية (حسن عسل).

لا ترتبط إعادة فتح المدارس والجامعات الرسمية والخاصة للسنة الأكاديمية المقبلة بتخفيف مستوى التعبئة العامة في لبنان فحسب، بل بإطلاق العجلة الاقتصادية مجدداً في بلد يمر بأزمة مالية خانقة لم يشهد لها مثيلاً في تاريخه. والأهم من ذلك أنها مرتبطة مباشرة بشبابه، أمل الوطن ومستقبله، بعد نهب أمواله ومقدراته من قبل سلطة الفساد والمحاصصة.

إن المضي قدمًا بإعادة فتح المؤسسات التربوية في ظروف استثنائية يترتب عليها مشاركة مكونات المجتمع التربوي من وزارة التربية والتعليم العالي (والدوائر التربوية في المناطق) إلى إدارات المؤسسات التعليمية مروراً بالأهل والطلاب (للدلالة إلى المستوى الجامعي والتلاميذ للتعليم المدرسي) والهيئات التعليمية في الوصول إلى قرار يرتاح إليه الجميع، ما يسمح بالانتقال من الإغلاق القسري للمؤسسات إلى إعادة فتحها بطريقة منظمة وآمنة. وهنا نطرح السؤال: متى سيحدث ذلك، وكيف سيبدو الواقع التربوي من الآن حتى بداية السنة الأكاديمية؟

ترتكز الخطوة الأولى على تحديد ما يمكن القيام به بشكل فعّال خلال المئة يوم المقبلة لتقييم الواقع والعمل في الوقت الإضافي لتطوير استراتيجية آمنة وفعالة لفتح أبواب مدارسنا وجامعاتنا. ومن هنا، يجب اعتبار التخطيط والتنفيذ والإنفاق الهادف والمساءلة القواعد الأساسية التي ستَبني عليها مكونات المجتمع التربوي قراراتها.

والجدير بالاهتمام أن المؤسسات التربوية ستتعرّض خلال العام الدراسي المقبل لضغوط مالية من جراء الوضع الاقتصادي العام وانخفاض القيمة الشرائية للّيرة اللبنانية. وسيؤثر ذلك على قدرة آلاف الأهالي على دفع الأقساط المدرسية المترتبة عليهم وبالتالي أرجحية انخفاض نسب تحصيلها. كما أنه من المتوقع أن يشهد القطاع المدرسي والجامعي الخاص هجرة طلابية باتجاه القطاع الرسمي للأسباب نفسها، الأمر الذي سيجبر القطاع الخاص على الاستغناء عن عدد من الأساتذة والموظفين. كما سيدفع القطاع الرسمي باتجاه درس إمكانية استيعابهم لمواجهة الازدياد المتوقع لعدد الطلاب فيه.

من هنا، على الوزارة والإدارات التربوية الرسمية والخاصة التحضير لعدة سيناريوات متعلقة بالهجرة الطلابية المتوقعة وفرضية الاستمرار بالتعليم من بُعد بطريقة جزئية أو كُليّة في حال عدم فتح المؤسسات في فصل الخريف المقبل أو إقفالها اضطرارياً إن لم تتم مكافحة الوباء بشكل كامل. إن عدم وضوح الرؤية بالنسبة لتفشي الوباء أو انحساره يرتّب على المؤسسات التربوية تنفيذ شروط الحماية الصحية لآلاف الطلاب لتأمين عودتهم. كما سيجبرها ذلك، على الاستثمار في تطوير البنية التكنولوجية في حال الاستمرار في عملية التعلّم من بعد (أو التعلّم الافتراضي) وإيجاد الحلول لموضوع افتقار التلاميذ والطلاب إلى جهاز كمبيوتر أو ألواح ذكية ومساعدة التلاميذ والطلاب في الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة.

يتطلب الوصول إلى خطة استراتيجية آمنة وفعالة لفتح أبواب المؤسسات التربوية عملاً مشتركاً بين مكونات المجتمع التربوي. ومن هنا، نستعرض أدناه بعض النصائح والمهمات المتوقع من كل مكوّن من المجتمع التربوي القيام بها خلال المئة يوم المقبلة. حتى ولو كان لدى المؤسسات التربوية استراتيجيات للتعافي من أزمات مماثلة، فقد يكون ما يلي بمثابة تذكير مفيد وفرصة للبدء بالتحضيرات للسنة الأكاديمية الجديدة.

مهمات وزارة التربية والتعليم العالي

• العمل على تأمين شبكة WiFi شاملة بكلفة مقبولة يستفيد منها التلاميذ والطلاب في بيوتهم (إذا دعت الحاجة) وكذلك توفير الكتب المدرسية الرسمية الرقمية. كما يجب دراسة كلفة توفير جهاز كمبيوتر أو ألواح ذكية لبعض مستويات التعليم.

 • تحسين المحتوى التعليمي للمواد الدراسية باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، وتوفير فرص النقاش لأخذ رأي الطلاب في عملية التعلّم من بعد. بالإضافة الى ذلك، دعم التطوير المهني الذي يركز على بناء مهارات المُعلم/ة وأولياء الأمور.

• وضع خطة لدعم الطلاب المحتاجين كما فعلت الحكومة مع العائلات الفقيرة. إن تكلفة عدم القيام بأي شيء أكبر بكثير من الاستثمار بجيل المستقبل وستكون عائداته مضمونة.

• تسهيل استيعاب الطلاب المنتقلين من المدارس والجامعات الخاصة إلى المؤسسات الرسمية هي قضية رئيسية. يجب أولاً جعل المباني آمنة ومراجعة طاقاتها الاستيعابية. كما يجب درس إمكانية تطبيق نموذج الدوام المزدوج (إذا دعت الحاجة) التي تم تبنيه في العديد من المدارس الرسمية في ثمانينيات القرن الماضي ومؤخراً مع التلامذة اللاجئين.

• الطلب إلى المؤسسات التربوية الرسمية (مدارس وفروع الجامعة اللبنانية) في كل منطقة فتح أبوابها للأهل والطلاب المهتمين بالالتحاق بها أو تأمين خط ساخن للإجابة عن أسئلتهم. بهذه الخطوة تبدأ عملية الإحصاء العام والذي ستبنى الإجراءات الاستيعابية اللازمة على أساسه (من تأمين مقاعد إضافية الى استقطاب أساتذة مؤهلين وغيرها).

• البحث الجدي في موضوع الشراكة بين مؤسسات القطاع التربوي الرسمية والخاصة أو بين المؤسسات الخاصة في ما بينها لدراسة إمكانية الاستفادة من الموارد البشرية والتقنية والمباني المتوافرة. قد تساعد هذه الخطوة على تبادل الخبرات وخصوصاً بعد الكلام عن تسريح بعض الأساتذة من المؤسسات التربوية في القطاع الخاص بسبب الانخفاض المتوقع لعدد الطلاب للسنة المقبلة.

• دراسة فرص تأمين التمويل لدعم التعليم بشكل عام والخطة الاستراتيجية بشكل خاص عبر الدولة أو المنظمات الدولية المانحة والتوجه الى المنظمات غير الحكومية وخصوصاً تلك التي تتوافر لديها الإمكانات المادية. تستطيع الوزارة مثلاً الاستفادة من تحويل وجهة استعمال الأموال المخصصة لإجراء الامتحانات الرسمية (بعد قرار إلغائها) والتي تبلغ حوالي 22 مليار ليرة سنوياً.

مهمات الإدارات التربوية للمدارس والجامعات

• دراسة كيفية إعادة فتح الصروح التعليمية بطريقة أفضل مع تحسين فرص التعلّم عبر تقييم الطاقة الاستيعابية وتأمين الموارد البشرية وخدمات الدعم الطلابي ومتطلبات التمويل والاستثمار في البنية التكنولوجية في حال الإغلاق المتقطع في المستقبل.

• إعادة النظر في الأقساط الدراسية أو الرسوم وطرق ومواعيد دفعها، ودراسة إمكانية تجميدها على مدى الثلاث سنوات المقبلة ضمن سلّة من الإجراءات تهدف الى المحافظة على أكبر عدد ممكن من الطلاب ضمن بيئتهم التربوية الحالية.

• اعتماد مبدأ تقسيم الخسائر بين الإدارات والأساتذة والطلاب، والعمل مع مكونات المجتمع التربوي للمحافظة على استدامة المؤسسات ومستقبل الطلاب والمحافظة على الأساتذة وعدم تحميل مكوّن واحد كامل أعباء الأزمة.

• إعطاء فرصة لطلاب المدارس والجامعات الخاصة للتفكير بقرار تسجيلهم للعام المقبل مع تحديد موعدين للتأكيد (إستمارة النوايا) وتأمين خدمات الإرشاد والدعم النفسي للطلاب الذين يفكرون بالانتقال الى التعليم الرسمي قبل أخذ القرار.

• تأمين دفع رواتب الهيئة التعليمية بما يتناسب مع الواقع المعاش، واعتبار موضوع الشراكة بين مؤسسات القطاع التربوي أولوية عبر درس إجراءات وشروط الإعارة لبعض أعضاء الهيئة التعليمية بين المؤسسات الخاصة والرسمية أو أشكال أخرى من التعاون.

• تكييف سياسات وشروط التسجيل لدى المؤسسات التربوية لتأمين انتقال مرِن للفئات الطلابية المستهدفة بسبب الأزمة من المؤسسات التربوية الخاصة الى الرسمية منها.

• التواصل مع الأساتذة المعرّضين للتسريح من الآن وإبلاغهم بإمكانية تنفيذ هذه الخطوة على أن يتم تثبيت موعد القرار النهائي لاحقاً. تُحتِّم سرعة المتغيرات الاقتصادية على الإدارات التربوية القبول بتمديد الموعد الأقصى بالنسبة الى قرارات التسريح (5 تموز للمدارس الخاصة وقد صدر قانون من مجلس الوزراء يتعلق بتمديد المهل) مع مراعاة التعويضات القانونية المترتبة والجانب الإنساني بالنسبة لأولاد الأساتذة المُسَرَّحين الذين يدرّسون في المدرسة نفسها.

مسؤوليات الأهل والطلاب

• يجب على الأهل الذين يفكرون بنقل أولادهم من التعليم الخاص (المدرسي والجامعي) الى التعليم الرسمي أن يقيِّموا قدراتهم المالية على المدى القصير (الأشهر الستة المقبلة إلى سنة) والمتوسط (سنتان من الآن) قبل إتخاذ القرار.

• قبل اتخاذ القرار المهم، يجب على الأهل إشراك أولادهم في النقاش. يُعَدُّ نقل التلميذ أو الطالب إلى مدرسة أو جامعة جديدة أمراً معقداً لأنه قد يؤثر على أمور أخرى غير التعلّم. سيرغب الأهل بالتحدث إلى أولادهم حول التغيير قبل تنفيذه حتى يعرفون ما الذي يجري وما يمكن توقعه أثناء عملية التغيير.

• يجب على الأهل أيضاً أن يسألوا أنفسهم عن جودة التعليم الذي يبحثون عنه لأولادهم ونوع البيئة الأنسب لهم ولغة التدريس المعتمدة والبرنامج الأكاديمي المطلوب. وبناء على ذلك، عليهم البدء بالبحث والتعرف إلى المدارس أو الفروع الجامعية التي يهتم أولادهم بالالتحاق بها والنظر في كل خيار متاح واتخاذ القرار المناسب.

• القيام بإعداد قائمة بتلك المؤسسات بناء لنقاط القوة والضعف لدى كل مدرسة أو جامعة أو فرع جامعي. يرجى الانتباء الى احتمال اختيار أكثر من مدرسة أو جامعة إذا تعذر وضع كل الأولاد في مؤسسة واحدة. ومن المهم أيضاً التفكير في خدمات النقل والكافيتريا أو الأنشطة اللاصفيّة ودرس الخيارات البديلة في حال عدم توافرها.

• إبلاغ المدرسة أو الجامعة الذي يدرس فيها التلاميذ أو الطلاب بفكرة الانتقال الى مؤسسة أخرى. قد يحتاج التلميذ أو الطالب إلى بعض المساعدة الإضافية أثناء المرحلة الانتقالية عبر البقاء على تواصل مع الأساتذة أو المرشدين الذين يعرفون التلاميذ أو الطلاب جيداً.

• إن مساعدة التلميذ على البقاء على تواصل مع الأصدقاء من مدرسته القديمة (وخصوصاً من سيغادرونها) عبر تنظيم اللقاءات الدورية خطوة أساسية لتسهيل عملية الانتقال. قد يكون الانتقال إلى مدرسة جديدة أمراً صعباً بالنسبة للتلميذ وقد يستغرقه بعض الوقت لتكوين صداقات جديدة.

• دراسة إمكانية توظيف مدرّس مساعد إذا كان الأهل قلقين من أن أولادهم قد يتخلّفون عن أقرانهم أو يواجهون صعوبة في الانتقال إلى بيئة تربوية جديدة.

مسؤوليات الأساتذة والهيئة التعليمية

• البحث في تطوير قدراتهم في موضوع التعلّم عن بعد عبر متابعة الفيديوات التدريبية الموجودة على الإنترنت أو من خلال ورش العمل التي تنظمها المؤسسات التربوية.

• التفكير في الخيارات المتوقعة للسنة المقبلة بجدية ودرس إمكانية الانتقال للتعليم في القطاع الرسمي أو الى مؤسسات خاصة أخرى. تحديث السيرة الذاتية تحضيراً لبدء عملية البحث عن عمل جديد إذا دعت الحاجة.

• التواصل مع النقابات المهنية لإطلاق حوار حول موضوع الشراكة بين القطاعين العام والخاص ودرس تأثير كل من السيناريوات المتوقعة على الجسم التعليمي.

• البقاء على أهبة الاستعداد للتواصل مع الطلاب الذين قد يغادرون المدارس أو الجامعات الخاصة الى وجهة غير محددة.

• البقاء على اطلاع حول فيروس الكورونا، حيث يمكن أن يؤثر ذلك بشكل مباشر على المؤسسات التي يعملون فيها أو على صحة طلابهم في الفصول الدراسية.

• مساعدة زملائهم من خلال تبادل الموارد التعليمية المتعلقة بمهارات التعلم عن بعد والتي تشمل مواقع الشبكة العنكبوتية، والمواد التعليمية، والمنشورات، أو الموارد الأخرى لاستخدامها مع الطلاب لهدف تحسين مشاركتهم خلال الصفوف الافتراضية ونجاحهم.

• العمل مع الإدارات التربوية على إرساء إجراءات تقييم عادل للأداء المهني يُطبّق بطريقة منصفة في حال الاستغناء عن بعض الأساتذة أو الموظفين.

لقد ساهم الحجر المنزلي وتدهور الأوضاع الاقتصادية في تنمية قدراتنا وقدرات تلاميذنا وطلابنا على التكيّف مع المستجدّات. كما أجبرتنا الأزمات على تغيير أوجه متعددة من حياتنا، ومنها طريقة التعلّم، إمكانية اختيار مدرسة أو جامعة أخرى لأولادنا واعتماد نمط عيش مختلف. وفي الوقت الذي تقوم فيه الحكومة بمكافحة الوباء، لن يكون هناك شيء مرتبط مباشرة بمستقبل أولادنا أكثر من وجود خطة فعالة لإعادة فتح المؤسسات التربوية على أن يتم تنفيذها بشكل منظم وبسرعة وتتكيف مع الظروف والمتغيرات.

لم يلعب الطلاب أي دور في تفشي الفساد الذي أنهك خزينة الدولة ولا في خلق الأزمات الاقتصادية التي أثقلت كاهل أهلهم؛ وبالتالي لا يجب أن يُطلب منهم دفع ثمن عدم الاحترافية وضعف التخطيط. إن معيار النجاح في افتتاح منظم للسنة الأكاديمية الجديدة لا يرتكز فقط على مقدار الوقت الذي ستخصصه الجهات المعنية لذلك بل على نوعية الخطوات المنفذة والتي ستوصلنا الى الهدف المنشود. ولذلك المئة يوم المقبلة مصيرية... والعد العكسي بدأ.

* دكتور واستشاري في التربية والتعليم العالي

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard